هل نجح وزراء الخارجية العرب حقاً في الاتفاق علي خطة لإخراج لبنان من ورطته، أم ان خريطة طريقهم في حاجة إلي خريطة طريق لتوضيحها؟ إذا ما كانت الأعمال بالنيات، سيكون من المستحيل معرفة الحقيقة قبل يوم السبت المقبل، الموعد الجديد والمتجدد لانتخاب رئيس الجمهورية. لكن النوايا هذه الأيام تبدو في غاية التعقيد. فالرياض لا تزال حانقة بشدة علي دمشق، وتتهمها ليس فقط بالسعي لإضعاف النفوذ السعودي في لبنان، بل أيضاً في ضعضعة الجبهة العربية ضد النفوذ الإيراني المتنامي في الخليج وكل منطقة الشرق الأوسط. القاهرة ليست حانقة علي دمشق إلي هذا الحد، لكنها اتفقت مع باريس مؤخراً علي أن سوريا تطبق هذه الأيام بكثافة مقولة _دعهم يأكلون الوعود_ إزاء الأزمة اللبنانية. دمشق، من جهتها، تشعر بألم حقيقي بسبب ما تعتبره تواطؤاً عربياً مع واشنطن وباريس بدأ منذ العام 2005 ولم يتوقف حتي الآن، لإخراجها من لبنان، ثم لمحاصرتها وخنقها بأنفاسها داخل حدودها. لا بل يعتقد السوريون أن بعض العرب لم يعترض علي الخطة التي كان ينوي المحافظون الجدد الأمريكيون تنفيذها العام 2003 أو ،2004 للقفز من بغداد إلي دمشق وتغيير النظام فيها. هل تغيرت هذه الأجواء المحتقنة والمتشنجة في اجتماع وزراء الخارجية العرب؟ الكثيرون يأملون ذلك، فالزلزال العنيف الذي يضرب المنطقة العربية، والذي أدي (حتي الآن) إلي فلق العراق إلي ثلاثة أجزاء، والسلطة الفلسطينية إلي سلطتين، ويكاد حالياً يمزق لبنان، يهدد باستنساخ هذه المآسي في ما تبقي من الدول العربية. وبالتالي، آخر ما تحتاجه المنطقة في هذه الأيام، هزات أرضية عربية داخلية جديدة تسمح باندلاع المزيد من الزلازل المدمرة المصنوعة في الخارج. بيد أن الآمال شيء، والوقائع شيء آخر. وهذه الأخيرة تشي بأن ما تحقق في القاهرة ليس وفاقاً سورياً - سعودياً استند إلي المصارحة والمكاشفة، بقدر ما هو وساطة قطرية اعتمدت علي تقريب المواقف المتباعدة بين طرفين متخاصمين لا يكلمان بعضهما بعضاً. ثم هناك نقطة أخري لا تقل أهمية: الخلافات داخل المحور التاريخي السوري - السعودي - المصري لا تجري في فراغ. إنها جزء من الصراع الدولي - الإقليمي العام في الشرق الأوسط بين إيران وحلفائها وعلي رأسهم سوريا، وبين أمريكا وأصدقائها وفي مقدمهم مصر والسعودية. في السابق، حين برز التباين بين الأطراف الثلاثة حيال الحرب العراقية - الإيرانية (1980-1988)، كان في وسعها (الأطراف) توظيفها لخدمة هذا المحور: سوريا عبر استخدام الجزرة مع إيران، ومصر والسعودية عبر التلويح بالعصا العربية. لكن الأمور اختلفت الآن. _الخطر الإيراني_، كما يصفه المصريون والسعوديون، يطرق الأبواب الداخلية للعراق ومعه كل دول الخليج. وأي جزرة تقدم الآن لطهران، لن تؤدي برأيهم سوي إلي تعزيز صعودها الإقليمي. ولأن سوريا لا تبدو في وارد إلغاء أو حتي تقنين تحالفها الاستراتيجي مع إيران، ولأن الخوف من _الهلال الشيعي_ (سواء كان خوفاً حقيقياً أو مفتعلاً) ما زال موجوداً، بات يتعين انتظار أكثر من سحابة دخان أبيض واحدة كتلك التي انطلقت من القاهرة، قبل القول إن الآمال ستطابق الوقائع. هل نسينا امراً ما هنا؟ أجل. دور الأطراف اللبنانية في كل هذا الذي يجري. لكن هذا ليس نسياناً بل تناسياً، بعد ان أثبتت كل هذه الأطراف مراراً وتكراراً علي مدي السنوات الثلاث الأخيرة أنها مجرد رجع صدي لموسيقي الأواني المستطرقة التي تعزف في الخارج. تريدون دليلاً آخر علي ذلك؟ حسناً، كل ما عليكم فعله هو الانتظار قليلاً. حينها ستعرفون حقيقة مواقف القوي الإقليمية والدولية.. من أفواه السياسيين المحليين اللبنانيين!