هند الحناوي فتاة نشأت في أسرة مثقفة من البرجواية المصرية الوسطي التي تؤمن بالحرية وبقدرة الإنسان علي تحمل مسئولية تصرفاته بحيث لا يكون في حاجة إلي وصاية عليه. وهذه هي القيم التي انتهي اليها العصر ولا فرق بين الرجل وامرأة فمنطق الحياة والعصر بفترضها بين الجنسين علي سواء. لقد كان طبيعيا ان تتعرف هند علي كثير من أقرانها في الدراسة والعمل والمجتمع "ذكورا وإناثا" وكان لابد ان ينشأ نوع من التقارب والتعاطف فيما بينها وبعض أقرانها من الشباب. ولابد ان تحدث صور من التقارب والمداعبات التي تدخل في باب اللمم بالتعبير الإسلامي والتي ادخل فيها المفسرون القبلة والضمة، والتي تجاوز القرآن عنها ولم يعتبرها من "كبائر الإثم والفواحش" التي يتنزه المؤمنون عنها، وقد يشتد التقارب ويصل إلي الرغبة في إنشاء حياة زوجية تسمح بالمعاشرة الكاملة. وعندئذ يكون علي الطرفين ان يتزوجا ولكن لما كانت التقاليد والعادات قد جعلت من الزواج قضية اجتماعية معقدة لها مقدسات طويلة ومقتضيات صعبة وشروط عسيرة. فقد يري الطرفان ان يختصرا الطريق فيبدآن بالزواج العرفي الذي يضفي الشرعية علي هذه العلاقة. ولما كان الزواج العرفي عقدا فلابد للعقد من اثبات لكي يصمد إزاء العواصف خاصة ان هذه العلاقة ستؤدي إلي انجاب أولاد.. واطمأنت هند علي سلامة علاقتها وفي يدها عقد الزواج العرفي ولكنها اخطأت لما سلمت زوجها هذا العقد ليوثقه عندما بدأت تظهر دلائل الحمل. ولا جدال انها اخطأت ولكن في حمي العاطفة التي تنشأ بين محبين يظن انها ليست كذلك وتؤكد هند إنها سلمت حبيبها وزوجها العقد ولكنه اختفي واختفي معه العقد. ونعتقد ان هند ما كان يمكن ان تستمر في مثل هذه العلاقة دون عقد فهذا ما يتعارض مع شخصيتها وثقافتها فإذا سلمنا بهذا، فلابد ان نسلم بأنها في لحظة لا نعلم وصفها اعطت العقد لأحمد ليوثقه عندما بدأت علامات الحمل، ولا جدال انه خطأ كبير. ولكننا لا نعدم لحظات تغلب عناصر الثقة والحب عناصر الحرص واليقظة وهذا وحده هو ما يفسر اختفاء أحمد واختفاء العقد ايضا. ونري ان هند أخطأت عندما لم تعرف والديها بتصرفاتها وتطلب مشورتهما. انهما بحكم ثقافتهما ما كانا يقرعانها وانما كانا سيوجهانها وهما بمأمن عن أثر العواطف ولكان من المحتمل ان تكون اشد حرصا علي العقد. ان الشوري في المسائل المصيرية ضرورية وهي لا تتنافي مع الاستقلال وحرية الإرادة ولكنا ما كنا ننصح فتاة أخري باستشارة أبويها لان الابوين المصريين النمطيين كان لابد ان يثورا وان يضربانها وان يحبسانها وربما يقتلانها. لقد نشأ عن هذا الموقف حالة جديدة فأحمد الفيشاوي لا ينكر هذه العلاقة ولكنه يدعي انها لم تكن علاقة زواج وانما علاقة حب عابر ولن نناقش هنا هذه النقطة وصدق طرف من الطرفين لان النتيجة الفعلية هي ولادة طفلة لا يريد ان يعترف انها طفلته. إن شجاعة هند الحناوي هي انها رفضت الاجهاض الذي كان يمكن ان ينهي القصة لتذوب في