اختفاء الآثار من المتاحف مأساة كيف نحاسب وزيرا يفتقد لأدوات تأمين الآثار ؟ تركيا لا تنقب عن الآثار في مصر .. أدعو للفصل بين الآثار والسياسة الأجانب لا يزالون الأفضل في التنقيب والترميم أؤيد معارض الآثار المصرية في الخارج .. بشرط التأمين "سمن على عسل" و"مايته ايه؟" أبرز مصطلحات الفراعنة التي توارثناها هي أول سيدة مصرية تدرس الآثار المصرية، وتحصل على الدكتوراه فيها، الدكتورة فايزة هيكل نقيب الأثريين المؤقت. شاركت في مشروع إنقاذ آثار النوبة، ورأست مشروع إنقاذ آثار شمال سيناء أثناء حفر قناة السلام، كانت تُدرس الهيروغليفية باللغة العربية، وتشغل منصب أستاذ اللغة والحضارة المصرية القديمة بالجامعة الأمريكية، وهي أيضاً عضو فخري في عدد من الجمعيات الأثرية العلمية في العالم. "محيط" التقى الدكتورة فايزة هيكل للتعرف على رأيها بشأن هموم وأزمات الآثار، وأبدت هيكل في الحوار تعاطفاً كبيراً مع وزير الآثار د.محمد إبراهيم قائلة أننا لا يمكننا لومه في كل شئون الآثار، خاصة أنه ينقصه الكثير من أدوات العمل. وحمّلت هيكل الأمن مسئولية سرقات الآثار، فضلاً عن عدم وعي وتقديرالمصريين لتراثهم، وأكدت أن معارض الآثار المصرية في الخارج ضرورة إذا كانت الآثار بها مؤمنة، كما أنها وسيلة للاطمئنان على الآثار لأنها في مصر تُسرق!. وروت لنا الكثير عن علاقتنا بأجدادنا الفراعنة وكيف أن الكثير من عباراتنا الآن تعود إلى قدماء المصريين..الأمر الذي دعاها إلى المطالبة بتعليم مبادئ اللغة المصرية القديمة في المدارس..إلى نص الحوار. ما تعليقك على أزمة اختفاء قطع أثرية من متحف الفن الإسلامي؟ اختفاء القطع من المتاحف أمر جائز الحدوث لكنها مأساة بالطبع، لكن هناك قطع سبق القول باختفائها ولم يحدث، وبالتحديد في المتحف الإسلامي، وقد سمعت كما سمع الكثيرون تأكيد الوزير أنها ليست نفس القطع المعروضة في قطر، فمن المنطق الا يسرق احد قطعة ثم يعرضها في متحف، ما يسرق لا يعرض في السوق إلا بعد فترة حتى ينسى الجميع سرقته، ومع ذلك لا أستطيع التأكيد بذلك لأنه ليس تخصصي. وقد سبق اختفاء قطع خارج مصر وعادت من جديد، فهناك اتفاقيات دولية تقضي بإرجاع القطع الأثرية بشرط أن تكون مسجلة إما في كتالوج المتحف، أو مصورة في مكانها بالمتحف. هل تعاني مصر من أزمة تسجيل الآثار؟ مصر تعاني من أزمة لا مثيل لها في هذا الجانب، فالآثار تسرق سواء كانت مسجلة أم لا، وبالطبع إذا لم تكن مسجلة فهو إهمال، ولكن أيضاً الآثار المصرية تسرق من الأرض مباشرة عبر الحفائر غير المشروعة. المشكلة ليست في السرقة وحدها إنما في تخريب المنطقة الأثرية لكي لا تصلح للدراسة بعد ذلك. هل الوزارة مقصرة في عدم تشديد الحراسة؟ المشكلة أن الأراضي الأثرية التي تسرق قد تكون أراضي صحراوية، وحتى إذا كانت منطقة أهالي فهم لا يستطيعون التصدي للمسلحين الذين يسطون على الأراضي الأثرية، ومن ثم يجب أن يوضع تحت تصرف الوزارة قوة مسلحة بصفة مستمرة. لأن بدونها الأراضي لا يمكن حمايتها، فقد حمى الأهالي المتحف المصري في 25 يناير وحدث هذا في الأقصر، لكن ليس كل مكان مؤهل للحماية، وأيضاً لافتقاد الوعي بالآثار وأهميتها لمصر التي بدونها لا يوجد تمييز لها عن سائر البلدان. ومن ثم الوزارة لا تستطيع وحدها حماية الآثار لأن المناطق مترامية الأطراف ومنها ما هو وسط الصحراء. لماذا دعوت للفصل بين السياسة والآثار؟ لأن شعوب العالم وبلدانها يعتنون بالآثار، السياسة شأن الحكومات، أما الشعوب فهي تنتمي للحضارة، ومن ثم لا يمكنني معاداة الشعوب لأن حكوماتها ليست على اتفاق معنا، والظروف السياسية في تغير دائم. وبخصوص الأنباء التي تناقلت حول إلغاء مصر بعثات التنقيب مع تركيا، هذا ليس صحيح لأن تركيا لا تملك بعثات تنقيب في مصر، قد تكون بعثات ترميم أو غيره، وإلغاءها أمر جائز لأن تركيا أهانت مصر، لكن باقي الدول لم تفعل، وهناك دائماً استنثاءات في كل قاعدة. وأذكر أيام بناء السد العالي لم يكن لدينا سفراء في العالم كله، فمصر كانت في مقاطعة لكثير من الدول، ومع ذلك هذه الدول شاركت في حماية آثار النوبة، فبناء السد موضوع سياسي، لكن آثار النوبة حضارة إنسانية تهم العالم ولا يمكن معاملتها كالسياسة. متى ينهض المصريون في التنقيب والترميم الآثري ؟ أتمنى بالطبع أن يكون الوضع هكذا، لكن هذا الآن لن يحدث فرغم ارتفاع مستوى المرممين المصريين عن ذي قبل، إلا أن هذا لا يغني عن التعاون مع الأجانب لأن المصريين لم يسبقوا الأجانب بعد، ولسبب آخر هو أن يساعدوننا في تمويل العمل، ولا يمكننا تنفيذ شئ دون تمويل. ما أبرز المشكلات التي تثيرها البعثات الأجنبية؟ أرى أن البعثات بصفة عامة تلتزم بالقانون، قد يحدث خطأ في مكان ما، لكن بصفة عامة هم يهتمون بالاثار التي يستخرجونها، ويحترمون القوانين حتى لا يمنعوا من التنقيب ثانية ولديهم قدر من الثقافة تؤهلهم لاحترام ثقافة الغير. على العكس منا فطريقة تعاملنا مع الآثار لا تنم عن أية ثقافة. أنتِ مع أو ضد سفر الآثار المصرية لعرضها في الخارج، وما رأيك في الدعاوى القضائية التي دعت لاسترداد آثارنا المعروضة في الخارج؟ أنا مع عرض آثارنا في الخارج إذا كانت مؤمنة، عودة المعارض خطأ لأننا على الأقل وهي في الخارج حالياً نعرف مكانها، ونصونها من السرقة، فعرض الآثار المصرية بالخارج هي وسيلة للجذب السياحي، ووسيلة أيضاً للإطمئنان على الآثار. كيف ترين تعامل الوزارة مع سرقة متحف ملوي بالمنيا؟ كل ما يحدث بسبب عدم وجود شرطة قوية تحمي الآثار، فالوزير ليس بيده حماية الآثار ولا يمكننا لومه على هذا، الأمر يرجع لتأمين المتحف، الوزارة تستطيع توفير إشارات توضح من يقترب من المتحف، وتستطيع التأكد من أن الأبواب سليمة، والإنذار يعمل، لكن التأمين الخارجي للمتحف خاص بالداخلية أو الجيش، المسئول أو الوزير عليه أن يطلب تأمين المكان، إذا لم تستجيب الجهات المسئولة فالأمر ليس بيده، وليس ذنبه، بل نستطيع لومه فقط إذا لم يطلب. بصفتك نقيبة للأثريين.. ما رأيك في نقابة الآثار المستقلة الموازية للنقابة الأساسية؟ لا يوجد اتصال بيننا، لكن من حقهم تشكيل نقابة، فهناك نقابات عمالية وأخرى مهنية، وإذا كانت النقابة الموازية ستضيف شيئاً جديداً فمرحباً بها، خاصة أن النقابة الأساسية لا تزال تحت الإنشاء لأنها مهنية ولابد من انتظار وجود مجلس شعب للتصديق على إشهارها، الورق جاهز وننتظر فقط موافقة المجلس. كيف تقيمين فترة د.محمد إبراهيم لإدارة وزارة الآثار؟ لا أستطيع الحكم عليه وهو لا يملك أدوات العمل وأبرزها الأمن، وكل مسئول له سلبياته وإيجابياته، والفترة الحالية صعبة على أي وزير في أي وزارة. وأنا أعرف الوزير وهو يحاول النهوض بالوزارة لكن تنقصه الأدوات .