شد انتباهي أن كثيراً جداً من البضائع الأجنبية المستوردة إلي بلادنا، يصنعها أجانب يتحدثون لغات أجنبية نجهلها. وضمن ذلك انتبهت إلي أن الكثير من أنواع الحمص والخبز الذي يأتينا، إنما يصنعه العرب الذين تنتمي إليهم تلك المجموعة الإرهابية التي نفذت هجمات الحادي عشر من سبتمبر! كما انتبهت أيضاً إلي الهيمنة الصينية المطلقة علي كافة الألعاب والدمي والمنتجات التي نستخدمها في تسلية أطفالنا. ولكل هذه الأسباب فلعله حان الوقت لصياغة مسودة قانون "انقذوا أطفالنا" ضمن تشريعات الأمن القومي، شريطة أن يتخذ طابعاً عرقياً، يهدف ضمن ما يهدف، إلي منع المسلمين من شراء شركات إدارة الموانئ الأمريكية، وإلي منع الصينيين من شراء شركات النفط والشركات القومية المصنعة لألعاب الأطفال... إلخ. ولكي نوجز القول، فإن المطلوب لحماية أمننا القومي ونمط حياتنا الأمريكي، هو تنظيم حملة واسعة النطاق قوامها كره الأجانب ومعاداتهم، وهدفها إبراز وجهنا القومي الذي يؤكد للأجانب أننا لم نعد رهناً لأساليبهم الماكرة الخبيثة! وإن كنت ممن يجزعون لموعد انطلاق حملة كهذه، فلتكف عن الجزع طالما أن حمي الهستيريا القومية الانعزالية العامة قد اشتعلت سلفاً! أقصد بهذا، موجة الانفعال والهوس العام التي أطلقتها فينا صفقة الموانئ المبرمة مع دبي مؤخراً، مع العلم بأنها موجة لم نشهد لها مثيلاً علي امتداد عقود عدة! وكان أول من أطلق هذه الموجة، مايكل سافيدج الإذاعي المعروف بترويجه للكراهية ضد الآخرين، ثم سرعان ما احتضنها الرجعيون يميناً ويساراً، ثم استغلها المتواطئون مع شركة "ستيت إمباير" كي ينهض إلي دعمها وتعزيز موقفها، تحالف حزبي ثنائي، هو أعجز ما يكون عن الوقوف أمام "تسونامي"، جامح لا يحركه دافع سوي كره الأجانب والتوجس منهم. ولكي نكون مباشرين وواضحين غاية الوضوح، فلنقل إن هذه المعارضة لصفقة استحواذ "موانئ دبي العالمية" إنما هي محض زيف وهراء. وما يدعوني إلي قول هذا، هو إدراكي التام لحقيقة أنه لن يكون لهذه الصفقة تأثير يذكر علي أمننا القومي. فبصرف النظر عمن يتولي تشغيل الموانئ، فالمسئولية الكاملة عن أمنها ستظل بيد قوات خفر السواحل وحدها. كما تظل مسئولية أمن الحاويات ومحتوياتها، من نصيب قوات الجمارك دون منازع. وفي الوقت ذاته ستستمر قوات شرطة الموانئ والدوريات وكافة الهيئات المسئولة عن تسيير الموانئ والمحافظة علي أمنها، تؤدي عملها ومهامها، بصرف النظر عمن يملك هذه الموانئ. ويكاد جميع الخبراء العارفين بأمن الموانئ، يؤكدون أن ملكية الموانئ هذه، يجب أن تكون آخر ما يثير قلقنا أو مخاوفنا الأمنية. "إن هذا النوع من ردة الفعل المهووسة التي نراها الآن، ليس منطقيا ولا يوجد ما يبرره علي الإطلاق"، ذلك هو بعض ما قاله فيليب داماس _مدير قسم الأبحاث لدي مجموعة "درواري" لاستشارات السفن والموانئ- في تصريح أدلي به لصحيفة "نيويورك تايمز". ومضي داماس إلي القول "إن مقر إدارة شركة ما، في عصر العولمة الذي نعيش فيه الآن، لم تعد ثمة أهمية له البتة، كما أنه ليس متوقعاً لهذه الصفقة أن تحدث أي تغيير علي بيئة العمل والنشاط". وإذا ما كان لشركة دبي القابضة أن تتولي مسئولية تشغيل الموانئ، فإنه ليس هناك ما يهدد وظائف عمال الموانئ الأمريكيين لكونهم سيحافظون علي وظائفهم كما هي، علاوة علي استمرار وجود اتحاداتهم المهنية التي تدافع عن حقوقهم وتنظمها. وبالقدر ذاته، يتوقع بقاء الجزء الغالب من الطاقم الإداري، إن لم يكن كله علي الأرجح. وفوق هذا كله، فلابد من الاعتراف بأن هذه الصفقة ليست الأولي من نوعها ولا الأخيرة في عالم السفن والموانئ. وعلي حد التقرير الإخباري الذي بثه ديك مايور عبر شبكة CBS التليفزيونية، فإن شركة "موانئ دبي العالمية" تتولي سلفاً تشغيل عدد من المرافق البحرية في كل من أستراليا والصين وكوريا وألمانيا. ليس ذلك فحسب، بل تتطلع الشركة ذاتها لامتلاك أو إدارة مرافق بحرية في نحو 18 دولة من مختلف أنحاء العالم، لم تصب أي منها بحمي الهوس الانعزالي الذي أصبنا به نحن هنا! وحتي بمعايير أمننا القومي نفسه، فإنه يجدر القول إن نسبة 80 في المائة من موانئ لوس أنجلوس تديرها شركات أجنبية، بما فيها واحدة مملوكة لسنغافورة، دون أن يؤدي ذلك لانهيار أمننا القومي.