صاحب "يسقط سيبويه" لا يستطيع إقامة جملة سليمة! التدليس طال الصحابة والبخاري .. والتفكه وصل لآيات القرآن الأزهر والثقافة اكتفيا ب"رد الفعل" على دعاوى جاهلة الاستعمار أسهم بفقدان الأمة لتعدديتها الدعوة لنزع الحجاب مكارثية تنم عن عقول خاوية ظاهرة كلامية تستغل منابرها الإعلامية التي لا تسمح بالتأني ولا بالرد أو الاستدراك، ولا توجد فيها أدنى محاسبة أو مراجعة، وغرضها الرئيسي إسقاط هيبة الدين باستعادة الشبهات القديمة وتأكيدها بلغة لا تخلو من البذاءات في حق العلماء . ويتساءل د. أيمن عيسى، مدرس البلاغة والنقد الأدبي بكلية دار العلوم : ما قيمة الاستهزاء بالآيات القرآنية والتفكه بها في أثناء مهاجمة خصوم سياسيين، وما فائدة التقليل من عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه –مثلا- واستعمال خطاب متهافت في دحض عدالته بلا مستند أو مسوغ؟!.. أين المشروعات الفكرية التي يتبناها هؤلاء؟! . ويبدي الباحث تعجبه من حالة يصفها ب"المكارثية" المتعصبة التي تعيد طباعة كتب لغرض سياسي، ثم تلاعبوا فيها بغير وجه حق مستغلين موت أصحابها وغفلة القراء عنها؛ مثل كتاب (تمويل وتطبيع- قصة الجمعيات غير الحكومية) لأنه ذكر في طبعته الأولى أسماء بعض الشخصيات الضالعة في المشهد السياسي الآن. هذا فضلا عن حرق الكتب بلا وعي في المدارس،وتكهين بعضها الآخر في المكتبات، والهجوم على باعة الكتب لمصادرة كتابات ابن تيمية وغيره، وأخيرا نزع الحجاب! واعتبر الكاتب في تصريحات خاصة ل"محيط" أن رفض الهجمة الحالية على التراث الديني لا ينبغي أن يرمى صاحبه بالتعصب وأنه أمر طبيعي وسببه منطقي علمي لأن القائمين عليه والذين تفرد المنابر الإعلامية لهم، يقومون ب"نقض" وليس "نقد" التراث، من غير امتلاك أية أدوات أو التخصص بأي شيء يمت للتراث بصلة. ونحن حين نصمت على تلك المحاولات فكأنما نرتضي تدخل المهندس بجراحة العيون! وأضاف أنه حتى المتخصصين من بين هؤلاء السائدين على ساحة تشريح التراث نجدهم قد حصلوا على شهادات مشبوهة من الغرب على غرار سيد القمني . وهؤلاء لا يأتون بجديد ألبتة فأكثر ما يرددونه هو أشياء قديمة أو مقولات لمستشرقين معروفين يجترونها على علاتها، ولا مانع من خلط شيء من الحق فيها. حملة مشبوهة يعتبر الكاتب أن السمة الرئيسة العجيبة التي تجمع هؤلاء–وهي الكاشفة عن حقيقة أغراضهم- أنهم يحرصون حرصا شديدا على تحقير الشعائر، وسب الصحابة، وقذف العلماء الذين هم قدوة الناس مع الإصرار على هذا؛ ما يعني أن غرضهم الحقيقي ليس عرض هذه الشبهات القديمة وإحياءها بين الناس، وإنما الغرض الواضح هو إسقاط هيبة الدين، وعلمائه، وأعلامه من القلوب باسم حرية الفكر؛ وإلا فما معنى أن يحرص طالب الحق والمجدد الرصين على السب والقذف والتحقير في مناقشاته؟ وبم يفيد هذا في الكشف عن وجه الحق وإقناع الناس به إن كان ثمة حق أو تنوير كما يقال؟ ويضيف د. أيمن عيسى : بعض من يدعون نقد التراث كان ضليعا في قضايا فساد كبيرة جدا أرهقت البلاد في عهد النظام البائد واستنزفت اقتصادها، وبعضهم فر من إحدى البلاد هاربا من سداد أموال طائلة مستحقة عليه، وبعضهم يتقاضى في مهنته الملايين ويساوي راتبه أربعة أضعاف راتب رئيس أكبر دولة في العالم رغم الحالة الاقتصادية المزرية والفقر المدقع الذي تمر به البلاد!!. من جانب آخر، يؤكد د. أيمن أنه من الإجحاف أن يُقرن أحد مدعي نقد التراث بأي من أهل التنوير في القرن الماضي؛ فهم لا يقدمون معارف علمية أو مناهج تفكير أو أدوات بحث ؛ بل ما يقدمونه لا يعدو أن يكون دروسا في الاجتزاء والتشويه والسباب والتحقير وفي ذلك خطر تربوي سلبي على أخلاق المتلقين وعقولهم -وأكثر المتلقين من العامة- لأنه يخلق منهم شتامين منخلعين من هويتهم فقط . ويستطرد بقوله : حضرت ندوة مؤخرا حول كتاب (لتحيا اللغة العربية ...يسقط سيبويه) حضرها الشوباشي مؤلف الكتاب، والرجل لم يكن يحسن إقامة جملة عربية سليمة، وكتابه لا يخرج عن دائرة الاجترار ومسخ أفكار المتقدمين من أمثال سلامة موسى، ولا أدري كيف يعترف الشوباشي في كتابه بأنه مثقف وغير متخصص في اللغة العربية ثم يبيح لنفسه التحامل والتهجم على العربية وعلمائها بغير علم، مع العلم أن الحل الفوري الناجع لأزمة اللغة الحالية في التعليم والإعلام والحياة هو في قرارات سياسية حاسمة، وفي تفعيل قرارات المجامع المهدرة!. شروط الاجتهاد من جانب آخر فالاجتهاد والتأويل والتفكيك لا يقوم أبدا إلا على دراية واسعة بالشيء محل الاجتهاد مع امتلاك أدوات الاجتهاد والتأويل؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره بما يعني أنه لا بد للمجتهد أن يتصور الشيء تصورا صحيحا أولا قبل أن يحكم عليه. وليس ثمة مانع إطلاقا من نقد الحوادث التاريخية والأشخاص والأفكار الفقهية نقدا علميا موضوعيا لبيان الحقائق والإفادة من التاريخ. إنما التجريح الذي لا يستند إلى أساس علمي ولا يهدف إلى شيء سوى التجريح والتشكيك فهذا خارج عن نطاق الاجتهاد وخارج أيضا عن نطاق التحديث والتنوير. ويؤكد الكاتب أن من يتابع هؤلاء يجد كما هائلا من الخطأ في الفهم والتصور والاستيعاب، ويجد كذلك الخلط والتناقض والاجتزاء؛ فقصارى جهدهم أن يلعبوا على عنصر الإيهام واختراع الشبهات .. إنهم يفترضون- مثلا- أن العلماء يقدسون البخاري وكتابه، ثم يبدأون في نقض بعض أحاديث البخاري ويستبيحون أمام العامة وأنصاف المثقفين سب العلماء فيظن الناس أنهم على شيء من العلم والفكر. والحقيقة أن العلماء قدروا البخاري وكتابه وجهوده العظيمة - بلا تقديس- واستقبلوه استقبالا حسنا لإتقانه ودقته وهم يعلمون أنه لم يستوف جميع السنة، ويعلمون أيضا أن هناك بضع أحاديث انتقدها عليه علماء أكابر مثل الدارقطني وابن تيمية وابن القيم وغيرهم، ولم يتحرجوا في ذلك بل وَسَموا بعضها بالضعف، وهذا لا يقلل إطلاقا من شأن الكتاب، وهذا الكلام ليس بسر بل هو مشهور مستفيض في كتب أهل العلم، لا كما يصورها هؤلاء على أنه من كشوفهم. ومقولة (أصح كتاب بعد كتاب الله) يجب أن تفهم في سياقها الصحيح، هذا هو أقصى ما يفعله المتعالمون في التدليس والاختراع والكذب على الناس! الأزهر والجماعة الثقافية موقف الأزهر والجماعة الثقافية يراه الباحث سيئا جدا، ويرجع هذا إلى أسباب خاصة بهما، وإلى أسباب أخرى خارجة عن طوقهما وإرادتهما؛ فالأزهر من الجهة الأكاديمية فقد كثيرا من قوته ورونقه –وإن كان ما زال متماسكا- وهذا شأن ينبغي لهم النظر في أسبابه ومعالجته حتى يتمكنوا من إخراج العالم