علي الرغم من مضي حوالي ستة عشر سنة كاملة عن نشر نتائج تلك الدراسة المهمة، والتي أجراها فريق عمل بحثي متكامل بالمركز القومي للبحوث الاجتماعي والجنائية، وتحت إدارة أ. د. أحمد زايد أستاذ الاجتماع وعميد كلية الآداب بجامعة القاهرة وقتها، إلا أن إعادة قراءة نتائجها هذه الأيام، إنما يؤكد لنا علي أن النمط العام للأبعاد السياسية للشخصية القومي المصرية لم يتغير إلي حد كبير. وذلك عندما نقارن تلك النتائج القديمة نسبيا، بتلك المماثلة لها الآن، والتي يمكننا رصدها أو تكون الافتراضات والانطباعات حولها. ولعل ذلك الأمر هو الذي دفع بالهيئة المصرية العامة للكتاب، إلي إعادة طبع وتقديم الكتاب الذي تضمن نتائج تلك الدراسة مرة أخري في عام 2005، بعد صدور طبعته الأولي في عام 1990، تحت عنوان "المصري المعاصر": مقارنة نظرية وامبيرقية لبعض أبعاد الشخصية القومية المصرية"، وإذا كان مقال اليوم ومقالان آخران في ذات الموضوع، سوف يتم التركيز فيها علي استعراض النتائج المتعلقة باستكشاف علاقة المصري المعاصر بالسياسة، إلا أنه ينبغي الإشارة هنا، إلي أن تلك الدراسة، قد تطرقت إلي أبعاد أخري، مثل التدين في حياة المصريين، والفكاهة والمرح لدي المصري المعاصر، وكذلك مفهوم الصبر والتواكل في حياة المصريين، فضلا عن محاولة تحديد أهم الخصائص والسمات المميزة للمصريين، ومن ثم ارتباطها بالإطار البنائي العام الذي يتفاعل داخله الإنسان المصري. وتندرج المعرفة السياسية تحت ما يمكن أن نسميه بالثقافة السياسية، والتي يمكن أن تتضمن حصيلة الفرد من المعلومات السياسية، وأيضا استيعابه لتلك المعلومات، وبالتالي قدرته علي إدراك وجود الهياكل السياسية والتقمص الوجداني لها، وترتبط الثقافة السياسية دائما بعملية التنشئة الثقافية التي تبدأ بالأسرة، مرورا بكل الفترات التي يتأثر بها الفرد طيلة حياته في تعامله مع محيط المدرسة والجامعة ووسائل الاتصال الجماهيري وعضوية المنظمات الرسمية والطوعية وهكذا، فإذا كان من غير المتوقع، أن يلم جميع أفراد المجتمع بكل ما يجب الإلمام به من المعرفة السياسية، إلا أن هناك حدا أدني من تلك المعرفة ينبغي دائما توره، لذلك فإن الثقافة السياسية عندما تكون في حالة تدهور ظاهر، فإنه لابد والأمر كذلك من مواجهة ذلك القصور بإحداث عملية تنمية سياسية مكثفة، لذلك عمدت تلك الدراسة الميدانية في هذه الجزئية، للبحث عن ذلك الحد الأدني من المعلومات السياسية، والتي تضمنت مدي معرفة الأفراد "في عينة البحث وعددها 900 مفردة" بالأحزاب السياسية القائمة، ومدي إلمامهم بالأشخاص القائمين عليها، وعلي شئون السياسة في مصر كرئيس الجمهورية ورئيسي مجلسي الشعب والشوري، وكذلك إلمام أفراد العينة البحثية بتدرج نسق السلطة القائم في مصر. وقد أشارت نتائج الدراسة إلي أن درجة المعرفة بالأحزاب السياسية لا تتوازي مع مستوي الحديث المثار عن الديمقراطية، حيث أفاد نحو 53% من المبحوثين بأنهم لا يعرفون شيئا عن الأحزاب السياسية! كما اتضح وجود شكل من