في وسط هذه ألازمات المشتعلة يحاول الحزب الجمهوري أن ينقذ نفسه من خلال عملية تطهير ذاتي ومواجهة مع النفس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وهي عملية ليست باليسيرة لا سيما في ضوء ما سيتكشف في الأيام القادمة من خلال اعترافات " توني رودي " والتي يمكن أن تفتح أبوابا من جهنم علي توم ديلاي وعلي الجمهوريين بشكل عام من خلفه . والتساؤل الجدير بالبحث عن إجابة له بين يدي هذا المشهد هو من يملك بالفعل سلطة اتخاذ القرار في واشنطن ؟ هل مؤسسة الرئاسة المختطفة من قبل اليمين المسيحي الأصولي المتطرف والمخترق صهيونيا؟ أم مؤسسة التشريع المتهالكة من جراء الفساد الذي استشري فيها ؟ الإجابة سنحيلها إلي قسم مراقبة جماعات الضغط في الكونجرس " مركز النزاهة العامة " ونظرة سريعة علي الأموال التي أنفقتها هذه الجماعات الأعوام الماضية تكشف لنا عمن يتحكم في أمريكا . فالغرفة التجارية الأمريكية قدمت 204 ملايين دولار خلال السنوات الخمس الماضية فيما شركة جنرال الكتريك قدمت 94 مليون دولار وشركة نورثروم جرومان للأسلحة 83 مليون دولار واكسون موبيل للبترول 59 مليون دولار وبوينج للطائرات 57 مليون دولار ولوكهيد مارتن للأسلحة 55 مليون دولار . هذه عينة سريعة لأولئك الذين يوجهون السياسة الأمريكية اليوم ومرة أخري يحق القول هل ستنجح القيود الأساسية التي فرضها الكونجرس الأسبوع الماضي علي جماعات الضغط لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمن في التخفيف من مقدرتها علي الضغط والتوجيه ؟ اشك في ذلك كثيرا في مجتمع الإنسان فيه دالة وتابع للدولار وليس العكس. أمريكا اللاتينية والجمهوريين ومن بين الملفات التي نستعرضها في عجالة جهة موقف الجمهوريين الذي أضعفه بوش وأرهقته فضائح الجمهوريين يأتي الحديث عن الفناء الخلفي لأمريكا أي دول أمريكا اللاتينية والتي اعتبرها مونرو منذ أوائل القرن العشرين عمقا استراتيجيا لبلاده . ففي تقرير أخير لها تشير مجلة الفورين بوليسي " السياسة الخارجية " الأمريكية إلي أن العلاقة بين الولاياتالمتحدة ودول أمريكا اللاتينية قد ترددت إلي أدني مستوي لها منذ نهاية الحرب الباردة فبعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ضعف اهتمام واشنطن بالمنطقة واقتصر التدخل في الأحوال الطارئة وبادلت دول المنطقة ضعف الاهتمام الشمالي بتضاؤل دعمها لسياسات واشنطن فقلة من الحكومات الأمريكية اللاتينية تري ان الولاياتالمتحدة شريك موثوق . بل إن دول أمريكا اللاتينية اليوم أصبحت من خلال علاقة جديدة لها تمثل هاجسا خطيرا لسياسات أمريكا العظمي وتهدد نظرية القطبية المنفردة ؟ ماذا يعني هذا الحديث الإجابة نجدها في القلق الذي يعتري أمريكا من دور الصين القطب القادم في أمريكا اللاتينية وقد غدت هذه مصدرا حيويا للمواد الأولية والمنتجات الغذائية التي تستهلكها الصين وفي السنوات الخمس الأخيرة ارتفع الاستيراد الصيني من أمريكا اللاتنينة 60% في السنة ومن ناحية أخري يري بعض شعوب أمريكا اللاتينية الصين بديلا اقتصاديا وسياسيا عن السيطرة الأمريكية الغاشمة . كما أن رؤية متأنية للخريطة السياسية في القارة اللاتينية اليوم تشير إلي أن القارة تنحو لعودة اليسار ثانية وتمثل العودة هذه إفرازا طبيعيا لسياسات بوش التسلطية ومحاولة فرض منهجية القرن الأمريكي فإذ برموز اليسار في عدة بلدان مثل بيرو وتشيلي والبرازيل تعود ثانية للحكم بل إن ثائرا مثل دانيال اورتيجا في نيكاراجوا يقترب من كرسي الحكم ثانية مما يشير إلي فشل كافة المشروعات الاستخبارية في القارة الجنوبية . أما عن فنزويلا ورئيسها هوجو شافيز فحدث ولا حرج عن دوره في فضح الهيمنة الأمريكية ورفضه لسياسات بوش العرجاء وهو في عدائه المحكم لهذه الإدارة الجمهورية لا يعادي الشعب الأمريكي بل نراه في الشهر الماضي يقترح إمداد فقراء أمريكا بوقود مجاني أو شبه مجاني لمواجهة الشتاء القارس . ماذا يعني ذلك بالنسبة للجمهوريين ؟ يعني أن احتمال خسارتهم لأي انتخابات قادمة من منطلق تأثير هذه البلدان في اللوبي الأسباني الذي يبلغ نحو 30 مليون نسمة في أمريكا ولا سيما من المكسيكيين الذين تخوض أمريكا معهم اليوم حرب هجرة وحدود . والخلاصة أن إدارة بوش البروتستنتية المخترقة صهيونيا قد فشلت في غزو أمريكا اللاتينية الكاثوليكية المتمسكة بفكر لاهوت التحرر في مواجهة المحتل فكرا أو أرضا ومع هذا الفشل يتساءل الجميع هل حان موعد دفع الجمهوريين لفاتورة الخسائر التي ألحقها بهم بوش مشاركة مع جماعات الضغط المرتبطة به بشكل أو بآخر؟ اغلب الظن أن ذلك كذلك وغدا موعد الانتخابات ناظره قريب.