وعلي أية حال أظن أن أحداث لبنان الأخيرة كان لها بعض الإيجابيات أولها أن الجيش اللبناني برز جسدا وكيانا يوثق به وكان المعتاد في مثل هذه الأمور أن يكون مختفيا أو جسدا لا حراك فيه والثانية أن العماد ميشيل سليمان "قائد الجيش" أكد من خلال "حياده" وموقفه المتوازن بين الأطراف المتصارعة أنه الرجل المناسب الذي يمكن أن يقود البلاد "رئيسا" في هذه المرحلة. قبل أقل من عشرين عاما كان الحديث يدور علي استحياء عن ضرورة أن تساعد إسرائيل في قيام دولة فلسطينية وكان عراب هذه الفكرة في حينها السيد مصطفي خليل رئيس الوزراء مصر الأسبق وأذكر أن شيخ المستشرقين الفرنسيين المعروف جاك بيرك علق علي ذلك في صحيفة لوموند الفرنسية قائلا: إن الدولة الفلسطينية المزعومة ستكون مهمتها حراسة أمن إسرائيل أو أن دورها هو أشبه بدور الحارس الذي يطلب منه القبض علي فلان أو محاكمة علتان. وأشهد أن هذا الرأي قد صدمني في ذلك الوقت لكن ها هو الواقع المعاش بأن يؤكد صدق ما قاله جاك بيرك فالسيد محمود عباس أبومازن ورفاقه لا مهمة لهم سوي ضبط إيقاع الحياة في الأراضي الفلسطينية بهدف حفظ الأمن الإسرائيلي. لقد قفزت إلي ذهني هذه الواقعة وذلك المدلول عندما نقلت الأنباء أن السيد جورج دبليو بوش الرئيس الأمريكي يشرع في تقديم مساعدات عينية تشمل أسلحة وعتادا ومركبات عسكرية للجيش اللبناني. وبطبيعة الحال فإن هذه المساعدات ليست من أجل سواد عيون لبنان واللبنانيين وإنما هدفها هو تسليح الجيش اللبناني لكي يكون قادرا علي ما فشلت فيه إسرائيل وهو نزع سلاح المقاومة وحزب الله. أي أن سيناريو السلطة الفلسطينية يتكرر مجددا مع الجيش اللبناني باعتبار أن الهدف في الحالتين هو الحفاظ علي أمن واستقرار إسرائيل. وعلينا أن نتذكر أن واشنطن تخطط لهذا الأمر منذ اللحظة التي انهزمت فيها إسرائيل أمام منعة وقوة المقاومة اللبنانية في حرب يوليو 2006 إذ أدركت أن الجيش الذي لا يقهر لا حيلة له في مواجهة حزب الله وبالتالي كان يتعين تغيير الاستراتيجية ليقوم اللبنانيون أنفسهم بالمهمة التي عجز عن القيام بها الجيش الإسرائيلي. لذلك كان طبيعيا ووفق هذا المخطط أن يشعل وليد جنبلاط الأزمة متحدثا بلسان إسرائيل وليس بلسان لبنان عندما طالب في مؤتمره الصحفي الشهير بإزالة أجهزة الاتصالات الخاصة بحزب الله وإقالة مدير أمن مطار بيروت وهي المطالب التي سكبت الزيت علي النار وفاقمت الأحداث وكادت تجعل لبنان تقف علي أعتاب حرب أهلية جديدة. وحرصا علي ذاكرتنا جميعا نلفت الانتباه إلي أن الأوضاع الداخلية السياسية في لبنان لم تكن هادئة كما يعتقد البعض ويظن... فاعتصام المعارضة في وسط بيروت وتحديدا في ساحة رياض الصلح لم ينته بعد وقد مر عليه أكثر من خمسمائة يوم وهو مرشح للبقاء والاستمرار ناهيك عن الشروط و"الشروط المعتادة" التي تحكم الأزمة بين الفرقاء اللبنانيين وتدور في مجملها حول المحاور الثلاثة للمبادرة العربية وهي: اختيار العماد ميشيل سليمان قائد الجيش رئيسا توافقيا وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع قانون انتخابي جديد والخلاف كما يعلم الجميع يأتي ضمن أولويات هذه المحاور وهل سيتم الأخذ بها فرادي أو مجمعين علي أية حال لقد بات واضحا للأعشي والأعمي والبصير علي السواء أن المخطط الأمريكي الصهيوني بتأليب سنة لبنان ضد شيعته وتصوير الخلاف علي أنه خلاف طائفي وليس سياسيا ثم أبلسة حزب الله "أي جعله إبليسا لعينا" واستعداء الجميع ضده قد حقق قدرا من نجاح فلقد ابتلع الكثيرون الطعم وباتوا يقدحون ليل نهار في حزب الله فحفقوا بذلك أمنية إسرائيل الغالية وبعد أن كان حزب الله هو الفارس المغوار هازم الأعداء وحافظ الأمن والسلم الأهلي