، هناك غياب للسياحة مما يؤثر على موارد الوزارة. لماذا تنادين بإلغاء وزارة الآثار على عكس الكثير من الأثريين؟ لأن الوزير مشغول بأمور ليست دائما إيجابية، لديه أمور كثيرة تعطله كالاجتماعات وغيرها، وهي أمور ليست مهمة بالنسبة للآثار، فليس من الضروري للحقل الأثري وجود وزير، يكفي الآثار أن تتولاها هيئة تحت رئاسة رئيس الجمهورية، تهتم فقط بشئون الآثار دون الانشغال بالشئون السياسية، سيفيد هذا الآثار بشكل أكبر. لماذا دعوت للاهتمام باللغة المصرية القديمة ومعرفة المصريين بمبادئها؟ لأنها واللغة العربية لغات سامية، المصريون لا يعرفون أن اللغة المصرية القديمة سامية، فهناك اتصال حضاري بيننا وبين القدماء المصريين، فكثير من تعبيراتنا مأخوذة من البيئة المحيطة بنا المشتركة مع القدماء المصريين، كما أن هناك اصطلاحات وتركيبات نحوية عربية تعود لللغة القديمة، مثل "قام قال" أي استعمال أفعال والأفعال المساعدة، مثل "مكث يفعل" كل هذا موجود في اللغة المصرية القديمة. أيضاً كل الأمثال التي نستعملها ومتصلة بالمياه تعود للقدماء المصريين، مثلاً: "مايته ايه؟" وهو سؤال عن القصد مثلاً، باعتبارنا نعيش على ضفاف النيل، وهو مثل لا يقال إلا في مصر، فمثلا ًدول الخليج لا يمكن أن تنتشر بها هذه الأمثال فلا مياه لديهم، من ضمن الاصطلاحات أيضاً "مياه عميقة ما تعرفش آخرها" وهو دلالة على الشخص الغامض. كذلك عبارة "سمن على عسل" كان يقولها قدماء المصريين وتوارثناها بعد ذلك، وغيرها من الكلمات. ورغم الارتباط الوثيق بين اللغة المصرية القديمة واللغة العربية، إلا أن الغرب لديهم معرفة أكبر باللغة المصرية القديمةأكثر مما نعرف نحن، فهناك متخصصون في اللغة المصرية القديمة بالخارج، كما أن لديهم معرفة باللغات السامية الأخرى، فهم يقارنون المصرية القديمة بالعربية القديمة والمسمارية والعبرية القديمة، ويؤسفني أن أقول أن لديهم جدية في الدراسة وثقافة عامة أكثر مما لدينا مما يؤهلهم لدراسة اللغة القديمة. لذلك أطالب بإعطاء معلومات عامة ومبادئ اللغة المصرية القديمة في المدارس، حتى يعرف المصري أن حضارته وأخلاقه وعاداته متصلة بالحضارة القديمة، وحين يشب على هذا سيهتم بالتراث ويفهم هويته، فالمصري خليط من كل الحضارات التي مرت على وادي النيل. ما أبرز السلوكيات المتصلة بأجدادنا الفراعنة ولا تزال فينا إلى الآن؟ الكرم مثلاً عادة متوارثة من المصري القديم، كذلك حبنا لللغة والكلام الكثير، وتصديقنا لمن يتحدث بأسلوب منمق حتى وإن كان كلامه فارغ لكنه يضغه في صياغة جميلة، فالقدماء المصريين كانوا كذلك، وهناك سلوكيات أخرى سيئة ما أكثرها توارثناها لكنني أربأ عن ذكرها حتى يظل الفراعنة في أبهى صورة!. ما هي هموم الآثار التي تشغلك الآن؟ كل الآثار هموم الآن، أتساءل كيف يمكننا إبطال سرقة الآثار والحفاظ على الموجود، لأن السرقة ليست الآفة الوحيدة، لكن هناك قصور هدمت تعود للقرن الماضي، أيضاً هناك منازل تهدم في المحافظات تصيب الأثريين بالحسرة. المصريون لا يزالون يجهلون أن قيمة مصر في تراثها، السرقة زادت بعد 25 يناير، قبلها كان هناك سرقة لكنها تضاعفت بعد ثورة يناير بسبب غياب الأمن.