شأنها شأن غالبية الحركات الإحتجاجية أو الأنشطة الإنقلابية في دول العالم الثالث، جاءت التظاهرات الغاضبة والتحركات الشعبية الحاشدة الرامية للإطاحة بنظام الشاه في إيران عام 1979 مفتقدة للتصور الشامل والرؤية المتكاملة لما يمكن أن يسمي ب"السيناريو القادم" أو "الوضع البديل" .ففي حين طغت الرغبة الملحة في التخلص من النظام القائم في حينها علي التفكير في بلورة أو صياغة رؤية متوازنة لما سوف تكون عليه الأمور خلال "اليوم التالي"، غاب عن المتظاهرين إعداد برنامج واضح ومتماسك عن شكل الدولة أو طبيعة نظامها السياسي في مرحلة ما بعد الشاه. فلم يكن لدي الخميني في البداية مشروع سياسي محدد لمستقبل الدولة الإيرانية، فلقد كان في الأساس رجل دين يعارض سياسات الشاه وحينما جاء إلي إيران بعد خروج ذلك الأخير وبدأ الفعل الثوري في الخفوت مفسحا المجال أمام إجراءات سياسية واجبة، وجد الخميني نفسه مضطرا لتدشين نظام حكم بديل في أسرع وقت، فرفع شعار حكم الولي الفقيه الذي يختاره الله ويريده الشعب. وفي هذا يؤكد إبراهيم يزدي وزير الخارجية الإيراني في حكومة مهدي بازوكان رئيس وزراء أول حكومة بعد نجاح الثورة، أن المشكلة كانت أن كل القوي السياسية والإجتماعية الإيرانية وقتذاك كانت متفقة علي هدف التخلص من الشاه لكنها كانت مختلفة علي كل شيء بعد ذلك بدءا من نوع الدولة وشكل نظام الحكم فيها مرورا بدستورها وقوانينها الحاكمة وانتهاء بعلاقاتها الخارجية. فأثناء الثورة، كانت جميع الأحزاب والفصائل السياسية، اليمينية أو اليسارية، الدينية أو غير الدينية، متفقة علي ما لا تريده وهو أن الشاه يجب أن يغادر وأنه تجب الإطاحة بنظام حكمه الاستبدادي، غير أن هذا الإتفاق قد غاب عن مواقفهم المتعلقة بالبديل الذي سيحل محل نظام الشاه. ولهذا، بدأ الخلاف علي الفور بعد الثورة بين جناحها الديني وجناحها الليبرالي واليساري، وهو الخلاف الذي بدأ يأخذ شكل مشاحنات ومواجهات لم تلبث أن تحولت، بدورها ومع مرور الوقت وبروز تحديات الداخل والخارج، إلي صراعات أفضي حسمها لمصلحة الجناح الديني الأقوي والممسك بزمام السلطة والمهيمن علي ركائز القوة، إلي تهميش التيار الليبرالي والوطني الذي كان قطبا فاعلا في الثورة، وهو الأمر الذي ألقي بظل من التوتر والمواجهات التي ما برحت تبرز وتخبو بين الجانبين طيلة الفترة المنقضية من تاريخ دولة الثورة وحتي اليوم. ووفقا لما أورده المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي (1891- 1937) في كتابه الشهير "مذكرات سجين"، الذي كان له الفضل في تسليط الضوء علي مفهوم "الهيمنة"_ وعلاقات القوي داخل النظام السياسي، فإن نجاح أي نظام سياسي في البقاء مرهون بابتداع كتلة تاريخية تتحد حول مشروع للهيمنة يسمح للطبقة المهيمنة بتكوين تحالفات تجذبها نحو أفكارها. وهو ما نجح النظام الإيراني في القيام به علي نحو متقن طيلة عقود ثلاثة مضت، إذ هيمن علي مقاليد السلطة وركائز القوة والبطش في البلاد كقوي الجيش، الذي كان يدعي الشاه أنه رابع قوة عسكرية في العالم، ثم الأمن والحرس الثوري والسافاك، في الوقت