من المؤكد أن حجم الخسائر في العراق قد تراجع، وتقلصت التغطية الاخبارية، وكذا اهتمام الرأي العام. كل هذه الجوانب ربما تساعد علي تفسير التفاؤل الواضح الآن في واشنطن، وفي أماكن أخري ايضا، إزاء الحرب في العراق. هناك من يردد الآن، في ظل هذه المستجدات، ان الأمور ستعود الي نصابها في نهاية الأمر وان استراتيجية "زيادة القوات" حققت نجاحا، وهناك ايضا من يتساءل عن السبب في عدم ايراد وسائل الإعلام الرئيسية الحقيقة في ما يتعلق بالنجاح الذي احرز في العراق. لا أود ايراد أي صور نمطية حول وسائل الإعلام الرئيسية، لكنني يجب ان اقول هنا ان هذا التفاؤل لا مبرر له علي الإطلاق. لا اقول ذلك لأنه لم يحدث تحسن في الوضع بالعراق هناك تحسن في ما يبدو، في الوقت الراهن علي الأقل ولكن لأن الخسائر المصاحبة للحرب في العراق علي علاقات الولاياتالمتحدة مع بقية الدول قضية اكثر عمقا واتساعا مما يتصور الأمريكيون. لم تتسبب هذه الحرب في تأجيج المشاعر المعادية للولايات المتحدة فحسب، بل الأسوأ من ذلك أن ادارتنا للحرب تركت لدي أصدقائنا ومؤيدينا شعورا بخيبة الأمل، فضلا عن انها ألقت بظلالها علي كفاءة الولاياتالمتحدة العسكرية والسياسية. بصرف النظر عن المحصلة النهائية، فإن الثمن الذي دفعناه كان باهظا. وعلي الرغم من وجود كثير من الأمثلة علي هذا الشعور بالإحباط وخيبة الأمل، فإن اكثرها إثارة للقلق بدأ يظهر في الوقت الذي تستعد فيه اوروبا لجولة أخري من الاجتماعات مع المفاوضين الإيرانيين حول البرنامج النووي. وحتي لا ننسي فإن بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وليس الولاياتالمتحدة، هي التي تحاول إقناع ايران بالتخلي عن عمليات تخصيب اليورانيوم وقبول تقديم مساعدات لها في إقامة برنامج مدني لإنتاج الطاقة النووية. الأوضاع في العراق ظلت تلقي بظلالها منذ البداية علي المفاوضات بين إيران وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أو ما يطلق عليه "ثلاثي الاتحاد الأوروبي". من المؤكد انه لا توجد لجنة خبراء يمكن ان تقنع الجانب الأوروبي (أو أي طرف آخر) بأن لدي ايران اسلحة نووية بالفعل أو حتي ان ايران تعتزم إنتاج هذه الأسلحة. ويمكن القول هنا إن ما قيل من جانب الولاياتالمتحدة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية لا يزال ماثلا في الأذهان، وبالتالي فإن هناك شكوكا إزاء أي تقييم بشأن البرنامج النووي لأي جهة، وعليه فإن أي تقرير من جانب الأممالمتحدة أو الاتحاد الأوروبي لن يكون مقنعا حتي إذا استعرضت الأسلحة النووية الإيرانية وسط العاصمة طهران. يمكن القول أيضا إن أي تحليل مصدره الولاياتالمتحدة سيكون مشكوكا فيه علي نحو تلقائي. وبما انه لن يكون هناك من يتعامل بصورة جادة مع أي تحليل محتمل، فإنه لن يكون من المفاجئ عدم تحمل أي جهة مسئولية حيازة ايران لسلاح نووي. ليست هناك حماسة لفرض عقوبات، علي الرغم من ان احتمال تجريبها كخيار، واحتمال فشلها في نهاية الأمر. ويتساءل البعض: ما الذي يجبر دولة علي التخلي عن شريك تجاري مهم بسبب صواريخ ليست هناك مصداقية بشأنها. أما "الخيار العسكري"، فإن أكثر الوسائل ضمانا لبيع اكبر عدد من الصحف في أوروبا في الوقت الراهن، هو نشر مقال يتضمن تلميحا لاحتمال شن الولاياتالمتحدة هجوما علي منشآت نووية إيرانية. مجرد الإشارة الي ذلك ستثير موجة من الغضب، ذلك ان غالبية المعلقين تعتقد في فشل هذه الخطوة.