في شهر أغسطس 2003 وبعد مضي أربعة أشهر علي إصابة العراقيين ب"الصدمة والرعب" جراء الغزو الأمريكي لبلادهم، كانت المقاومة الشعبية للاحتلال الأمريكي قد بدأت بالفعل. ورغم أن البيت الأبيض كان لا يزال في ذلك الوقت منتشياً بنجاحه العسكري، فإن الكثير من العقلاء في واشنطن أدركوا أن فلاسفة الفوضي والتدمير الخلاق في الإدارة، أخفقوا في أن يضعوا في اعتبارهم إمكانية قيام حركة مقاومة في البلد الذي قاموا باحتلاله، وأنهم لم يقوموا برسم استراتيجية خروج لأنهم لم يتوقعوا الخروج من العراق، بل سينطلقون منه للسيطرة علي باقي الشرق الأوسط وغرب آسيا. وفي ذلك الوقت، وتحديداً في الحادي والعشرين من أغسطس، كتبت عموداً قلت فيه إنه طالما أن الشعب العراقي ليس سعيداً، وأن المقاومة المسلحة قد بدأت، فإن أمريكا يجب أن تغادر العراق، وأن ذلك لن يعتبر هزيمة، وأن الرئيس بوش يمكن أن يخرج ليقول إن "الشعب العراقي الناكر للجميل قد أظهر أنه لا يستحق الجهود الأمريكية الرامية إلي منحه مستقبلاً أفضل". كما كتبت في ذلك الوقت أن الوضع في العراق لو استمر في التدهور حتي ميعاد انتخابات 2004، فإن الرئيس سيضطر حينئذ للتفكير في خيار الخروج. لكن الرئيس لم يفعل ذلك إلا منذ أسبوع واحد فقط، أي بعد الموعد الذي توقعته بسنتين، وذلك عندما اتفق بوش والسفير الأمريكي لدي العراق علي القول بأن العراقيين يثبتون الآن بأنهم ليسوا جديرين بجهود أمريكا، وأنه لذلك السبب ستقوم واشنطن بوضع معايير لقياس التقدم في تدريب قوات الأمن العراقية حتي تتأكد من أنها أصبحت قادرة "علي الوقوف علي قدميها"، بما يسمح للأمريكيين في النهاية بالمغادرة. والسؤال هو: "ماذا سيحدث إذا لم يصل العراقيون إلي المعدلات أو المعايير التي حددتها الولاياتالمتحدة؟ متحدث باسم الإدارة وصف ذلك السؤال بأنه "افتراضي". حتي لو كان افتراضياً فإنه لن يظل كذلك لفترة طويلة، وساعتها لن تكون الولاياتالمتحدة في وضع يمكنها من القول: "وداعاً يا عراق! لقد أثبت شعبك وحكومتك أنهما ليسا أهلاً للجهود الأمريكية الرامية لمساعدتك"! ليس هدفي من ذلك القول إن "تحويل العبء" إلي العراقيين خطأ. كان صدام حسين يحكم العراقيين بشكل استبدادي، لكنهم لو كانوا لا يريدونه، فإنه كان بمقدورهم (قبل 2003)، أن يفعلوا معه مثلما فعلوا مع ملكهم الهاشمي عام 1958، ومع قائدين عسكريين مستبدين جاءا بعده، أي أن يطيحوا به ويطردوه. لم يحدث هذا، وإنما الذي حدث هو أنهم يحاولون الآن طرد أمريكا وحلفائها. خبراء السياسة في واشنطن يقولون إن القوات الأمريكية لو انسحبت الآن فإن البلاد "ستغرق في الفوضي"! لكن الفوضي قائمة بالفعل، والعراقيون هم الذين سيقومون في النهاية بتحمل عبئها وليس إدارة بوش. يقول أكرمان إنه حاول معرفة تفاصيل موضوعه من خلال إجراء تحقيق صحفي بالطريقة التقليدية، لكنه قوبل باعتراضات من مسئولين في الإدارة، وخبراء عسكريين في البنتاجون في كل خطوة، ولم يتمكن من الخروج سوي بصورة غامضة عن هيكلية القواعد الأمريكية القائمة حالياً في العراق وتلك التي يتم بناؤها، وكذلك عن السفارة الأمريكية الضخمة في المنطقة الخضراء، وإن لم يتلق أي تفسيرات عن الأسباب التي دعت إلي وجودها. ويعتقد الكاتب أن السبب في عدم وجود تفسيرات، يرجع لحقيقة أن البنتاجون نفسه لا يعرف سبب وجود تلك القواعد، لأن بوش لم يذكر شيئاً عن ذلك لمرؤوسيه. ثم يقول إن تلك القواعد بنيت أو تبني، علي ما يبدو، لسبب واحد وهو كي تكون جاهزة تحسباً لأي شيء! وإذا ما صح ذلك فإنه يدل دلالة قاطعة علي ارتباك الإدارة الأمريكية وعلي أن "مجموعة تشيني- رامسفيلد" وباقي "المحافظين الجدد" الذين استغلوا الحادي عشر من سبتمبر، والذين يعتبرون المسئولين الرئيسيين عن غزو العراق، كانوا يريدون أن يحكموا العالم من خلال القيام أولاً بتحويل العراق إلي قاعدة كبري للولايات المتحدة في المنطقة، يتمكنون عبرها من حكم الشرق الأوسط وغرب آسيا... لكن مشروعهم أخفق. والسؤال الذي تفرضه مجريات الواقع الآن هو: هل ستبقي القوات الأمريكية في العراق؟ وهل لديها القدرة أصلاً علي ذلك؟ إن ما يبدو واضحاً أمامنا الآن هو أن فكرة استخدام القواعد لاستعراض القوة الأمريكية، هي فكرة لا قيمة لها، وأن إدارة بوش ستجد نفسها مضطرة للخروج من العراق، ولكن لا يبدو أن أحداً منها لديه الرغبة في أن يقول للبنتاجون إن كل شيء قد انتهي... علي الأقل في الوقت الراهن.