هل تخلي الرئيس بوش عن نظريته في الحرية؟ فمن ليبيا الي إيران والي أذربيجان، يبدو أن إدارة بوش خفضت من اهتماماتها بالديمقراطية وتشجيعها في الشهور الأخيرة. لكن لا يبدو تخلي الولاياتالمتحدة عن الديمقراطية بشكل واضح وفاقع إلا مع مصر، وكيف تتصرف الإدارة الأمريكية إزاءها. ويبدو هذا التراجع في مصر أوضح منه في سائر أنحاء العالم، لأنه في مصر بالذات فإن برنامج الولاياتالمتحدة لدعم الديمقراطية، كان الأوضح والأحرج والأكثر جرأة. في يناير عام 2005 خصص بوش خطابه الثاني عن حالة الاتحاد كله تقريباً لرؤيته في الحرية. لقد قال بصراحة واستقامة: "إن نجاة الحرية والديمقراطية في بلادنا رهن بنجاحها في البلدان الأخري. وأفضل الآمال لتطور الديمقراطية في الولاياتالمتحدة، أن تنتشر في سائر أنحاء العالم". ولذلك فقد صارت مصر هي الاختبار الأول والأقرب والذي انعقدت عليه آمال رجالات بوش للتطور الديمقراطي، والتداول السلمي للسلطة. وقد بدت الإدارة الأمريكية جادة في ذلك تماماً. وقبل شهر من وصولها لوزارة الخارجية ألغت كوندوليزا رايس رحلة الي مصر احتجاجاً علي سجن أيمن نور، زعيم حزب الغد الليبرالي، باتهامات مزورة في نظر الإدارة والمراقبين. وكانت كوندوليزا تنفذ بذلك ما سبق لها أن تحدثت عنه من "دبلوماسية للتحول" عمادها الاتصالات من دولة لدولة للدفع باتجاه التغيير الديمقراطي. لقد زودت الولاياتالمتحدة مصر بمساعدات سنوية تبلغ الملياري دولار وعلي مدي ثلاثين عاماً. ولذلك فهي تملك مجالات للحركة تجاهها، وقد بدا أن النظام يستجيب للرغبات الأمريكية. إذ تم الغاء المادة 76 من الدستور لفتح الباب في تعدد المرشحين لرئاسة الجمهورية للمرة الأولي، وإتاحة حريات أكبر للتعبير، وإعطاء القوي السياسية المعارضة الفرصة لصوت أعلي. وهكذا فقد بدا أن الأرضية صارت مهيأة لتعددية مقبولة. كما بدا من جهة ثانية أن رؤية بوش بدأت تحقق نتائج في الشرق الأوسط. بيد أن النظام ما بلغ الا الحد الأدني مما طلبته واشنطن؟ في الوقت الذي رزحت فيه البلاد تحت إجراءات أمنية بالغة الشدة خلال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وما أن انتهت الانتخابات حتي سارع النظام أيضاً الي سحب كل وجوه إصلاحاته. وخلال الشهور الستة الماضية مدد سريان قانون الطوارئ حتي العام 2008، وأجل الانتخابات البلدية التي كان ينبغي أن تجري هذا العام. ثم إن الحكومة المصرية زادت من ضغوطها علي قوي المعارضة والسياسيين والمعارضين، وخطت ضد القضاة الذين كانوا وما يزالون ينادون ويعملون لاستقلال أكبر للسلطة القضائية. فهل كانت هناك ردة فعل لدي إدارة بوش؟ لا يمكن ملاحظة ذلك. فباستثناء إيقاف المفاوضات علي اتفاقية جديدة للتجارة الحرة، توقفت الإدارة عن الضغط علي الحكومة المصرية باتجاه التراجع عن حملاتها علي المعارضين. وما توقف الأمر عند حدود الإدارة. فالكونجرس الأمريكي وافق كالعادة علي المساعدة السنوية الكبيرة لمصر دونما ربط لها بأي إصلاح سياسي. لقد كانت المساعدة الأمريكية لمصر في الأصل لأسباب سياسية. فقد اقترح الرئيس جيمي كارتر هذه المساعدة الكبيرة لمصر بسبب موافقتها علي توقيع اتفاقية صلح مع إسرائيل، ومغادرة المعسكر السوفيتي. إن التحدي الأكبر للسياسات الأمريكية بالمنطقة يتمثل في قدرتها علي دعم التغيير باتجاه الديمقراطية ومن خلال ذلك إعطاء السلام والاستقرار والاعتدال فرصة في وجه الاستبداد والعنف. ولذلك فهناك سر كبير وراء استمرار تدفق المساعدات علي مصر دونما سير من جانب حكومتها في الاتجاه الإصلاحي والديمقراطي. تستطيع الولاياتالمتحدة التأثير إيجاباً لهذه الناحية، من طريق وضع علامات ومحطات علي الطريق، وتحديد أزمنة لتحقيق الإصلاح السياسي. وقد يكون ممكناً للولايات المتحدة إعادة توجيه جزء من مساعدتها لمصر ليس الي العسكريين بل الي تنظيمات المجتمع المدني غير الحكومية، والجمعيات الأمريكية العاملة في مجالات التنمية والإصلاح في مصر. والعجيب أن التنظيمات والجمعيات المصرية وغير المصرية العاملة في هذه المجالات هي الآن تحت الحصار من جانب الحكومة المصرية. والواقع أن تراجع الولاياتالمتحدة عن برنامجها في مصر له تأثيرات في سائر أنحاء المنطقة. ذلك أن الحكومات الأخري تراقب بدقة التطورات الحاصلة. وقد كان سلوك تلك الحكومات حتي اليوم كالتالي: إتاحة منافذ قليلة للحرية عندما تكون هناك انتخابات، ويكون انتباه الولاياتالمتحدة علي أشده، والتراجع بعد الانتخابات عن كل شيء عندما تكون الإدارة الأمريكية قد صرفت انتباهها عن البلد المعني. وربما كان الأفضل لو أن الرئيس بوش ما ألقي بيانه الثاني عن الحرية والديمقراطية، بل بدلاً من ذلك تابع العمل بهدوء علي الدفع باتجاه الإصلاحات. لكن كلمات الحرية كانت قد قيلت. وهكذا لم يبق لبوش الا أن يدعم آراءه بضغوط وتحركات فعلية، والتي تشير الي التزامه بالحرية. وإذا حصل تراجع في مصر، فإن ذلك سينتشر الي الشرق الأوسط كله.