يعود وفدا فتح وحماس من لقاء "مكة" إلي فلسطين وسط حالة من التفاؤل والإصرار علي الوفاق وعدم العودة مرة أخري إلي الصدام الدامي بينهما. لكن واقع الحال يعكس مع ذلك هموما ثقالا لن تزيحها بعيدا التمنيات الطيبة وحدها. فمن أبرز نتائج مباحثات مكة العمل علي تشكيل حكومة وحدة وطنية من حماس وفتح ومن شخصيات مستقلة سوف يستغرق ذلك خمسة أسابيع من المشاورات لا يعلم أحد هل يستمر فيها الوفاق الوطني الفلسطيني قائما أم سوف ينهار قبل نهاية هذه المدة. هناك حالة من التسليم بحقيقة أن الفلسطينيين بمفردهم غير قادرين علي تحقيق الوفاق والوحدة الوطنية فيما بينهم، وأنهم في حاجة دائمة إلي وسيط إما مصري أو قطري أو سعودي، وبمجرد أن يزهق الوسيط أو يمل يعود الفرقاء إلي ساحة القتال مرة أخري. المشكلة أن تجارب "الائتلاف" و"التعايش" نادرة جدا في التراث العربي السياسي لأن ذلك مرتبط بالممارسة الديموقراطية التي تقبل وتشجع علي الحلول الوسط، وتري فيها أحيانا ميزة قد تتفوق علي الحلول المنحازة إلي اتجاه واحد فقط. ويعيش الطرف الإسرائيلي مثلا علي هذه النوعية من المرونة السياسية ما بين اليمين المتطرف والمعتدل واليسار بأطيافه المختلفة. ومن خلال هذه المرونة يكسب ويخسر لكنه يبقي ويعيش ولا ينتحر أو يقتل بعضه بعضا. فقط مرات نادرة عندما اغتال فرد متطرف رابين لكن قُبض علي القاتل في النهاية وانتهي الأمر. وأحيانا كنا نسمع عن احتمالات تمرد قد تحدث داخل الجيش الإسرائيلي أو داخل المستوطنات بسبب سياسات معينة وافقت عليها الحكومة، لكن في النهاية يُنفذ القرار رغما عن المعترضين عليه كما حدث عند الانسحاب الإسرائيلي من سيناء وطابا وجنوب لبنان وغزة. تحقيق "المرونة السياسية" هو التحدي الأول للفلسطينيين بعد عودة وفود فتح وحماس إلي غزة والضفة. وليس المقصود هنا المرونة مع إسرائيل ولكن مرونة التعامل بين فتح وحماس علي المستوي الهيكلي والأيديولوجي، وبغير ذلك سوف يعود من مكة كل فصيل إلي معسكره وينفصلان كما ينفصل الزيت عن الماء. لقد اعتبر كل من فتح وحماس نفسه سلطة مستقلة لها منظومتها الأمنية والاقتصادية والسياسية الخاصة. وبرغم أن الفلسطينيين مارسوا تجربة انتخابات ديموقراطية نموذجية إلا أنهم لم يتحركوا خطوة واحدة بعدها، وربما تقع المسئولية في ذلك علي فتح أكبر من حماس لكن في نهاية الأمر لم يكن أيا منهما حريص علي الوصول إلي نقطة وسط تجعل من الانتخابات الفلسطينية بوابة لمرحلة مفاوضات مثمرة وبداية لعصر من المرونة السياسية تمكنهم من الرقص مع الذئب الإسرائيلي برشاقة وفاعلية. التحدي الثاني بعد العودة من مكة هو البيئة الداخلية الفلسطينية المستقبلة للوفود العائدة. فبعد خوض غمار حرب داخلية دموية أصبح الداخل الفلسطيني ممزقا مكلوما يلوك شعارات طائفية كما يجتر بداخله عذابات ثارات متبادلة لن يتخلص منها بسهولة خاصة أن القيادات علي الجانبين ليسوا في مقام ياسر عرفات ولا في هيبته. هناك إذن مهمة مصالحة يجب أن تتحقق علي مستوي القواعد الجماهيرية والعائلات الكبري وأيضا مع باقي الفصائل التي لم تحضر مباحثات مكة وتريد أن ترفع صوتها وتقول "نحن هنا". التعامل مع هذا التحدي له طرقه المعروفة..