الذي تسني له الإستئثار بتأييد قطاع، لا بأس به، من مختلف فئات الشعب الإيراني بفضل بعض إنجازاته علي الصعيدين الداخلي والخارجي، والتي أخفق التيار الإصلاحي في بلوغ مثلها حينما أتيحت له فرصة الوصول للسلطة لبضع سنوات. وإذا كان جرامشي يري أن أي نظام سياسي حينما يلجأ إلي السعي الدءوب والمرضي إلي الإمساك بمقاليد السلطة وتقويض أية معارضة حقيقية له فإنه يكون قد ولج إلي مرحلة الأزمة التي تطوي بين ثناياها النذر الأولي بأفوله، فإن النظر بعين متفحصة لما تشهده الساحة السياسية الإيرانية هذه الأيام من كثافة للتظاهرات والصدامات الدامية بين أنصار المعارضة والنظام، والتي بدأت تتجاوز العاصمة طهران لتطال مدن إيرانية أخري، ويراها النظام الإيراني مؤامرة للنيل من هيبته وفصلا من مخطط أجنبي أحكم قبل الإنتخابات الرئاسية الأخيرة لإحداث "ثورة مخملية" في البلاد علي غرار الثورات التي عرفتها بلدان أوروبية إثر انهيار ما كان يسمي بالاتحاد السوفياتي بينما يعتبرها بعض المراقبين محاولة من النظام الإيراني لتغييب العالم لبعض الوقت عن طموحاته النووية، إنما يبعث علي القول بأنه من السابق لأوانه الزعم بأن النظام الإيراني، وإن إنزلق بالفعل إلي مهاوي الأزمة، قد أمسي قاب قوسين أو أدني من الإنهيار أو أن إيران قد باتت علي شفير ثورة مضادة.فما كل ذلك وما واكبه من إختيار صحيفة التايمز البريطانية للإيرانيةالشابة ندي سلطان، التي قتلت أثناء التظاهرات الاحتجاجية التي تلت صدور نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، شخصية العام 2009 لتتحول بين ليلة وضحاها إلي رمز عالمي لقسوة النظام، وشجاعة المعارضة في منطقة يسهل قمع شعوب أخري علي يد الحكومات المستبدة بعد أن ذكر اسمها علي ألسنة الكثيرين ومن بينهم الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون، ما كل ذلك إلا إرتدادات متتابعة ومتزامنة، وإن بدت مدوية بعض الشيء، لزلزال الإنتخابات الرئاسية الأخيرة الذي تزامن مع اشتداد وطأة المعاناة الإقتصادية التي يكابدها غالبية الإيرانيين بجريرة العقوبات والحصار المزمنين، اللذين تمخضت عنهما سياسات النظام المتعنتة والمراوغة بشأن برنامج إيران النووي. فبرغم كونها صاخبة ومدوية، إفتقدت الجماعات القائدة للتظاهرات والإحتجاجات التي تعم شوارع العصمة الإيرانية كما بعض المدن الأخري إلي تكتل ليبرالي ديمقراطي متماسك ومتناغم ينشد التغيير الجذري، حيث كانت في غالبيتها حركات إحتجاجية علي أوضاع متردية في الداخل والخارج علاوة علي تعسف النظام وآلته الأمنية في التعاطي مع المتظاهرين والمعتقلين علي خلفية الإحتجاجات. ولعل ما أوردته صحيفة تايمز من أن الطالبة الشابة ندي سلطان لم تكن سياسية ولم تصوت حتي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وإنما تجاهلت نصائح عائلتها وذهبت مع مدرس الموسيقي للانضمام إلي تظاهرة ضخمة تنظمها المعارضة بالعاصمة طهران، يحمل دلالات تعزز، ولو جزئيا، من سلامة هذا الطرح.