أشكال التوازي بين مدي انتشار الحزب، أو مدي تأثيره في السلطتين التشريعية والتنفيذية وبين درجة معرفة الناس به، فالذين يعرفون الحزب الوطني بلغت نسبتهم حوالي 43% وهي نسبة زادت بشكل واضح عن نسبة من يعرفون أحزاب المعارضة. كما تأكدت ظاهرة النقص في مستوي المعلومات السياسية، من خلال السؤال عن معرفة المبحوثين بالنقابات المهنية، حيث تقاربت تلك النسبة مع النتائج المتعلقة بالمعرفة للأحزاب السياسية، وأوضحت النتائج أيضا أن الثقافة السياسية في المجتمع المصري تقوم علي المعرفة بالأشخاص أكثر من المعرفة بالتنظيمات أو المؤسسات السياسية، حيث بلغت نسبة من يعرفون رئيس الجمهورية حوالي 98%، ومن يعرفون رئيس الوزراء حوالي 48%، أما من يعرفون رئيسي مجلسي الشعب والشوري، فقد بلغت نسبتهما حوالي 48%، 22% علي الترتيب، وبذلك يتضح ارتفاع مستوي المعرفة المتصلة بالأعضاء البارزين في النخبة أو الصفوة السياسية، والتي ترجع في الحقيقة إلي بعض الخصائص السياسية العامة في البلدان النامية، وذلك مثل: أولا: المركزية السياسية، والتي يرتبط المواطنون من خلالها بأفراد أكثر من ارتباطهم بتنظيمات أو مؤسسات. ثانيا: زيادة مستوي ودرجة التعبئة السياسية القادمة من أعلي، والتي تكون العلاقة بين المؤسسات السياسية والجماهير فيها علاقة اتصال ذات خط واحد، تبث فيه الثقافة السياسية من أعلي، وتلعب وسائل الإعلام فيها دورا مهما. ومع ذلك فإنه يمكن تفسير هذه الظاهرة، من خلال خاصية تاريخية ترتبط بالبناء السياسي المصري، حيث تعرض المجتمع المصري ولفترات طويلة لحكم الفرد الواحد، مما يترتب عليه دائما خلق اتجاها لدي المواطنين يربطون فيه دائما بين الدولة وبين فرد أو أفراد قلائل. الأمر اللافت للنظر هنا، وجود نسبة وإن كانت منخفضة من الناس لا تعرف اسم رئيس الجمهورية! إلا أن تلك النسبة ترتفع في الوظائف العامة السياسية الأخري، إلي الدرجة التي بلغت حوالي 43% ممن لا يعرفون اسم رئيس مجلس الوزراء، وحوالي 45% فيما يتصل باسم رئيس مجلس الشعب، وحوالي 70% فيما يتصل باسم رئيس مجلس الشوري، وهو ما يؤكد علي أن درجة معرفة المصريين بالأشخاص السياسيين، ترتبط أساسا بالأهمية السياسية لكل منهم، وكذلك بدرجة ظهورهم علي الناس من خلال وسائل الإعلام، وبأهمية المؤسسة التي يترأسها حيث اتضح أن نحو 57% ممن شملتهم الدراسة، قد اعتبروا أن رئيس الجمهورية هو أعلي سلطة في مصر، في نفس الوقت الذي جاء فيه مجلس الشعب في الترتيب الثاني "17%" يليه القضاء "6%" في حين احتل كل من مجلس الوزراء والشرطة والجيش ذيل القائمة وبنسب ضعيفة للغاية. وإذا كانت الثقافة السياسية تتباين بين قطاعات المجتمع المختلفة، فقد اتضح وجود اختلاف بين كل من الريف والحضر في مستوي تلك الثقافة، فبالنسبة للمعرفة الخاصة بالأحزاب السياسية، فقد تبين أن نسبة من لا يعرفون الأحزاب السياسية قد ازدادت في الريف 60% عنها في الحضر 48%، الأمر الذي يرجع إلي كون سكان الحضر أكثر انفتاحا علي قنوات نشر الثقافة السياسية، كما