ولكن هل يقبل دحلان وهنية أن يتحدثا إلي الجماهير معا، أو يتم تطبيب جراح أُسر القتلي من الجانبين وتعويضهم، أو يُعاقب الجناة وتطبق العدالة علي المجرمين بدون تفرقة. هناك أيضا واجب شجاع يجب أن يخرج من الجماهير وجماعات المثقفين ورجال الفكر ومن المجتمع المدني الفلسطيني للضغط علي القيادة من أجل تحقيق الوحدة الوطنية والحفاظ عليها. لقد حدث ذلك الجهد بالفعل علي مستوي طلبة المدارس لكن الأمر يحتاج رقابة شعبية أعم ترفض البلطجة والتقسيم والتطرف والشعارات الجوفاء. أخطر التحديات سيكون في كيفية التعامل مع الدائرة الخارجية التي تتنافس أطرافها النفوذ داخل فلسطين. سوف يعود مشعل إلي سوريا وإيران وحزب الله، وتعود فتح إلي مصر، ويعود أبو مازن إلي الرباعية الدولية وإلي مفاوضاته مع إسرائيل. والمشكلة أن الخارج ملتهب في العراق وأفغانستان وأيضا من جراء المواجهة بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخري. وبطبيعة الحال من الصعب علي الفلسطينيين تجاهل الدائرة الخارجية وعليهم للتعامل معها امتلاك أجندة سياسية ذكية ومرنة. والسؤال الآن هل يُمثل الاحتقان وأحيانا الصدام الخارجي فرصة أمام الفلسطينيين لأخذ تنازلات ودعم من الأمريكيين والأوروبيين، أم أن الاحتقان والصدام قد يشغلان القوي الخارجية بعيدا عن القضية الفلسطينية. ولحسن الحظ أن كل التقييمات الغربية تضع القضية الفلسطينية علي رأس المسائل التي يجب الوصول إلي حل لها. لكن ذلك قد لا يكفي لتحريك الآخرين. فإذا لم يحقق الفلسطينيون وحدتهم ويحرصوا علي إطلاق سيل من المبادرات المستمرة التي تجعل الكرة دائما في ملعب القوي الأخري، سوف يظل الحال كما هو عليه بدون تغيير. ولا أتصور أن المقاومة العسكرية لها الأولوية الآن أو ضرب الصواريخ، ولكن الأكثر أهمية أن تخرج الحكومة والسلطة الفلسطينية بتصورات عملية تفتح الطريق إلي مفاوضات مستمرة لا تتوقف قبل الوصول إلي الحل النهائي. إن التنسيق مع سوريا قد يكون مطلوبا في هذه المرحلة ولكن في إطار دفع عملية السلام وحل مشكلة الجولان ومنع إسرائيل من اللعب علي الفلسطينيين والسوريين واستغلال التباعد الحالي بينهم. وفي الحقيقة يمكن وصف الوضع الحالي في المنطقة بأنه يفتقر في معظم عناصره إلي الحسم وتحقيق نتائج نهائية دائمة. فالجرح العراقي بعد أربع سنوات من الغزو مازال مفتوحا بدون أن تحقق أمريكا أهدافها في العراق أو في المنطقة، وذلك ينطبق علي الجرح الفلسطيني واللبناني والأفغاني والسوداني والصومالي. باختصار كل الأطراف في مأزق، وكل طرف علي استعداد للأخذ والعطاء. ولا يوجد أحد يطمع الآن في الفوز بالضربة القاضية، كل ما هنالك أن يخرج من المباراة بعدد من النقاط وحفظ ماء الوجه، وينطبق ذلك علي الأقوياء والضعفاء علي السواء. هذه الحقيقة يجب أن يقرأها الفلسطينيون جيدا، وأن يتعاملوا معها بمهارة وذكاء، وألا ينجرفوا مع محاولات الاستثارة الإسرائيلية التي يُسعدها انشغال خصومها بالمظاهرات والشعارات والموضوعات الجانبية التكتيكية. إن إسرائيل يمكن هزيمتها بسهولة علي مائدة المفاوضات إذا تحققت الوحدة الوطنية الفلسطينية، وإذا طرح الفلسطينيون أجندة سياسية تفتح الطريق أمامهم للتعامل مع محيطهم العربي والإسلامي والعالمي المعترف بقضيتهم منذ أكثر من نصف قرن، ورغم ذلك مازالت فلسطين محتلة حتي الآن لأسباب يقع الكثير منها علي مسئولية الفلسطينيين أنفسهم.