هكذا صار الحال بلبنان دولة التناقضات التي تجمع بين الجمال والحرب، الديمقراطية والتخبط السياسي، فما تكاد لبنان تخرج من كبوة الا وتجدها وقعت في عدة كبوات اخري اشد. فبعد مرور عام كامل علي العدوان الصهيوني علي لبنان وتصدي حزب الله له والذي كان بمثابة انتصار عسكري مذهل بكل المقاييس بالرغم من الخسائر اللبنانية في الارواح والممتلكات، الا انه لاول مرة منذ اقامة هذا الكيان الصهيوني يضرب علي اراضيه بالصواريخ ووقعت لبنان في شراك النزاع السياسي داخل الحكومة والاضطرابات والاعتصامات والانقسام السياسية الحاد بين كل الطوائف والاطياف والاحزاب السياسية وامتد الصراع الحاد ما بين الحكومة ورئيس الجمهورية اميل لحود من جهة، وبين الحكومة والبرلمان من جهة اخري وما زالت تلك الازمة عالقة ولم تحل خاصة في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر اجراؤها في شهر سبتمبر وانتهاء فترة ولاية اميل لحود، وصعوبة اختيار مرشح اخر، ثم جاءت ازمة اخري لا تقل خطورة عن سابقيها الا وهي ازمة نهر البارد، تلك المعركة الضروس التي يخوضها الجيش اللبناني ضد العصابة المسماة بفتح الاسلام، وعجز الجيش اللبناني عن حسم هذه المعركة سريعا في ظل ضعف قدرات وامكانيات الجيش اللبناني من حيث العتاد والتسليح والتدريب وتنامي الخسائر البشرية بسبب طول المعركة خاصة من المدنيين ونزوح عشرات الالاف من الفلسطينيين وبالرغم من تلك الازمة الطاحنة التي كانت توجب علي كل الاطياف اللبنانية علي اختلاف توجهاتها السياسية ان تقف وراء الجيش والحكومة في تلك الازمة، الا ان البعض لا يحلو له اثارة الزوابغ وافتعال الازمات الا وقت الشدائد حتي يجني ثمار شوكة سريعا، فسرعان ما استغل البعض بعض الاحداث الصغيرة، واراد ان يشعل نار الفتنة الطائفية مرة اخري خاصة في ظل التركيبة الطائفية المعقدة في لبنان، فقد اتهم مسيحيون لبنانيون حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة مسلم سني بما اسموه بأسلمة البلاد وعدم مراعاة التوازن الطائفي ومخالفة الدستور، خاصة في ظل التهميش المتعمد لمنصب رئيس الجمهورية في مواجهة تنامي نفوذ الحكومة وتقلدها كل المناصب والسلطات، ومن المعروف ان منصب رئيس الجمهورية وفقا لاتفاقية الطائف يرأسه مسيحي ماروني، وقد عبر المطران بشارة الراعي المقرب من البطريك الماروني نصر الله بطرس صغير عن تلك المخاوف بقوله "ان حكومة السنيورة اخذة في اسلمة البلاد"، ولا شك ان اساس مخاوف مسيحيي لبنان ترجع الي تنامي قوة حزب الله الشيعي في جنوب لبنان، واحكام حكومة السنيورة قبضتها في بيروت والشمال، اي ان مسيحيي لبنان يخشون من ان يكونوا بين فكي الرحي، لكن المؤكد ان دوامة الازمات المتشابكة اللبنانية في ظل الضعف الشديد للاقتصاد اللبناني هو اهم العوامل التي تؤثر في اشتعال نار الفتنة الطائفية، والامل معقود علي جامعة الدول العربية ان يكون لها دور في الشق السياسي علي ان يترك الشق الاقتصادي للدول العربية الغنية في مد يد العون حتي تعرف لبنان اخيرا لغة الهدوء والسلام.