"وعدتُ في المقال السابق والذي حمل عنوان "الديمقراطية والقانون والمواطنة" أن استكمل حديثي عن أقباط المهجر..... وأهمية ترسيخ "سيادة الحرية مع سيادة القانون" ... ومناقشاً للتحديات التي تواجه الأمة للوصول للدولة المدنية الحديثة، دولة كل المواطنين والمجتمع المفتوح.. إلا أن هناك حدثا كبيرا فرض نفسه ولا يمكن غض النظر عنه، لأنه يمثل ركيزة مهمة من ركائز هذه الدولة المدنية الجديدة، ألا وهو المؤتمر السنوي التاسع للحزب الوطني الديمقراطي". ما الجديد في المؤتمر التاسع للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، يختلف عن المؤتمرات السابقة ... بغض النظر عن كل التفصيلات والمنغصات والإخفاقات وردود الأفعال سواءً الايجابية أم السلبية، وبغض النظر عما يدور داخل كواليس الحزب من صراعات أو جبهات وبغض النظر عن التباينات في الرؤي بين الاصلاحيين الجدد وما يطلق عليهم أصحاب الفكر القديم، وبغض النظر عن ثقة أو عدم ثقة شرائح من المواطنين أو النخب السياسية في الحزب وسياساته، وبغض النظر عن امتلاك الحزب لترسانات جبارة من وسائل التأثير المختلفة، والتي لا تتوفر لغيره بنفس الشكل أو الحجم... أقول بغض النظر عن كل هذا إلا أن الجديد فعلاً في المؤتمر التاسع هو إرهاصات الدولة الجديدة... الدولة المدنية الحديثة، كيف أولاً بالاعتراف بان هناك إخفاقات وقعت _ كما قال الرئيس نفسه _ مطالبا بإجراء مراجعة شاملة لتعظيم النجاحات والحد من الاخفاقات... فهذه أولي معايير الدولة الجديدة.. دولة الصراحة والشفافية وإبلاغ الرأي العام بما يدور وبما يحدث... إيماناً وقناعة بأهمية الرأي العام الفعال... ثانياً: لا تتم هذه الصراحة والشفافية ولا يمكن إعمالها وإحداث تأثيراتها إلا من خلال بناء ديمقراطي حقيقي، لذا كانت أولي محاور المؤتمر هو قضية المواطن والديمقراطية ... نعم فالديمقراطية لا تتعلق فقط بمجال الدولة أو الحكومة حسب ما ننزع عادة إلي اعتقاده، فالمبادئ الديمقراطية ذات صلة وثيقة بالاتخاذ الجماعي للقرارات في أي نوع من التجمعات، ذلك أن هناك في الواقع علاقة مهمة بين الديمقراطية علي مستوي الدولة أو الحكومة وبين الديمقراطية في المؤسسات المجتمعية الأخري... والتي محورها هو المواطن... فهذا هو الجديد في الدولة الجديدة... دولة ترسخ من الآن فصاعداً قيم البناء الديمقراطي للمجتمع الحديث القائم علي الشفافية والصراحة والاعتراف... قيم تعلي من قيمة الرأي العام ودوره وتأثيره وإيجابياته.. فتعتبر الديمقراطية من أفضل الأنظمة السياسية لنمو ازدهار الرأي العام، وذلك لاهتمامها بتوفير الحقوق والحريات لأفراد الشعب، وهذه الحقوق والحريات لازمة لتكوين الرأي العام الحقيقي. وكان من نتائج انتشار الحكم الديمقراطي في النظم السياسية المعاصرة واتساع حق الاقتراع العام تزايد الاهتمام بالرأي العام، وقد اهتمت الحكومات الديمقراطية بقياسات الرأي العام وكان مبعث هذا الاهتمام من جانب الحكومات الديمقراطية الرغبة في أن تكون القرارات السياسية متمشية بقدر المستطاع مع توجهات الرأي العام السائد. كما تولي الحكومات الديمقراطية اهتماما بالرأي العام المعارض مثل اهتمامها بالرأي العام المساند لسياستها فكلاهما يعبر عن إرادة شعبية... ويمارس الرأي العام الديمقراطي دورا أساسيا في العملية السياسية لان الحكومات تستمد قوتها وفاعليتها من قوة وتأييد هذا الرأي، والحكم علي ديمقراطية أو تسلطية نظام سياسي معين تتوقف علي مدي تدخل قوي الشعب في العمل السياسي وحجم هذا التدخل.. فالرأي العام في المجتمعات الديمقراطية يقوم بوظيفة الرقيب علي أداء النظام السياسي حيث يمثل قوة دعم في حالة تأييده للنظام ويعمل كقوة ضغط علي النظام في حالة تعارضه معه. ويمارس الرأي العام دوره من خلال قنوات تشكيلية التي ينتجها طبيعة النظام الديمقراطي كالأحزاب... فتكمن أهمية الأحزاب في ترسيخ قيم المعارضة السياسية فرغم حصول حزب علي أغلبية ويتولي الحكم، فان الحزب أو الأحزاب الأخري التي تحصل علي أقلية الأصوات الانتخابية والتي تمثل قلة من الرأي العام فهي تشكل جبهة المعارضة، ولكن طبيعة النظام الديمقراطي يسمح لهذه القلة التعبير عن معتقداتها ودرجة تأثيرها علي أداء الحزب الحاكم... والرأي المعارض ضروري لتنوع الأفكار والاتجاهات والآراء وللمعارضة أهمية قصوي في النظم الديمقراطية فهي تسعي إلي السلطة ومن ثم تحاول دائما تعبئة رأي عام مناقض... وبهذا فان طبيعة النظام الديمقراطي تحدده الدور الذي يلعبه الرأي العام، وهذه الطبيعة تحدد أيضا مدي وجود تنظيمات سياسية وشعبية تكون بمثابة التعبير عن الرأي العام فهي تسانده وتنفذ قراراته وتحافظ علي مصالحه.. وأخيرا فان الرأي العام يلعب دورا متزايدا في التأثير علي اتخاذ القرارات السياسية في النظم الديمقراطية وتشكيل انظمة الحكم. ولكن هذا الدور الذي يلعبه الرأي العام يتعاظم أو يتضاءل حسب مدي الديمقراطية المتاحة.. ولذلك تحرص الحكومات الديمقراطية علي تزويد الرأي العام بالحقائق والمعلومات بصفة مستمرة حتي لا يؤدي جهل الجمهور بالأمور العامة إلي عزوفه عن المشاركة السياسية بمختلف صورها.. فالحكومات الديمقراطية قبل اتخاذ قرارات مهمة تعرض الحقائق والمعلومات الكاملة الواضحة عن طبيعة المسائل وذلك مثل قضايا والسلام والتغيير الاجتماعي والاقتصادي وغيرها وذلك حتي يقف الرأي العام علي حقائق الأمور فلا يفاجأ بصدور القرارات العامة دون علمه... وتؤدي سياسة عرض الحقائق والمعلومات كاملة علي الرأي العام إلي عدم ظهور تقلبات مفاجئة في اتجاهات الرأي العام. وهذه السياسة تساهم في تشكيل رأي عام مؤيد للقرارات العامة التي تمس مصالح الجماهير... نأمل أن يكون المؤتمر التاسع للحزب الحاكم هو الأول في دعائم الدولة الجديدة..