منذ أن أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عام 1990 عن قيام نظام عالمي جديد، وقد تغيرت الأجندة السياسية الخارجية الأمريكية الي مجموعة من القضايا الدولية، نذكر بعضا منها محاربة الإرهاب، مكافحة المخدرات، مكافحة تجارة السلاح، حقوق الإنسان، حقوق الأقليات، نشر الديمقراطية.... والسؤال: هل هذه قضايا حقيقية تسعي الولاياتالمتحدةالأمريكية الي تنفيذها باعتبارها القوة الأعظم التي تعد نفسها لتحكم العالم، أم أنها مجرد غطاء لمجموعة أهداف إمبراطورية؟ يبدو من الأداء السياسي الأمريكي تجاه ما تسميه قضايا، أنها ليست قضايا ذات مضمون مجتمعي ثقافي اقتصادي سياسي، إنما هي مجرد مصطلحات جوفاء فارغة المضمون، وهي مجرد واجهة براقة وغطاء تضليلي يمكن الولاياتالمتحدة من ضمان السيطرة التامة وبالخصوص علي العالم الثالث الذي يتمتع بثروات بشرية، وبترولية، ومائية ومورد اقتصادية متنوعة ومتعددة. وللتدليل علي ما سبق فسوف نسلط الضوء باختصار شديد علي ثلاث قضايا، أو بالأحري علي ثلاثة مصطلحات جوفاء. فنأخذ قضية الإرهاب و مصطلح الإرهاب، بداية فقد أعطته مبرراً أخلاقياً ، رغم أن تفسير مفهوم الإرهاب لم يستقر الفكر السياسي والاجتماعي علي تعريفه بشكل شامل ومانع. وباسم هذا المصطلح، فقد تم غزو أفغانستان بزعم مكافحة مصدر الإرهاب الديني متمثلا في تنظيم القاعدة، وبتحالف دولي كبير مستخدمة آليات عسكرية وتقنيات تفوق بكثير إمكانيات تنظيم القاعدة. ولابد من التذكير أن مركز الإرهاب الفكرية والإيديولوجية ليست أفغانستان، ولكن أفغانستان دولة ذات موقع قلب في آسيا فهي في بطن روسيا _ التي تسعي قدما لتسعيد مكانتها الدولية. معني هذا أن روسيا من المنظور الأمريكي هي عدو اختفي مؤقتًا، ولكن في القريب سوف تصعد نفسها دوليا، أي أنها خطر قادم ومحتمل. أيضا أفغانستان علي مقربة شديدة من إيران الدولة ذات التوجه الديني الثوري ومشروعها النووي والتي صنفت علي أنها محور الشر، أي أنها خطر قائم، وهي أيضا دولة تتوسط الموقع مع باكستان وهي دولة تتميز بالاضطراب وعدم الاستقرار، وتمتلك القنبلة النووية. ولاشك أن من أهم أهداف الأحتلال الأمريكي لأفغانستان هو الصين، فهي المارد الذي يتغلغل اقتصاديا وتجاريا وثقافيا في العالم بأكمله، أي أن الصين خطر قادم أكيد، وبالتالي فلابد من مجموعة إجراءات استباقية لمواجهة ومحاصرة واحتواء الصين. من هذا التحليل السريع، يمكن أن نؤكد علي أن قضية مكافحة الإرهاب هي مجرد مصطلح غطاء لأهداف إمبراطورية، والحديث يتسع والمساحة المسموح بها تتسع. ونتناول قضية أكثر حساسية وهي قضية نشر الديمقراطية، ففي إطار هذه القضية الهامة، فقد تلاعب المحافظون المتشددون الجدد والبيت الأبيض وجهاز المخابرات الأمريكية بمجموعة من الإدعاءات والأكاذيب لتكون مبرراً أخلاقياً لغزو العراق الذي يعاني من نظام تسلطي دموي، وأعدت المبرر القانون بقرار من الأممالمتحدة باسم التحالف الدولي. واحتلت القوات الأمريكية العراق وتعمدت اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الخطيرة _ فضلا عن الاحتلال العسكري- منها نهب التراث التاريخي للمتاحف العراقية، حتي يكون إقليماً بلا هوية تاريخية، وبلا ذاكرة متمثلة في الوثائق والبراهين والأدلة التي تشهد علي حضارة العراق العظيمة. كما أن القوات الأمريكية أفسحت المجال لرجال الموساد لاغتيال أكثر من 300 عالم عراقي وهم البنية السياسية الحقيقية لمستقبل العراق. ولا يفوتنا مشهد إعدام الرئيس العراقي وعرضه علي الفضائيات العربية والعالمية. وأيضا باسم الديمقراطية آثارت النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية بين أبناء الشعب الواحد، وهو ما يبدو بوضوح شديد في دستور العراق الذي يكرس الفرقة والتقسيم السياسي والمذهبي