شيع الآلاف من السودانيين اليوم جثمان المفكر الإسلامي الدكتور حسن الترابي الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الإسلامي بالسودان الذي غيبه الموت عن عالمنا أمس بعد تعرضه لوعكة صحية مفاجئة وغيبوبة صباح أمس السبت نقل على إثرها لمستشفى رويال كير بالعاصمة الخرطوم حتى وافته المنية بها عن عمر ناهز 84 عاما. ميلاده وتعليم ولد حسن الترابي في أول فبراير لعام 1932 بكسلا بالشمال الشرقي السوداني بالقرب من الحدود الإريترية، توفيت أمه في سن صغير وعاش والده متنقلا بين أقاليم السودان فانتقل إلى أقصى الغرب ثم إلى أقصى جنوب الشرق، ثم إلى الشمال، فكان يعمل قاضيا شرعيا وشيخا لطائفة صوفية. درسه والده علوم اللغة والقرآن والشريعة والفقه والتحق الترابي بالدراسة في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم وتخرج فيها عام 1955 لكنه عمل فيما بعد أستاذا بها وعين عميدا لها، واستمرت رحلته العلمية فحصل على الماجستير من جامعة أكسفورد البريطانية عام 1957، وحصل على الدكتوراة الدولة من جامعة السوربون، بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1964 وكانت رسالته العلمية بعنوان الأحكام العرفية دراسة مقارنة بين القانون الإنجلوسكسوني والقانون الفرنسي. عقب عودته تولى عمادة كلية الحقوق بعد خلو المقعد من آخر بريطاني لكنه لم يدم في العمل الأكاديمي طويل واتجه للمعترك السياسي بعدانتفاضة أكتوبر الشعبية لعام 1964 ضد الانقلاب العسكري الذي وقع في نوفمبر 1958م، فكانت الثورة مدخلا له للحياة العامة وشغل منصب الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامية والتي كانت تمثل فكر جماعة الإخوان المسلمين بعد انضمامه له آنذاك لكنه انفصل عنها فيما بعد. اعتقل الترابي وأعضاء جببهة الميثاق الإسلامية عام 1969 حينما وقع انقلاب جعفر نميري، لكنه أطلق سراحه بعد سبع سنوات بعد عقد مصالحة بين الحركة الإسلامية السودانية ونميري عام 1977، وبعد خروجه شغل منصب وزير العدل فقد تم تعيينه عام 1979 بعد أن تولى رئاسة الجنة المكلفة بمراجعة القوانين من أجل أسلمتها. معارك سياسية أسس عام 1986 الجبهة الإسلامية القومية وترشح للبرلمان فلم يفز، وفي عام 1988 عين وزيراً للخارجية السودانية ونائبا لرئيس الوزراء في حكومة الصادق المهدي، لكنه تحالف مع الجنرال عمر البشير لعام 1989 للإطاحة بنظام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة ورئيس الدولة وقتها، واختير بعدها بثمان سنوات رئيساً للبرلمان وظل في هذا المنصب حتى عام 1998 ليكون الأمين العام للمؤتمر الوطني الحاكم. نشب خلاف بينه وبين الرئيس السوداني عمر البشير، تطور حتى وقع انشقاق في كيان النظام 1999، بعد حل البشير البرلمان فخلع الترابي من مناصبه الرسمية والحزبية، وأسس عام 2001 حزب المؤتمر الشعبي وأصبح أشهر معارض للحكومة. وتعرض للاعتقال للمرة الثانية خلال عام 2002 بعد توقيعه على مذكرة تفاهم مع حركة جون قرنق الانفصالية في جنيف، والتي أقر فيهاعشر نقاط من بينها: منح الجنوب حق تقرير المصير وتصعيد وسائل المقاومة الشعبية السلمية، وطالبت بإلغاء القوانين المقيدة للحريات ورفع حالة الطوارئ، ثم اعتقل مرة أخرى في مارس 2004 بتهمة تنسيق حزبه لمحاولة قلب السلطة. ومن أبرز مؤلفاته قضايا الوحدة والحرية وتجديد أصول الفقه وتجديد الفكر الإسلامي والأشكال الناظمة لدولة إسلامية معاصرة والصلاة عماد الدين والحركة الإسلامية التطور والنهج والكسب. واستمر الترابي في ممارسة دوره السياسي ففي نهاية العام الماضي أجرى جولات والتقى بعدة قيادات إسلامية في الوطن العربي أبرزهم الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة والشيخ عبد الفتاح مورو أحد مؤسسي الحركة في تونس، والشيخ يوسف القرضاوي في الدوحة، وقبلهم الداعية السعودي الدكتور طارق السويدان. تشييعه ونعيه وعقب وفاته نعاه العالم العربي وعدد من المفكرين السياسيين، فقال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية في تغريدة له "رحم الله الدكتور حسن الترابي الزعيم السياسي الإسلامي رحمة واسعة الذى كان يمتلك شجاعة التعبير عن آرائه وخالص عزائي لعائلته ولشعب السودان"، وكذلك نعته الرئاسة السودانية والتي وصفته بأنه "كان فقيهاً مجدداً غير نمطي سياسياً بارعاً قانونياً ماهراً عاش حياةً ثره هيئ الله له من الظروف أن عاصر التاريخ الحديث فكان فاعلاً إيجابياً" ونعاه الشيخ يوسف القرضاوي والناشطة اليمنية توكل كرمان. وفي جنازة شارك بها مسئولين حكوميين حاليين وسابقين وآلاف المواطنين شيع جثمان المفكر الإسلامي إلى مثواه الأخير وسط إجراءات أمنية مشددة.