خلال الأسابيع الماضية جري حوار خصب في مصر حول أمور شتي ولكن جوهرها تعرض لطرق موضوعات جرت العادة علي تجاهلها وغض البصر عنها وفي المقدمة منها كانت علاقة الدين بالدولة. ولو أن مثل هذا الحوار جري منذ فترة كافية لكن ممكنا تأثيره الإيجابي علي التعديلات الدستورية، ولكن قصر المدة، وحساسية الموضوع ربما أجلت فائدته إلي حين. فالحقيقة أن المادة الثانية من الدستور والخاصة بأن الإسلام هو دين الدولة وأن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" سوف تظل معنا موضوعا للمناقشة والمجادلات الفقهية حتي يتبين أبعادها التطبيقية والعملية علي ضوء التعديلات الجديدة خاصة تلك المؤكدة علي "المواطنة" باعتبارها حجر الزاوية في هوية الدولة ونظامها السياسي من خلال التراكم القانوني لأحكام المحكمة الدستورية العليا إزاء قضايا بعينها في الواقع المعاش. وربما كان جائزا أنه لم تكن هناك حاجة إلي ذلك النقاش الدائر علي ضوء أن "المواطنة" كان لها وجود في الدستور الحالي لولا أن مواد الدستور عادة لا تنفصل في الواقع عن حقيقة السياسة المحيطة بها. وخلال العقود القليلة الماضية فإن واقع نمو الحركات الأصولية والراديكالية العنيفة والمسلحة، واتجاهات المغالاة والتشدد والمحافظة داخل حركة الإخوان المسلمين، بدأت تلقي بظلالها علي تفسير هذه المادة حتي باتت تجعل هذه المادة هي البديل للدستور كله بحيث لا يبقي بعدها إلا عملية الإفتاء فيما قالت به النصوص. ولذلك فإنه ليس صحيحا ما قال به الأستاذ فهمي هويدي في مقاله المنشور بالأهرام يوم الثلاثاء 27 فبراير المنصرم بعنوان "حوار ضل طريقه" والذي أشار فيه إلي "قلة من المثقفين يشيعون البلبلة بين الناس" لأنهم وضعوا المادة الثانية من الدستور موضع الفحص والدراسة ليس علي أساس تفسيراتهم للمادة ولكن وفقا لتفسيرات الجماعات الأصولية المختلفة التي جنحت بها إلي تغيير الطبيعة المدنية للدولة. وليس صحيحا أن المتحدثين الخائفين من "الدولة الدينية" انطلقوا من "أن تنظيم القاعدة هو المتحدث الشرعي الوحيد باسم الإسلام، وإن حكومة طالبان هي المثل الأعلي في التطبيق الإسلامي، وبالتالي فإنهم اعتبروا أن تاريخ الإسلام بدأ مع تسعينيات القرن الماضي بالملا عمر، و"صاحبيه" أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، كما أن رسالته نزلت في كابول وقندهار وليس في مكة والمدينة". وليس صحيحا أن هؤلاء المناقشين "اختزلوا التجربة الإسلامية في هذه الرموز والخبرات" ولم يروا في الإسلام "سوي كابوس خوفهم، ومن ثم لم يقصروا في تخويف الناس وترويعهم منه!". كل ذلك ليس صحيحا بالمرة، فقد قام هؤلاء الناس بواجبهم في المساهمة في عملية الحوار في التعديلات الدستورية ليس فقط فيما تعلق بالمادة الثانية من الدستور وإنما كل ما تعلق بالجوانب غير الديمقراطية. وعندما جاءت المراجعة إلي علاقة الدين والدولة كانت التجربة الأفغانية واحدة من المرجعيات ولكنها لم تكن أهمها. فقد كان هناك أولا الأغلبية الساحقة من زمن الدولة الإسلامية منذ تحولت إلي ملك عضود حتي نهاية الدولة العثمانية، ومن ثم مثل التاريخ المعمل الأول لكيفية استغلال الدين من قبل البشر للسيطرة والهيمنة والإقفار حتي أن دولا تقلص عدد سكانها بسبب التخلف والاستبداد. وكان هناك ثانيا التجارب "الإسلامية" المعاصرة التي طبقتها إيران والسودان ولا زالت تطبقها تحت شعارات ونظريات إسلامية أصولية قادت هذه البلدان إلي هاوية التقسيم في الحالة الثانية وجحيم الديكتاتورية الذي سيطر علي الحالة الأولي. وكان هناك ثالثا تحارب الجماعات الإسلامية الأصولية والمسلحة التي قدر لها أن تسيطر علي مناطق بعينها من دول عربية أو إسلامية كما هو الحال في الجنوب اللبناني بواسطة حزب الله، وفي الجزائر حيث عاثت الجماعات المسلحة فسادا وشرا باسم الدين والإسلام. وكان هناك رابعا تاريخ الجماعات المصرية الأصولية المسلحة وغير المسلحة في مصر والكيفية التي أدارت بها علاقاتها بالمجتمع من حيث سعيها المستمر لتدمير كل مظاهر الحداثة في المجتمع. وكان هناك خامسا المواقف العملية التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين فيما يتعلق بالمرأة والأقباط وحرية الفكر والتفكير. وكان هناك سادسا موقف المثقفين "الإسلاميين" المعتدلين وغير المعتدلين من مظاهر التطرف ونزعات العنف والإرهاب حيث مالوا دوما للبحث عن المبررات وإلقاء اللوم علي الدولة العربية أو الإسلامية وإذا عز اللوم جري البحث عن سبب لدي الولاياتالمتحدة وإسرائيل. وفي قليل من الأحيان اتخذ اللوم للجماعات الأصولية أشكالا قليلة من اللوم والعتاب ولكنه لم يصل أبدا إلي تحرك سياسي أو فقهي مضاد. وهناك سابعا ذلك الموقف المضاد لحرية الاعتقاد والعقيدة والذي تجسد في الموقف من المسيحية والأقباط والبهائية وغيرها من المعتقدات والتي ترجم إلي فرض الجزية أحيانا والمنع أحيانا أخري. وحتي عندما اجتمع عقلاء الأصوليين من الشيعة والسنة في الدوحة مؤخرا فإنه لم يخرج منهم موقف إنساني ديمقراطي داع إلي تحقيق المساواة في المجتمعات الإسلامية بحيث يحصل الشيعة علي كامل الحقوق السياسية في بلاد الأغلبية السنية، ويحصل السنة علي ذات الحقوق في بلد الأغلبية الشيعية؛ وإنما جري الاتفاق بين طرفي الأصولية علي منع "التبشير" الشيعي حيث الأغلبية سنة والسني حيث الأغلبية شيعة لمنع "الفتنة" وكأن حرية الاعتقاد قد باتت موصولة بإرادة الأصوليات الشيعية والسنية. فلم يكن صحيحا أبدا أن القاعدة كانت وحدها هي المرجعية للحوار الذي جري، بل كان قاعدة طويلة من التاريخ والفكر والممارسة والخطاب السياسي. وهي قاعدة لا تستحق فقط البحث والدراسة الجادة من المفكرين الليبراليين، بل أنها واجب أيضا علي المفكرين الإسلاميين الباحثين عن جور للدين في عالم اليوم!.