حضرت قبل أيام حفلا موسيقيا لمجموعة من الشباب أطلقوا علي فريقهم اسم اسكندريلا. أداء أعضاء الفريق أكثر من رائع، الأفكار الجديدة والإبداع لا تخطئهما عين، فأنت أمام مجموعة من الفنانين الواعدين جدا، فلا يمكنك وأنت تستمع لهم سوي أن تذهب بعيدا تحملك توزيعات وتنويعات موسيقية جديدة لألحان وأغان قديمة للشيخين سيد درويش وإمام عيسي. الأول، سيد درويش، هو مؤسس النزعة الوطنية في الغناء، فهو أول وأشهر من غني لمصر وللمصريين، حتي أن أغاني سيد درويش كانت من بين الروافع التي خلقت الوطنية المصرية وعممتها علي ملايين البشر الخارجين توا من رحم التقليد والقرية، والذين كانت مصر بالنسبة لهم مجرد مدينة كبيرة يسميها المتحذلقون القاهرة، فأصبحت علي يد سيد درويش بلدا كبيرا فيه المدينة الكبيرة ومدن أخري صغيرة وبينهما الآلاف من القري، كما أصبحت جامعة وطنية تجمع كل الناس الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم مصريين، بعد أن كانوا شتاتا من المصاروة والاسكندرانية والفلاحين والصعايدة والعربان. بالإضافة إلي قدراته الإبداعية التي سبقت عصرها، فإن مصرية سيد درويش هي التي جعلت فنه ميراثا متجددا وحيا تتوارثه أجيال المصريين، وهي نفس المصرية التي ارتفعت به فوق خلافات السياسة ومزايداتها، فكل من أحب الغناء والموسيقي من المصريين لم يكن له سوي أن يعتز بسيد درويش، ولم يخرج عن هذا الإجماع سوي أصحاب أفكار تخاف الموسيقي والفن، وتوشك أن تلعنهما، ما لم تكن قد لعنتهما بالفعل، وهي نفس الأفكار التي تري الوطنية فكرة خائبة صنعها الاستعمار واليهود لتفريق الأمة. لا تستطيع وأنت تستمع لشباب اسكندريلا سوي أن تندمج مع ألحان سيد درويش وكلماته، فالوطن هو الوطن نفسه، والطبقات الشعبية التي غني لها سيد درويش مازالت هناك وإن تغيرت المهنة والملابس وبعض الهموم، لهذا فإنك لا تشعر ببعد المسافة أو فقدان الاتصال مع غناء سيد درويش مهما بعد الزمن. لكن هذه المشاعر تختلف عما تكون لدي وأنا أستمع إلي أداء الفريق نفسه لأغاني الشيخ إمام عيسي. فالشيخ إمام بالنسبة لي وللكثيرين من جيلي هو رمز لمرحلة تاريخية كاملة من تاريخ الوطن ومن تاريخنا الشخصي، مرحلة كنا فيها في صفوف اليسار نرفع شعارات الثورة ضد الفقر والاستغلال والإمبريالية. فأغاني الشيخ إمام، أو علي الأقل كثير من الأغاني السياسية منها، هي مشاعر التمرد والتطلع ولكن بعد أن تم قولبتها في برنامج سياسي يساري، وهو نفس البرنامج الذي يضع حاجزا، ولو كان رقيقا، قد يمنعك من الانسجام التام مع الغناء. فعندما تستمع لهذه الأغنيات تلهبك مشاعر التعاطف مع الفقراء والمقهورين والشوق الجارف لتحرير الإنسان، ولكنك لا تستطيع أن تمنع عقلك عن النشاط متسائلا ما إذا كان البرنامج السياسي المقترح في الأغنية يمثل فعلا الطريق لتحقيق هذه التطلعات، وأظن أن هذا هو بالضبط ما يفسد متعة الاستمتاع بهذه الأغنيات. فعندما تستمع لأغنية الشيخ عن الثوري العظيم تشي جيفارا لا تستطيع سوي أن تلاحظ أوجه الشبة بين جيفارا وأسامة بن لادن، فتتعجب كيف لأقصي اليمين وأقصي اليسار أن يتشابها إلي هذا الحد: "خلاص خلاص...مافيش خلاص...