المكين، والمناظر الجيد ، والخطيب البارع . ويرجع أيضا إلى عدم حريتهما مع خضوعهما للساسة والسياسة. ومشكلة الأزهر والجماعة الثقافية أنهما لا يظهران إلا بعد استفحال المشكلات وتمكنها، ويكون ظهورهما حينئذ ظهورا ضحلا متهافتا بسبب الانحياز الواضح في وسائل الإعلام وسيطرة أصحابها وتمكينها لهؤلاء الطاعنين وحدهم، وهو ما يعني ضآلة المساحة الممنوحة للأزهر والجماعة الثقافية وأن جهودهما دائما لا تتجاوز رد الفعل والجدل، والواجب على الأزهر أن يتجاوز مرحلة رد الفعل والجدل هذه، وأن يشغل الفراغ الموجود بقوة؛ لأنه إن لم يشغله سيمكن الجهال والفارغين من التمدد والتكاثر فيه. وهذا الأمر لا ينبغي أن يقتصر على الأزهر فقط بل على صاحب كل فكر رصين يملك المسئولية عما يقوله ويصدر عن دراية ومعرفة أيا كان توجهه. النموذج الغربي .. الخادع سألناه عن تمثل تلك الحملات للمدارس الغربية ، ومن ذلك حملة خلع الحجاب، وقال الباحث : أعتز بتراثي جدا وأفخر به ولا أدعي له قداسة خلا القرآن الكريم وصحيح السنة؛ وعلى يقين أنه لن تقوم لنا نهضة حقيقية إلا بتمثله على نحو صحيح؛ لأنه خاص بأقوام شرفاء ناجحين كان عندهم من الحرية، وسعة الصدر، والتعدد والإبداع والتجربة ما لا نجد معشاره في أيامنا هذه سواء عند الحداثيين أم عند سلفية العصر، وهذا لا ينفي عنهم الخطأ أو ينسب لهم عصمة. واستطرد : أتفق مع المستشرق الألماني " توماس باور" الذي أكد في أطروحته المهمة أن الأمة الإسلامية لم تفقد تعدديتها وسعة صدرها إلا منذ مئة وخمسين عاما بتأثير الاستعمار، وحين راحت تحتذي النموذج الغربي الذي ظل في معظم أطواره يرفض التعدد ويسمه بالتناقض، والأطروحة حافلة بالأدلة والبراهين القوية التي تؤكد صحة رأيه. مسألة الحجاب سألناه عن مليونية نزع الحجاب ، فتساءل بدوره : ما معنى هذه المكارثية الجديدة التي ظهرت فجأة في عدة أماكن في توقيت واحد؛ من حرق كتب وهجوم على التراث وما معنى أن يتفق هذا وتوقيت الهجوم الضاري على الحجاب الذي يعلقون عليه الآن كل مشكلات الركود الفكري والاقتصادي والسياسي، وأن يُهاجم في الوقت نفسه الفقه الإسلامي بضراوة شديدة فلا بد أن وراء الأكمة ما وراءها. واستطرد قائلا : الإسلام لم يحدد زيا معينا للمرأة، بل نها عن أن يصف أو يشف، والأزياء كثيرا ما تتشكل وفقا للأقاليم وعاداتها ومناخها. نهي الإسلام عن تبرج الجاهلية الأولى وهو نهي يتعلق بالتكسر والتغنج في المشية؛ فالستر والوقار فرضه الإسلام، والحجاب وما يوازيه موجود في مصر ومتأصل وله أشكال متعددة، ولا يقتصر على المسلمين وحدهم وهو الأصل في مصر لا كما يصور لنا الإعلام المنحاز المتعصب في مسلسلاته وبرامجه من أن الأصل هو التبرج، وأن الاحتشام هو الاستثناء ويرتبط بالمتطرفين فقط. والحجاب في مصر لا يدل على شيء أي ليس علامة قاطعة على التدين أو على انعدامه، وما أكثر المتفوقات من المحجبات اللاتي لم يمنعهن حجابهن من التميز وخدمة وطنهن في كافة المجالات، وليس ذنبهن أن إعلام بلادهن لا يلتفت إليهن أو يحاول التحقير من شأنهن ونسبتهن إلى التخلف، وعلى ذلك فكل دعوات نزعه وخلعه الآن –في رأيي- هي دعوات فارغة تدل على خواء عقلي، وضحالة فكرية ولا أدري كيف لا تتسع له ليبراليتهم وديمقراطيتهم المزعومة