كذلك، بدت تلك التظاهرات كما لو كانت عملا دراميا خطط له النظام ويديره ببراعة ويضبط إيقاعه بحنكة بالغة، إذ ارتكزت قيادات تلك التظاهرات والقوي المحركة لها والضابطة لإيقاعها في رجالات النظام المحسوبين عليه بالأساس، فلا يزال الثقل الرئيسي في المعارضة سواء في شقها الإصلاحي أو تيار المحافظين المعتدلين البراجماتيين يتمثل في رجالات الثورة، الذين تنحصر دوافعهم للإحتجاج في إستمرار أحمدي نجاد وإنحياز المرشد له، فضلا عن الإستياء من مبالغة النظام وقواته في قمع المتظاهرين والتعامل مع المعتقلين، كما تمحورت مطالبهم حول تعديل صلاحيات الولي الفقيه فقط وإنهاء التحالف الممقوت بين خامنئي ونجاد، وليس الإطاحة بالنظام برمته أو إدخال تعديلات جذريه عليه. وفيما تحرك المواجهات الحالية بين النظام والمعارضين في الذاكرة الإيرانية والعالمية مقدمات ثورة عام 1979، تبرز أية مقارنة موضوعية بين الحالتين اختلافات واضحة بينهما في وسعها أن تقود إلي نتائج مغايرة في الحالة الراهنة .ففي حين خرج آلاف المتظاهرين في طهران صبيحة يوم الجمعة الموافق 8 سبتمبر من عام 1978 ما دفع حاكم طهران العسكري إلي مطالبة رجاله بإطلاق النار عليهم حتي صرع منهم أربعة آلاف متظاهر ليسمي هذا اليوم "الجمعة السوداء"، يخرج هذه الأيام آلاف المتظاهرين معظمهم من الشباب متوسطي الأعمار ومن النساء يرفعون شعارات مماثلة ك "الموت للديكتاتور" ويسقط منهم عدد محدود جدا من القتلي، إلا أن آلاف المتظاهرين قبل ثلاثين عاما تحولوا إلي ثلاثة ملايين، كما نجح الخميني وقتذاك في إستقطاب كل القوي المحيطة بالشاه، والتي كان يستقوي بها لتعزيز نفوذه وتمديد بقائه في السلطة، كالجيش والبازار والطلاب وغيرها، وهو ما قد لا يتسني لمتظاهري هذه الأيام، الذين خرجت تظاهرات مضادة موالية للنظام الراهن مطالبة إياهم بالعودة إلي رشدهم، كما لا تستطيع قيادات الإحتجاجات الحالية إجتذاب الجيش أو قوي الأمن الموالية لمرشد الثورة ورئيس الدولة كالحرس الثوري والسافاك، التي هددت بالتدخل لقمع التظاهرات الحالية ما لم يتراجع القائمون بها. ومن جهة أخري، لا يمكن مقارنة الخلافات الحالية بين الإصلاحيين والمحافظين بتلك التي كانت قائمة بين الشاه والخميني، فالأولي، قد صارت أمرا مألوفا في إيران بل سمة من سمات نظامها السياسي منذ تدشينه في العام 1979، خصوصا وأن كلا التيارين الإصلاحي والمحافظ ينحدران من أصل واحد هو نظام ولاية الفقيه الذي يتخذ كلاهما منه مرجعية وقاعدة لكل تحرك .كما سبق وأن أسفر الخلاف بين جناحي النظام الإيراني عن مواجهات دامية تفوق في حدتها بكثير ما يجري اليوم من دون أن تجهز كلية علي ذلك النظام، الذي نجح في امتصاصها وإحتوائها بأقل كلفة سياسية ممكنة، ففي الأيام والأشهر الأولي بعد نجاح الثورة الإيرانية شهدت البلاد حربا تشبه حرب الشوارع بين أنصار التيار الديني من الشباب المعممين وأنصار التيارين الليبرالي واليساري من الشباب الذين يضعون في غرفهم صور شي جيفارا وشعار الاتحاد السوفياتي السابق "المطرقة والسندان"، سقط علي إثرها عدد كبير جدا من عناصر الثورة وقيادات الحلقة الضيقة التي كانت تحيط بالخميني من تلاميذه ومرافقيه عندما كان منفيا في تركيا أو