مقدمة لابد منها: من المؤكد واليقيني أن مفهوم الدولة عندما ترسخ كان الهدف منه هو تنظيم حركة المجتمع والحفاظ علي تماسكه وأمنه من خلال مؤسسات بعينها موكل إليها اختصاصات محددة، تتكامل وتتقاطع جميعا من أجل مصلحة المجتمع وكافة أعضائه، وعندما وُجد القانون وجد لتنظيم حقوق وواجبات أعضاء المجتمع والاحتكام إلي النصوص القانونية التي تحفظ لكل فرد من أفراد المجتمع حقوقه، وبدون القانون وسيادته لا يمكن أن تكون هناك حماية للحقوق الفردية والجماعية ... وعندما أوصي الله لرسله بدياناته المتلاحقة كان الغرض منها بث التسامح والتعاطف والتعاضد بين الناس وبث روح التعاون وتنظيم حياتهم الروحية وإعلاء قيمهم الإنسانية، ولم تكن علي الإطلاق بغرض بث روح الشقاق والآلام للناس أيا كان الاستناد لأية نصوص معينة، فالأصل في الأديان جميعها هي خلق أنساق قيمية متسامحة تساهم في تحسين شروط الحياة والتفاعل مع معطيات كل عصر بما يسمح لتخفيف آلام الناس وشقائهم ... بعد كتابة مقالي السابق _ الثلاثاء الماضي _ والذي حمل عنوان "يا قداسة البابا .. لا قدسية فوق القانون" تصورت أنني قد حذرت من حجم الصدام الذي قد ينشب بين إحدي مؤسسات الدولة المدنية وهي القضاء المستقل بكينونته وطبيعته، وبين المؤسسة القبطية الأرثوذكسية التي تعني ببث روح التسامح والتعاليم الدينية الجليلة ... ولكن يبدو أن هناك إصرارا علي زرع روح العداوة بين الكنيسة والدولة، وبدلا من التئام الشقاق بين الكنيسة وبين الدولة المدنية، نراها عبر تصريحات قادتها لا تساهم بشكل دقيق في رأب هذا الصدع، فما زال قداسة البابا شنودة وكبار قادة الكنسية الأرثوذكسية غير مدركين ما هي أسس الدولة المدنية ... فخرق القانون لا يمكن قط تبريره، فالقانون هو الأساس الذي يرتكز عليه أي مجتمع متحضر، وعدم احترامه من جانب شخص أو جماعة إنما يشجع الآخرين علي التصرف بالمثل، ولو أنه قدر لكل فرد أن ينتقي ويختار القوانين التي عليه أن يلتزم بها، فسرعان ما يتفكك إطار القانون الذي نعتمد عليه جميعا، وفضلا عن ذلك فإن لدي الناس في ظل أي مجتمع ديمقراطي قنوات دستورية متاحة لهم لتغيير القانون . كالتصويت في الانتخابات، وتنظيم حملات قانونية لاقناع الدولة بضرورة تغيير القانون _ إذا كان فيه بعض الجور _ ولكن لا يتم إطلاقا اختراق القانون ... وبالتالي فموقف البابا شنودة من الحكم الأخير الصادر من المحكمة الإدارية العليا بأحقية المسيحي المطلق من الزواج مرة أخري، هو موقف يتنافي أولا مع أصول احترام القانون .. وثانيا مع احتياجات وآلام ومعاناة الآلاف من الأقباط المصريين الذي يعانون في حياتهم الاجتماعية جراء التشبث والتزمت بنصوص محددة ... فعلي الصعيد الأول وهو اختراق القانون وخرقه، فلا يجوز لأي شخص كان أو جماعة أو مؤسسة أن تلتف وتعاند أحكاما قانونية صادرة بحيثيات قانونية وملتزمة بالمعايير القانونية والحقوقية ... فالشريعة الأرثوذكسية التي استمدت المحكمة حكمها من نصوصها تؤكد علي عدم جواز التعدد في الزواج بحيث لا يكون لكل شخص سوي زوجة واحدة، فإذا ما انفكت عري الزوجية زال هذا المانع، ولكن السؤال المطروح كيف يتم زوال الزواج طبقا لهذه الشريعة، تقول اللائحة أن أسباب فسخ عقد الزواج حصرته في وفاة أحد الزوجين ونظمت المواد من 59 _ 67 إجراءات دعوي الطلاق والجهة التي تختص به وهي المجلس الملي الفرعي، إلا أنه وفي عام 2000م صدر القانون رقم (1) بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الذي يجعل محاكم القضاء العادي هي صاحبة الاختصاص في الفصل في منازعات الأحوال الشخصية لجميع المصريين سواء مسلمين أو مسيحيين ... كما قالت