والعقائدي تحت مسمي الدولة الفيدرالية. بعد هذا التحليل السريع المبسط القائم علي الانتقائية لخدمة هدف هذه المقالة، يبدو واضحا أن قضية نشر الديمقراطية بالتطبيق علي الحالة العراقية، كانت لمجموعة هامة من أهداف الأجندة السياسية الأمريكية، نذكر بعضا منها وأولها تفتيت العراق وهي الدولة الهامة في معادلة الأمن القومي العربي، ثم ثانيها وهو البترول الغزير المتدفق في أرض العراق، حتي تتمكن الولاياتالمتحدة من التحكم في الدول التي تحتاجه كأساس فاعل للتقدم الصناعي، وبالخصوص الصين، ثم احتمال الاتحاد الأوروبي الذي لن يظل تابعا للولايات المتحدة الي الأبد، وهو يتطلع بشدة الي أن يكون قطبًا دوليا بهدف إعادة صياغة النظام الدولي. وثالثها وهو تصعيد الأكراد سياسيا وعسكريا داخل المنطقة العربية، لتبدو المنطقة وهي فاقدة الخصوصية القومية العربية، بل هي تضم قوميات اخري، وبالتالي يمكن قبول إسرائيل، أيضا وكما هو معلوم للجميع علاقة الأكراد بإسرائيل، وبالتالي هناك إمكانية لاحتمالين، الأول هو التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل علي المستوي الاقتصادي والعسكري، أما الثاني وهو إقامة دولة كردية مقتطعة من العراق وتركيا وسوريا وإيران. علي أية حال، فقد نجحت الولاياتالمتحدة في تطبيق مبدأ الديمقراطية متمثلة في الاتفاقية الأمنية التي كرست التواجد العسكري- الي الأبد وفق الاتفاق- في العراق. مما سبق يتضح بجلاء أنها لم تكن قضية حقيقة، بل هي مجرد غطاء لأهداف إمبراطورية. وبالقياس علي ما سبق نناقش قضية أمن البحر الأحمر والتهديد المزعوم بالقرصنة الصومالية. نبدأ بالسؤال هل ما يتم من أعمال قرصنة بحرية صومالية ظاهرة أم أنها حالة مؤقتة؟ يبدو من الضجيج والتضخيم الإعلامي الشديد علي عمليات القرصنة علي الساحل الصومال، ويبدو من التصعيد السياسي، وتصعيد وتيرة التواجد العسكري في البحر الأحمر، أن الولاياتالمتحدة لها مطلب إمبراطوري في البحر الأحمر، ذلك الممر المائي الهام بدءا من خليج العقبة، مرورًا بخليج عدن وصولا الي مضيق هرمز، وهو مطلب للتكامل مع تواجد الأسطول السادس في البحر المتوسط. في الخلفية التاريخية، كان البحر الأحمر مطلبا إمبراطوريا، وهو ما سعت إليه البرتغال، وواجهته الدولة العثمانية وحولته الي بحيرة عثمانية، أيضا هو مطلب بريطانيا بدءا من المعاهدات مع مشايخ المناطق المطلة علي الخليج العربي، وبالتبعية وبحق الوراثة، وبالحق الإمبراطوري لصالح البحر الأحمر مطلبا استراتيجيا أمريكيا. ولهذا فالولاياتالمتحدة _ وفي الخلفية إسرائيل _ استغلت الوضع المنهار في الصومال، فهي دولة متفسخة بلا حكومة، وبلا قيادة، وهي دولة منقسمة علي نفسها إيديولوجيا قبليا، أي أنها الحالة المثلي لاستغلال الانهيار الدولي باستقطاب مجموعة من الشباب المدرب عسكريا ليكتسبوا مهارات تقنية هائلة، مزودين بأجهزة الرصد والتحديد الجغرافي، والأسلحة الحديثة المتقدمة. وهذا ما يفسر قدرة هؤلاء اللصوص علي كيفية الانقضاض علي سفن محددة ذات مواصفات معينة ويفسر كيفية قيادة هذه السفن الحديثة عالية التقنية بهدف احتجازها لفترة مقابل فدية مالية فقط، حيث أنهم لا يقومون بعمليات سلب أو نهب أو قتل أو إيذاء. من الواضح أن هناك جهات أو مؤسسات بعينها تستقطب هؤلاء الشباب والهدف النهائي حتي يبدو أن البحر الأحمر يتعرض لعمليات قرصنة. ويبدو أن البحر الأحمر منطقة تتسم بالفوضي وعدم الأمن، وليبدو أن الدول المشاطئة للبحر غير قادرة علي حمايته من العبث والفوضي. وقد حرصت تلك المؤسسات المدربة علي أن تمس التجارة الدولية لأغلب تجارة لدول العابرة للبحر الأحمر، حتي تصل الرسالة دوليا وهي أن هناك تهديدا يمس التجارة الدولية. لاشك أن خلق هذه الحالة سيؤدي الي بناء شبكة تفاعلات سياسية وعسكرية لتامين