غير بالبنادق والرصاص" وأنه "يا تجهزوا جيش الخلاص يا تقولوا علي العالم خلاص". هذا هو نفس منطق أسامة بن لادن الذي لا تقف أوجه الشبه بينه وبين تشي جيفارا عند حدود القنابل والرصاص والخلاص، ولكنها تمتد أيضا لتشمل حقيقة أن الرجلين جاءا من خلفية ميسورة، وأنهما تغربا بعيدا عن وطنيهما، اللذين لم يكن لهما أهمية خاصة لدي أي منهما بعد أن ذابا في إيديولوجية عالمية فوق وطنية شيوعية أو إسلامية، فذهبا لشن الحرب ضد العدو في بلاد الآخرين، وللمصادفة كان العدو هو نفسه الولاياتالمتحدةالأمريكية. فإذا تركت جيفارا وبن لادن وعدت للاستماع لأغنيات اسكندريلا/الشيخ إمام عن الشعب الفلسطيني الذي هو ضحية هذا العصر بلا منازع، فسوف تجد نفسك ممزقا بين مشاعر التعاطف إلي حد التماهي مع الفلسطيني اللاجئ الطريد وبين البرنامج السياسي الذي يصفه له الشيخ إمام لإنهاء عذاباته، والذي بات هناك شك كبير في نجاعته. "فالثورة الأكيدة والبندقية التي تفرض حياتنا الجديدة" لم تعد طريقا آمنا ومؤكدا لإعادة بعض العدالة المفقودة. أكثر من هذا فإن فيتنام لم تعد تحمل البشارة للفلسطينيين، كما تعدهم الأغنية الشهيرة، وكما كان عليه الحال في السبعينيات، فقد دار الزمن دورته في فيتنام، ودخل الفيتناميون في تجربة جديدة للمصالحة مع العالم ومع عدوهم السابق بعد أن جربوا وصفات الاشتراكية والدولة المهيمنة لعدة عقود. لقد أفسد إعمال العقل وعقد المقارنات علي متعة الاستماع للأداء الرائع من شباب اسكندريلا. وأظن أنني لم أكن وحدي الذي داهمته هذه المشاعر، فقد سمعت من آخرين من الحاضرين تعليقات تصف الحفل بأنه كان مناسبة لإثارة بعض الحنين لماض نعلم أنه لن يعود، وللاستمتاع بنشوة المراحل المبكرة من العمر وكأن أغلبه لم ينقض بعد. السؤال الذي ألح علي أكثر من غيره هو السؤال عن مغزي الجمع أو التناقض بين الإدراك والوعي الليبرالي الذي أصبحت عليه، والمشاعر اليسارية التي أحملها تحت الجلد، وعن نوع القيم والمثل العليا التي تقوم عليها الليبرالية، وما إذا كانت هذه القيم والمثل العليا قابلة للتغني بها، وقادرة علي إلهام الشعراء والموسيقيين وأصحاب الأصوات الجميلة، وما إذا كان وقعها علي الأذن والقلب والعقل قادر علي إلهاب حماس الجمهور الغفير، وبخاصة ما إذا كانت هذه القيم قادرة علي إلهام الشباب وإلهاب حماسهم وهم أكثر المستهلكين للفنون والموسيقي، وهم في نفس الوقت فئة المجتمع الأكثر تعلقا بالمبادئ والمثاليات، والأكثر ميلا للتمرد وتطلعا للحرية التي تحتل موقع القلب من الفكر الليبرالي. أهم من هذا كان تساؤلي حول ما إذا كان لدي الليبرالية قيما قادرة علي إلهاب الخيال، أم أن الليبرالية هي ميل عقلي أكثر منها حالة نفسية، الأمر الذي يحرمها من حرارة العاطفة المحركة لعبقرية الفنان وإبداعه. يرتبط بهذا السؤال سؤال إضافي حول ما إذا كان من الممكن إبداع فن له وظيفة ورسالة سياسية دون أن يكون مرتكزا علي مفهوم العدو الذي يقوم عليه الفن الإسلامي واليساري. لليسار في مصر أغانيه وفنانيه، وحتي الإسلاميين المتهمين بالعداء للفن لهم أناشيد ومنشدين، وأزعم أن التيار الليبرالي في مصر لن يحتل مكانا مؤثرا بين التيارات السياسية في البلاد حتي ينتج الفن الخاص به، وحتي ينجح في صياغة رسالته وأفكاره بطريقة تطلق الخيال والحماسة في الوقت الذي تحرك فيه أرقي طاقات العقل البشري وأكثرها تركيبا