المحكمة الإدارية العليا في حيثيات حكمها الأخير والقاضي بزواج أحد المسيحيين المصريين مرة أخري استنادا إلي حكم صادر بتطليقه من قبل والذي صدر استنادا للمادة 57 من لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس التي تقضي بأن يجوز طلب الطلاق إذا أساء أحد الزوجين معاشرة الآخر أو أخل بواجباته نحوه إخلالا جسيما مما أدي إلي استحكام النفور بينهما وانتهي الأمر بافتراقهما عن بعضهما واستمرت الفرقة 3 سنوات متتالية، وعطفا علي ذلك، فالحكم استند إلي لائحة الأقباط الأرثوذكس ولكن من خلال القنوات القانونية التي تنظم حياة المجتمع وأعضائه سواء من مسيحيين أو مسلمين، فالجميع أمام القانون سواء والكل خاضع للقانون انطلاقا من منطلقات وأسس كل شريعة ولكن لا يجوز أن تكون هناك جمهوريات سواء كانت كنسية أو إسلامية داخل الدولة، ولا يجوز علي وجه الإطلاق اختراق القانون تحت أية حجة أو أسانيد نصوصية ... ولابد وأن تكون قضية الزواج والطلاق قضية اجتماعية وليست سرا من أسرار الكنيسة حيث أن الكنيسة تنظر إلي الجانب الروحي فقط ولا تنظر إلي الجانب العقلي والإنساني . الأمر الآخر، أن هذا الحكم يلخص معاناة العديد من الأقباط الذين هم بالطبع متدينون ويدينون بالولاء لديانتهم السمحة ولكنيستهم العريقة، ولكن في الوقت نفسه يعانون في حياتهم الاجتماعية من قسوة بعض القوانين الكنسية، خاصة وأن هناك من يطلق _ مثل الدكتور كميل صديق _ سكرتير المجلس الملي في الإسكندرية، أنه لا اجتهاد مع وجود نص مشيرا إلي أن الحكم صادر ضد نص الكتاب المقدس، وأنه لا يجب الأخذ بالحكم .... هذا الإصرار والاستناد _ أتصور وقد أكون مخطئا _ أنه يجافي احتياجات الناس ويتجاوز آلامهم ولا يلتفت لمعاناتهم اليومية الإنسانية، التي كما أشرت أن كافة الأديان كان الغرض منها ومازال هو سعادة الإنسان في دنياه وأخرته، طبعا بما لا يتناقض مع الأصول والأساسيات، ولكن أيضا لابد من ترشيد الخطابات الدينية وتنقيتها من سطوة أو كهنوت أية مؤسسة دينية، فالأصل هو علاقة الإنسان بربه دون وسطاء ... هذا علي صعيد الاحتياجات الإنسانية، أما وكما أشرت وأؤكد دائما علي الصعيد المدني والقانوني، هو أن الكنيسة مؤسسة دينية روحية، ولكن لابد وأن تعمل في إطار القانون المعمول به وفقا للأعراف المدنية، كما يقول المفكر القبطي ميلاد حنا .. إذن نحن أمام اختراقات أولها يتمثل في اختراق الدولة المدنية بقانونها وقضائها عندما تتعنت الكنيسة وترفض تنفيذ حكم المحكمة الملزم لكافة أعضاء المجتمع الذين يحيون علي الأرض المصرية، وثانيها اختراق للمعايير الإنسانية والاحتياجات الاجتماعية عندما تتشدق الكنيسة بنص دون آخر وتتجاوز لائحة أقرتها الكنيسة نفسها والتزمت بها المحكمة في حكمها، مما سيساهم في تفكيك البنيان الاجتماعي والنفسي القبطي، فمن المؤكد أن هناك العديد من قصص هذه المعاناة، وإلا لما كنا شاهدنا هذا الحكم ... الأمر الأخير والهام في هذه القضية، فرغم رفض قادة الكنيسة المصرية لهذا الحكم وإعلانهم أكثر من مرة بعدم تنفيذه، إلا أن البابا نفسه بصدد رفع قضية علي الأنبا مكسيموس عندما صرح أن هناك ما يزيد علي مليون قبطي أعلنوا إسلامهم بسبب تعنت الكنيسة برئاسة قداسة البابا شنودة في هذا الموضوع، ولا يعنيني هنا صحة ادعاء الأنبا مكسيموس أو صدق البابا شنودة، وإنما ما يعنيني أن البابا شنودة الذي يرفض حكم المحكمة المصرية، نراه هو نفسه بصدد رفع قضية علي الانبا مكسيموس أمام المحاكم المصرية ... إذن فهو لجأ أو سيلجأ للقانون ... فلماذا يلجأ للقانون عندما يحتاج إليه، ويغض البصر عنه عندما يلامس حياة ملايين الأقباط في مصر؟