تأكد ذلك عند ملاحظة نسبة العارفين مثلا بالنقابات المهنية في كل من الريف والحضر "58% في الحضر مقابل 34% في الريف". أما فيما يتعلق بنسبة من يعرفون أبرز قادة أجهزة الدولة، فقد جاءت نسبة من يعرفون أنه رئيس الجمهورية لتمثل حوالي 51% في الحضر مقابل حوالي 29% في الريف، وبالنسبة لرئيس مجلس الشعب، فقد بلغت نسبة من يعرفونه في الحضر حوالي 29% في مقابل 13% في الريف، وتزداد قتامة الصورة بالنسبة لرئيس مجلس الشوري، حيث بلغت نسبة من يعرفونه في الحضر حوالي 14% فقط، مقابل نسبة لا تزيد عن نحو 5% فقط بالنسبة للريف! كذلك تبين وجود تباين واضح في المعرفة السياسية ما بين الذكور والإناث في مصر، حيث ظهر المستوي الأعلي للثقافة السياسية لدي الذكور، بالنسبة لتعرفهم علي قادة أجهزة الدولة "58% للذكور مقابل 35% للإناث"، كما انخفض مستوي معرفة الأثاث بشكل حاد عند سؤالهم عن أسماء قادة آخرين في جهاز الدولة "9% لرئيس الوزراء 8% لرئيس مجلس الشعب، 2% فقط لرئيس مجلس الشوري"، ويشير ذلك الوضع بطبيعة الحال إلي زيادة احتياج المرأة المصرية إلي مزيد من التشجيع علي ممارسة حقوقها السياسية، وعلي المشاركة السياسية الفعالة. وقد أظهرت الدراسة في موضع آخر، أن المعرفة بالأحزاب المصرية السياسية في مصر تتناسب تناسبا طرديا مع المستوي التعليمي، ولا يعتبر الفرق بين المتعلمين وغيرهم في المعرفة السياسية مجرد فرق في درجة المعرفة، بل إن يظهر فرقا واضحا في درجة أو مستوي المتعلمين وغيرهم لمدي توزيع القوة السياسية بين مؤسسات الدولة المختلفة، إذ تبين أنه علي الرغم من سريان اتجاه عام لدي مختلف المستويات التعليمية نحو تمركز السلطة في رئاسة الجمهورية، إلا أن المتعلمين من المصريين أكثر ميلا إلي الإشارة بوجود مؤسسات أخري غير رئاسة الجمهورية، ويدل ذلك علي إنه التعليم يساعد في خلق قدرا من الثقافة السياسية التي ترتبط بإدراك تباين السلطة السياسية، وعدم تركيزها في شخص واحد، وإن كان هذا الأمر لم يصل بعد إلي أقصي مداه. ويأتي عامل السن، كأحد المتغيرات المهمة المؤثرة علي الثقافة السياسية، وقد اتضح في هذا الخصوص، أن الثقافة السياسية تنخفض باضطراد مع تقدم السن، وتزداد بشكل فجائي عند كبار السن، كما تبين أن أعلي مستوي للثقافة السياسية يتركز في الفئة العمرية "25 إلي 40 سنة"، حيث أشارت نتائج الدراسة إلي زيادة نسبة الذين يعرفون الحزب الوطني مثلا وكذلك أحزاب المعارضة، لتبلغ حوالي 44% في الفئة العمرية المشار إليها، أما نسبة هؤلاء في الفئة العمرية "40 - 55سنة"، فتصل إلي حوالي 38% فقط، ولكنها تزداد بشكل فجائي في الفئة العمرية أكثر من 55 سنة لتصل إلي حوالي 45% ويمكن تفسير زيادة مستوي الثقافة السياسية مع تقدم السن، من خلال البعد التاريخي، حيث عايشت هذه الفئة عملية التعبئة السياسية التي عرفتها حقبة الستينيات، وبالتالي فقد استمرت محتفظة بدافعيتها للتعليم السياسي، علي الرغم من انتهاء تلك العملية من أعلي، ورغم تغير الظروف المحيطة تغيرا كليا.