عداد عشرات الالوف من مثل هذه الحالة التي تدخل في إطار "الكتمان الاجتماعي" الذين يرون انه أفضل مما تصوره المجتمع فضيحة كبري. لقد رفضت هند هذا الحل، وعندما ولدت الطفلة احتفت بها أمها، وأبوا الأم علي غير العادة بدأت بميلادها المعركة: هذه طفلة من حقها ان تعرف أباها ومن حقها علي المجتمع ان تعطي اسمه. ان هند الحناوي أرادت ان تجعل من حالتها الخاصة قضية اجتماعية يشقي بها عشرات الالوف من الأبناء مجهولي النسب وأرادت انقاذهم من حكم مجتمع منافق يزدوج المعايير ويقضي بالظلم ويبريء الآباء من جريرة عملهم. عندما قال المشرع "الولد للفراش وللعاهر الحجر" فانه كان يهدف لحماية الزوجة التي ينكر زوجها ابنه منها لشيء في نفسه كان المشرع هنا يجبره علي الاعتراف بأبوته في الشق الايجابي والواضح "الولد للفراش" وان العاهر هنا هو من يدعي علي زوجته زورا وأنه سيبوء بالفشل والخيبة. كما يمكن ايضا القول ان الزواج العرفي يعد فراشا شرعيا لانه قام علي الاصل الأول لتحقيق الشرعية في الزواج وهو الانجاب والقبول أو التراضي. وعلي كل حال فان قواعد الحقيقة تفرض علي من كان سببا في هذا الانجاب ان يعترف به وكان علي المحكمة ان تفرض عليه الخضوع للاختبار الطبي الذي يثبت انتماء الطفلة فإذا رفض عمل ذلك كان دليلا علي رفض التوصل إلي الحقيقة وللمحكمة ان تحكم بنسبتها اليه، وأما إدعاء المحكمة بان الاختبار الطبي ليس من الأدلة الشرعية فهذا لا يعني إلا "يحيا الجهل - ويسقط العلم، يحيا الباطل - ويسقط الحق". يجب علي كل واحد ان يتحمل مسئولية عمله، لا يجوز لفرد ان يفر منها فما بالك إذا كانت المحكمة تشجعه علي ذلك. وتحميه من تحمل مسئوليته ان الحقيقة شيء.. وما يضعه الفقهاء للشرعية شيء آخر ولا يمكن لهؤلاء الفقهاء ان ينكروا الحقيقة إلا إذا انكروا الشمس الساطعة في كبد السماء. وموقف المحكمة هو في الحقيقة تعبير عن عجز المجتمع المصري عن حل القضايا التي يوجدها العصر الحديث لانه يريد حلها بوسائل وضعها الفقهاء من ألف عام. ويرفض كل ما يقدمه العصر الحديث من وسائل للتوصل إلي الحلول. ***** مني حلمي تعرض صورة أخري للشجاعة النسائية لقد أرادت ان تقدم لأمها - دكتورة نوال السعداوي - شيئا في عيد الأم. وهدتها قريحتها إلي شيء لم يخطر ببال الذين يقدمون الهدايا أو الورود.. ذلك ان تضيف إلي اسمها اسم أمها جنب اسم ابيها انها هدية عبقرية.. ذات طابع عام. بالطبع رأي الجامدون في ذلك بدعة.. ولكن البدعة يمكن ان تكون بدعة حسنة كما قال عمر بن الخطاب نفسه عندما نظم صفوف صلاة التراويح وعندما سألوني قلت هذا ادني للعدالة والحقيقة فكل واحد منا هو ثمرة أب وأم وليس ثمرة أب فحسب من العدل ان يحمل اسم اللذين اشتركا في انجابه. ميزة أخري لهذا هي انه يضيق من إطار تشابه الأسماء. نحن نرحب بكل ما يحقق العدالة وكل ما يدل علي الحقيقة قدر ما نرفض النفاق والجهل اللذين يقوم عليهما الكثير من أوضاع مجتمعنا.