"لم يحاول مسئولو الاستخبارات أن يقولوا لصناع القرار ما كانوا يرغبون في سماعه، ولم يضغط صناع القرار باتجاه التأثير علي النتائج". كانت هذه واحدة من الجمل المزعجة الكثيرة، التي وردت في كتاب مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق جورج تينيت، "في قلب العاصفة" (At the (Center of the Storm الذي صدر حديثاً. هذه الجمل مزعجة لأنها تنسف وتهدم الأطروحة الرئيسية التي دفع بها الفريق المناوئ لبوش في السنوات الخمس الماضية القائلة إن الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني تلاعبا بالمعلومات الاستخباراتية من أجل تبرير غزو العراق. غير أنه لِنكنْ علي يقين أن حقائق مزعجة من هذا القبيل لن يكون لها كبير تأثير علي الغموض والضبابية اللذين خلقهما الكتاب؛ علي الأقل ليس بالنسبة لمنتقدي بوش، وهو فريق يضم أغلبية كبيرة من الأمريكيين، ناهيك عن جزء كبير من وسائل الإعلام. في الحقيقة، لم أقرأ سوي أجزاء من الكتاب؛ ولكنني أعتقد أن المستشارين الإعلاميين في البيت الأبيض يستطيعون انتقاء واقتباس مقتطفات من الكتاب تدعم بوش -ومما لاشك فيه أنهم سيفعلون. فعلي سبيل المثال، يجادل "تينيت" بأن الأساس المنطقي للحرب لم يكن "أبداً مسألة تهديدٍ وشيك معروف، وإنما كان يتعلق بعدم استعداد الإدارة للمجازفة وانتظار مفاجأة"، عدو مثل صدام حسين في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وفي هذا السياق، يقول "تينيت" إن العرض الذي قدمه وزير الخارجية السابق "كولن باول" أمام الأممالمتحدة كان يشكل أفضل المعلومات الاستخباراتية التي كانت متاحة وقتذاك. وقال أيضاً إن الخبراء رأوا أن أنابيب الألمونيوم المشؤومة تصلح لأجهزة الطرد المركزي، وبأن الادعاء المثير للجدل بأن العراق كان يسعي إلي شراء اليورانيوم من النيجر، لم يكن ذا أهمية مركزية بالنسبة لرأي أجهزة الاستخبارات، التي كانت تري أن العراق كان يسعي للحصول علي السلاح النووي. وهكذا، جادل "تينيت" في كتابه وفي برنامج "60 دقيقة" بأن وكالات الاستخبارات في 2002 كانت تُجمع علي أنه إذا استطاع صدام الوصول إلي إمداداته الداخلية من اليورانيوم -التي أزالها المفتشون الدوليون بشكل غير أكيد- فإنه كان سيستطيع امتلاك السلاح النووي اعتباراً من 2007. بتعبير آخر، يلمح الكتاب إلي أنه لولا الحرب، لكانت في حوزة صدام اليوم رؤوس نووية؛ وإلي أنه لو نجح في الحصول علي مواد انشطارية من الخارج، لتمكن من صنع قنبلة في غضون عام. والحال أنه لا شيء من هذا يهم، مثلما لا تهم إداناتُ "تينيت" ل"تشيني" ومسؤولين آخرين من الإدارة. فالناس بكل بساطة اتخذوا قراراتهم؛ ولذلك، فإن المذكرات، والحجج، ومحاولات التبرير المنطقي، والاتهامات المضادة، وغيرها من الأمور التي ترد في مذكرات يسعي صاحبُها للتنصل من المسئولية حين كان في واشنطن -وهو بالضبط ما يقوم عليه كتاب "تينيت" في ما يبدو- لن تجدي نفعاً؛ ذلك أن الشيء الوحيد الذي قد يغير آراء الناس بشأن الحرب هي الحرب نفسها. وذاك في الواقع هو الفرق الرئيسي بين مؤيدي الحرب والمعارضين لها. فالمعارضون -ومعظمهم من الليبراليين و"الديمقراطيين"- يعتقدون أننا وصلنا إلي نهاية الطريق، وأن الرحلة انتهت، وأنه ما من سبيل لتتحسن. وبالتالي، فقد حان وقت العودة إلي الوطن. أما المدافعون عن الحرب، فيعتقدون أن لدينا طرقاً لنسلكها، وأنه يمكن -ويجب- أن ننقذ هذه الجهود، وألا نتركها تضيع. إلا أنه بالرغم من ذلك، فإن قلةً من منتقدي الحرب تطعن في الرأي الذي يري أنه إذا تسني إنقاذ العراق ودمقرطته في نهاية المطاف، فإن الحرب تستحق الثمن الباهظ والمؤلم الذي كلفته.