العراق أو فرنسا، ومع ذلك، بقي النظام وإستمرت الثورة. ولا يعني هكذا تحليل أن لا جديد ينتظر النظام الإيراني جراء تلك الأحداث، بل علي العكس، يمكن الإدعاء بأن ذلك النظام قد غرق حتي أذنيه في أزمة سياسية محكمة تزداد حدتها يوما بعد يوم، ومن أبرز ملامحها :تفاقم الصراع بين الأجهزة المنتخبة وغير المنتخبة داخله، فضلا عن تنامي الاستقطابات السياسية الحادة علي نحو ما تجلي في وجود تقارب بين التيار الإصلاحي وما يسمي بالجناح المعتدل البراجماتي داخل التيار المحافظ، الذي بدأت التصدعات تضرب أطنابها في بنيانه .يأتي هذا بالتزامن مع تصاعد استياء رجال الحوزة الدينية في قم، الذين يعتبرون خط الدفاع الأخير لنظام ولاية الفقيه، من أداء المرشد والرئيس والأجهزة الأمنية إلي حد مطالبة رجالات تلك الحوزة بإعادة هيكلة نظام ولاية الفقيه، الذي اهتزت صورته أمام الجميع ليس لأنه فشل فحسب في وقف سيل الاحتجاجات بعد إذ تجاهل الشعب نداءاته، ولكن بعد أن وصل الأمر بمتظاهرين إلي حرق صورته وصورة الخميني في ذكري يوم الطالب أوائل الشهر المنقضي، كما طالب رجال الحوزة الدينية في قم بإعادة النظر في سلطاته بما يحول دون احتكاره وحده لسلطات واسعة تسوغ له التسلط والقمع. وإنطلاقا مما سبق، يجوز الزعم بأن إشتداد وطأة الأزمة السياسية الراهنة للنظام الإيراني بمقدوره أن يمهد السبيل لتغييرات سياسية حتمية، وإن جاءت محدودة وهامشية، من شأنها أن تمتص الصدمات والهزات التي تعصف بذلك النظام منذ الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، بغية الحيلولة دون إستفحالها علي نحو يهدد بقاء ذلك النظام برمته .ومن ثم، يتوقع حدوث مستوي ما من التغيير داخل النظام الإيراني لإحتواء التوترات الحاصلة وليس تغيير ذلك النظام، ربما يتجلي في عملية أكروباتية لإعادة توزيع الكراسي الموسيقية بغرض ترميم النظام وإطالة أمد بقائه مثلما كان يجري في السابق، إضافة إلي إضفاء المصداقية علي مساعي النظام لصرف أنظار الغرب والمجتمع الدولي عن تطورات برنامج إيران النووي في وقت تزداد حدة الأزمة المندلعة حوله مع إنتهاء المدة التي حددها الغرب لطهران كيما تتجاوب مع مقترحاته ومطالبه. ولعل هذا الطرح يتماشي وتطلعات الثقل البارز والموجه للمعارضة الإيرانية والمتمثل في شخصيات سياسية ودينية ذات وزن مثل الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي والمرشح الرئاسي الخاسر مير موسوي ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء هاشمي رفسنجاني، والذي لا يزال يجنح بإتجاه الإمساك بالعصا من المنتصف بمعني إدخال تعديلات وإصلاحات بغرض ترميم نظام ولاية الفقيه من دون تقويضه أو الإطاحة به مع رفض أية تدخلات خارجية أو السماح للاهتزازات الداخلية بالنيل من استقرار البلاد ووحدتها وتماسك نظامها السياسي، الذي ربما ينجح في تجاوز أزمته الراهنة لكنه قد لا يفلح في الإفلات من العودة إلي سيرته الأولي حيث الانقسامات والصراعات الكامنة بين أجنحة جيل الثورة، الذي آثر البقاء في جنبات المربع الأول منذ تدشين نظام الولي الفقيه قبل عقود ثلاثة خلت.