في منتصف الشهر الجاري دعا عبدالعزيز الحكيم رئيس "المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق"، من وصفها ب"القيادة الحكيمة" في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلي فتح حوار واضح مع أمريكا بهدف التفاهم معها علي النقاط المختَلف عليها حول العراق. وسرعان ما أعلن الطرفان، طهران وواشنطن، موافقتهما علي الحوار المنشود من خلال أعلي سلطة في كل منهما. مع ذلك فإن "دعوة" الحكيم لا يجب أن تخفي عنا حقيقة الأمر، وهو كونها تمثل المشهد الأخير في سيناريو معد له سلفاً بين الولاياتالمتحدةوإيران، وهو ما كشفه "شون ماكورميك"، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشئون العامة، يوم 22 من الشهر الجاري، عندما لفت إلي أن السفير خليل زاد كان قد حصل علي تخويل بفتح قناة اتصال مع طهران عبر نظيره الإيراني في بغداد منذ أكتوبر الماضي، أي قبل "دعوة" الحكيم بنحو ستة أشهر. لا يمكن للمرء أن يشهد تخبطاً في سياسة الدولة الأعظم، كما يشاهد الآن في السياسة الأمريكية تجاه إيران، ففي هذا الشهر نفسه الذي بارك فيه الرئيس الأمريكي فكرة الحوار مع طهران، صدرت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" التي عرَّفت إيران بأنها الدولة التي تمثل الخطر الأكبر علي الولاياتالمتحدة في المرحلة الراهنة، وهو ما يرسخ وضعها أمريكياً في "معسكر الشر". وفي 20 من الشهر الجاري أيضا، صرح الرئيس جورج بوش بأن بلاده سوف تستخدم القوة ضد إيران إذا لزم الأمر لحماية إسرائيل، ثم عاد في اليوم التالي مباشرة (21 مارس) فأكد جدوي الحوار مع طهران. وليس هذا بطبيعة الحال من قبيل استعداء الإدارة الأمريكية علي إيران، فقد بلغت السياسة الخارجية الأمريكية من العشوائية مبلغاً يجعل توقعاتنا من أي تحرك لها شراً مستطيراً، ولكنه من باب التذكير لبعض العرب الذين يثقون في السياسة الأمريكية ويركنون إليها؛ بأن عليهم أن يتوقعوا من هذه السياسة أن تقدم مستقبلاً علي فعل أي شيء تراه في مصلحتها، بما في ذلك التضحية بهم! وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد قبلت اليوم التفاوض مع "معسكر الشر" الذي يفترض أنها أتت إلي العراق لتقويضه، فما الذي يمنعها مستقبلاً من أن تتحاور حول مستقبل العراق مع صدام حسين مثلاً، والذي أتت إلي العراق لإسقاطه؟ أثارت "دعوة" الحكيم ما كان يجب أن تثيره من استياء في أوساط عراقية، علي رأسها "هيئة علماء المسلمين" التي اعتبرت بحق أن التدخل الإيراني قائم ومستمر، لكن الحوار المنشود يضفي عليه الشرعية، كذلك اعترضت "جبهة التوافق العراقية" علي ذلك الحوار، معتبرة أن أي نتائج تترتب عنه لا يمكن أن تلزم إلا من شاركوا فيه، أما "حركة الوفاق الوطني" بزعامة إياد علاوي فتحفظت علي "النطاق الثنائي للحوار" ودعت إلي توسيعه، ويعني هذا أن الحوار المنشود سيكون مساهمة في مزيد من تردي الأوضاع في العراق إذ لن يكون إلا حواراً بين قوي الاحتلال العالمية وقوي الهيمنة الإقليمية بعيداً عن إجماع الشعب العراقي. ولن يستطيع العراق مواجهة تحرك كهذا إلا ببروز دور القوي الوطنية الحقة التي يكون بمقدورها تجاوز الخطوط الطائفية والعرقية، من أجل وقفة حقيقية تحول دون تمزيق الجسد العراقي. أما العرب فإنهم يواجهون مأزقاً بالغ الحرج، فقد كانت لهم مبادرتهم التي انتهت إلي التخطيط لمؤتمر الوفاق الوطني، والذي جري تأجيل موعده شيئاً فشيئاً بما يساعد علي تدخل كافة الأطراف غير العربية في تحديد مستقبل العراق، بعيداً عن إجماع شعبه ومصلحة محيطه العربي. فهل تنبهت قمة الخرطوم لهذه المسألة بالغة الخطر، لتتبني موقفاً صارماً إزاءها، خاصة أن الركون إلي السياسة الأمريكية في السابق لم يفضِ، كما رأينا، إلا إلي مزيد من التردي والتدهور؟ أم أن الرتابة سوف تغلب علي أداء القمة فتكتفي بالإعراب عن تمنياتها الطيبة بنجاح العملية السياسية في العراق بينما يخطط الآخرون لتمزيقه وابتلاعه؟