عندما أنظر إلى طريقة تعامل الولاياتالمتحدةالأمريكية والإدارة الحالية مع الرئيس الفنزويلى السابق نيكولاس مادورو، أجد أنها تختلف جذريًا عما فعلته مع الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين، والرئيس الليبى الراحل معمر القذافى. ففى العراق وليبيا، كان التدخل الأمريكى يعنى تدمير الدولة بالكامل: مؤسسات انهارت، ثروات نُهبت، وشعوب دفعت ثمن الفوضى والاقتتال الداخلى، والنتيجة فى النهاية كانت دولًا ممزقة لم تستعد استقرارها حتى يومنا هذا. أما فى فنزويلا، ورغم الخلافات الحادة مع مادورو، فإن الإدارة الأمريكية - خاصة فى عهد الرئيس دونالد ترامب - تعاملت معه كشخص معزول، فرضت عليه العقوبات والضغوط، لكنها حافظت على الدولة نفسها، وعلى ثرواتها النفطية، وعلى وجود الشعب دون أن تدفعه إلى حرب أهلية شاملة أو انهيار كامل. صحيح أن فنزويلا تعيش أزمة اقتصادية وسياسية خانقة، لكن الفارق الكبير أنها ما زالت دولة قائمة، لم تُدمر بنيتها التحتية، ولم تتحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى مثل دولتى العراق وليبيا، ولم تدخل فى حرب أهلية شاملة. فالخلاف مع مادورو كان مع الرئيس نفسه، لا مع الدولة ولم يترجم إلى حرب إنما عزلة سياسية واقتصادية، بينما العراق وليبيا، كان الصراع مع النظام يعنى القضاء على الدولة نفسها، وهذا هو الفارق الذى جعل فنزويلا، رغم أزمتها أكثر قدرة على البقاء من غيرها. وهنا أريد الإشارة إلى أن جذور الأزمة بين واشنطن وكراكاس تعود إلى الخلافات الأيديولوجية والاقتصادية، حيث تبنت فنزويلا مشروعًا سياسيًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، وشرعت إلى توطيد علاقاتها مع روسيا والصين وإيران، ما اعتبرته الإدارة الأمريكية تهديدًا مباشرًا لأمنها ومصالحها. إذن فالمقارنة بين الحالات الثلاث تكشف أن الاختلاف فى أسلوب التعامل الأمريكى انعكس على مصير الشعوب، ففى العراق وليبيا دفعتا ثمن التدخل العسكرى المباشر، حيث انهارت مؤسسات الدولة وتعرضت الثروات للنهب والتدمير، وتحولت أزماتهما إلى كوارث وجودية ما زالت تلقى بظلالها حتى اليوم. ولا بد أن ندرك أنه منذ بداية القرن الحادى والعشرين، شكلت العلاقة بين الولاياتالمتحدة وبعض الأنظمة السياسية فى العالم محورًا لصراعات كبرى تركت آثارًا عميقة على مصير الدول وشعوبها. ومن هنا، الخلافات السياسية مهما كانت حدتها يجب أن تدار بعقلانية، فالأشخاص يرحلون لكن الدول تبقى، فالحفاظ على مؤسسات الدولة وثرواتها هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسى الماضى، ولإعطاء الشعوب فرصة حقيقية للنهوض من جديد. بالطبع لست مؤيدًا لما حدث مع رئيس فنزويلا ولكن أتحدث عن قاعدة «أقل الضررين» وفق المعمول به فى أدوات الفقه، فخلع رئيس الدولة أفضل من تدمير الدولة وهو ما كنت أتمناه مع العراق وليبيا طالما أن القوة الأمريكيةالقاهرة ستنفذ مرادها بعدما بقيت مآسى الشعوب تدفع ويلات سياسات رؤسائها وخطأ تقديراتهم التى أضاعت البلاد والعباد.