البحر الأحمر، أي لتأمين مصالحهم التجارية. وهو ما عبرت عنه مجموعة القرارات المتلاحقة من الأممالمتحدة، كمبرر قانوني وغطاء للمطلب الإمبراطوري وفي الخلفية إسرائيل، حيث أن البحر الأحمر مطلبا إسرائيليا استراتيجيا وعسكريا واقتصاديا وتجاريا. كما أن لها رؤيتها العسكرية تجاه مجموعة الجزر الهامة التي يمكن توظفها كقواعد عسكرية ونقاط للرصد والمراقبة. أيضا إسرائيل لها علاقات متميزة مع دول القرن الإفريقي فضلا عن علاقاتها المتغلغلة في دول حوض نهر النيل. ولاشك أن إسرائيل تسعي الي تفريغ مفهوم موقع مصر الاستراتيجي، وحرمان مصر من مميزات قناة السويس، بحفر قناة موازية لها من البحر الأحمر الي البحر الميت، ومنه الي ميناء حيفا. وذلك ما يفسر اهتمام إسرائيل الهائل بميناء إيلات، وميناء حيفا. مما سبق يعني أن هناك تهديدات إسرائيلية مباشرة ضد مصر علي المستوي الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي، بعيدا عن التهديدات العسكرية وبناء علي اتفاقية السلام، واتفاقية كامب دايفيد. :. حالة القرصنة الصومالية مرتبطة بمصالح إسرائيلية، ومطلب إمبراطوري أمريكي، وأن عمليات التضخيم الإعلامي والتصعيد السياسي تقدم برهانا وقبولا دوليا بالتواجد الأمريكي العسكري مصحوبا بتواجد دولي متعدد المصالح والجنسيات. معني ذلك أنها حالة مؤقتة وليست ظاهرة، وهو ما يمثل أقصي درجات تهديد الأمن القومي العربي، والأمن القومي المصري وهو ما يستوجب رؤية استراتيجية. بنود رؤية استراتيجية لمواجهة تهديدات الأمن القومي العربي والمصري وأمن البحر الأحمر: 1- عدم استعداء هؤلاء القراصنة الصغار، فهم مجموعة مأجورة لحين، ومعروفين بالعدد وهم حوالي 1500 فرد، وبالاسم، وبمحال تواجدهم اليومي. فالمطلوب العمل علي محاولة استيعابهم واحتوائهم، وتحيدهم بالنسبة للسفن المصرية والعربية. 2- ضرورة إعداد ترتيبات عسكرية بحرية مصرية _ عربية _ قدر الإمكان- لتكون قوة عربية مشاركة لحماية أمن البحر الأحمر، فلا يجب أن يكون هناك فراغا عربيا وساحة فارغة، فلنا حقوق يجب المحافظة عليها، وعلي الأنظمة الحاكمة واجبات الدفاع والحماية. 3- التعاقد من المملكة العربية السعودية، واليمن علي حماية الجزر الاستراتيجية عسكريا، بالتواجد المصري، مع بناء علاقات متميزة مع اليمن لمزيد من الاهتمام الخاص بخليج عدن ومضيف باب المندب. وذلك بالتوافق مع الولاياتالمتحدة في إطار خطة تراعي المصالح الحيوية العربية، والمصالح المريكية لضمان أمن وسلامة البحر الأحمر. 4- اتخاذ جميع الإجراءات القانونية والعلمية والبيئة لمنع إسرائيل من حفر قناة موازية كبديل لقناة السويس، وبخاصة ان مردودات هذه القناة الإسرائيلية خطيرة علي البيئة، علاوة علي أن البديل من المنظور السياسي والاقتصادي سوف يسبب خلالا مقصورا يهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي المصري، ويسبب انهيارا قد يؤدي الي انفجارات شعبية داخلية نتيجة عرقلة حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. 5- تقوية العلاقات والروابط مع دول حوض النيل بمنهج براجماتي في إطار تبادل المصالح، لتأمين مصادر مياه النهر. 6- تحسين مستوي أداء قناة السويس بالأسلوب العلمي المتقدم وبالتقنيات العالية الكفاءة والاستفادة من الخبرات العلمية والأجنبية في تطوير الخدمات اللوجستية وسلسلة الإمداد الخاصة بالقناة. 7- تحويل مدن القناة الي مناطق جذب سياحي- مثال الجونة في الغردقة، ومنطقة مرسي علم- لتقديم نموذج سياحي حديث للعابرين القناة، ولإنعاش الوضع الاقتصادي والاجتماعي لتلك المدن. 8- مطلب مصري دائم وهو ألا يكون العمل الوطني حكرا علي مجموعة محددة بعينها، فالتهديدات تخص مصر والمصريين جميعا، والقنوات كثيرة والشعب المصري في انتظار المشاركة الوطنية الجماعية.