في لبنان أضحي بين عشية وضحاها مخادعا وكاذبا وملعونا وسؤالي البريء هو التالي: أليست هذه الصفات و"الاتهامات" هي ما كانت إسرائيل تصرخ بها ليلا ونهارا وأليست هي التي كانت تزعم أن الصراع في لبنان صراع طائفي وليس سياسيا أريد أن أقول لقد رفعنا الحرج عن إسرائيل وقمنا نحن بالدور الأسوأ الذي كانت نريد القيام به.. ونسينا أن الهدف ليس حزب الله وإنما المقاومة العربية في كل مكان.. فهذا هو "ديدن" السياسة الأمريكية التي ألبست في آن واحد ثوب الشيطان لحركة المقاومة الفلسطينية وصورتها أمام العالم علي أنها شراذم من الإرهابيين. وغاب عن بالها عمدا أنها أول دولة إرهابية في العالم بمعايير الإرهاب الدولية وأن إسرائيل تمارس عيانا جهارا سياسة إرهاب الدولة وتقوم بالإبادة الجماعية لأطفال الحجارة وذويهم بعد تعذيبهم وتجويعهم وسفك دمائهم الزكية مجانا! وكلنا يعلم أن تدويل الأزمة اللبنانية علي النحو الذي سارت عليه بتدخلات فرنسية وأمريكية وإسرائيلية لن يؤدي إلي حل وإنما إلي مزيد من التعقيد ولعل أهل لبنان هم كأهل مكة أدري بشعاب أزمتهم وبلدهم. والقاعدة الذهبية في هذا الشأن أنه لا شيء يمكن أن يتم في طريق المعادلة والسلم الأهلي بغير قاعدة التوافق فكل أزمات لبنان منذ استقلاله مرورا بالحرب الأهلية في عام 1975 وحتي اليوم لا تحسب بقاعدة الغالب والمغلوب أو المنتصر والمهزوم. والغريب أن موالاة لبنان كانوا يعرفون هذا الشيء ويحفظونه عن ظهر قلب، لكنهم بتأثيرات أمريكية وفرنسية وإسرائيلية حاولوا القفز علي هذه القاعدة فكان أن اصطدموا بالتاريخ القريب والبعيد. ولذلك ليست مفاجأة لي أن تتراجع حكومة السنيورة عن قرارات وليد جنبلاط ولم يكن مفاجأة لي أيضا أن يلوح حزب الله بسلاحه وجنوده في بعض شوارع بيروت والجبل. لأن لبنان هو من أكثر الدول العربية التي تعرف في حياتها السياسية والاجتماعية خطوطا حمراء ولذلك كان ميشيل عون أحد أقطاب المعارضة علي حق في تعليقه علي الأحزاب بقوله: الآن لقد اعتدل الميزان وعادت الأمور إلي سابق عهدها ولعله يقصد أن الموالاة قد ارتدعوا وعادوا رغما عنهم إلي قاعدة التوافق التي لا مكان فيها لغالب أو مغلوب وإنما الجميع سواسية. وعلي أية حال أظن أن أحداث لبنان الأخيرة كان لها بعض الإيجابيات أولها أن الجيش اللبناني برز جسدا وكيانا يوثق به وكان المعتاد في مثل هذه الأمور أن يكون مختفيا أو جسدا لا حراك فيه والثانية أن العماد ميشيل سليمان "قائد الجيش" أكد من خلال "حياده" وموقفه المتوازن بين الأطراف المتصارعة أنه الرجل المناسب الذي يمكن أن يقود البلاد "رئيسا" في هذه المرحلة. وأتصور أن موقفه هذا جعله يقترب أكثر من مقعد الكرسي الرئاسي في قصر بعبدا. والثانية أن قاعدة التوافق عادت لتتكدس من جديد ولتكون طوق النجاة الوحيدة.. صحيح أن بعض الشخصيات السياسية مثل مروان حمادة وسمير جعجع هرعت تهرول باتجاه فرنسا وأمريكا تطلب التدخل لكن هذا التصرف لا يفت في عضد قاعدة التوافق التي بغيرها سيظل لبنان جرحا داميا. يبقي أخيرا أن نذكر أن الفتنة التي نعيشها لبنان اليوم لا تستهدف فقط حزب الله والمقاومة اللبنانية وإنما ترمي علي المدي البعيد إلي إشعال نيران الحرب بين الفرس والعرب وما تصريحات وزير خارجية السعودية المعادية لإيران سوي الفتيل الأول في هذا الحريق الكبير الذي خطط له الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في زيارته قبل شهرين للمنطقة وتعطي إشارة البدء لدخول المنطقة لتأتي زيارته الثانية لتؤكد عليها وتعطي إشرة البدء لدخول المنطقة أتون حرب جديدة تحارب فيها المنطقة العربية إيران نيابة عن أمريكا كما تحارب فيها الموالاة في لبنان المعارضة نيابة عن إسرائيل.