«القومي للأمومة» يناقش الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة    قرار برفع أسعار البنزين فى الإمارات بزيادة تتراوح بين 30% و70%    سداد المستحقات وتذليل العقبات.. رسائل السيسي لطمأنة قادة شركتي أباتشي وإكسون موبيل    وزيرة التنمية المحلية ومحافظ الإسكندرية يتفقدان مركز الناصرية لمعالجة المخلفات الخطرة وأعمال زراعة الجزيرة الوسطى    دورة لتعزيز الاتصال السياسي والحكومي في دمياط    أغلبية 62 نائبًا.. ماذا تعرف عن قانون "إعدام الأسرى" الفلسطينيين؟    إسرائيل تخطط لتدمير "جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود اللبنانية"    التشكيل المتوقع ل منتخب مصر أمام إسبانيا اليوم    الزمالك يحدد موعد انتظام أحمد حسام في التدريبات الجماعية    إنفانتينو: لا تراجع.. إيران ستلعب كأس العالم القادم    إجراءات تأديبية من نابولي ضد لوكاكو بعد الغياب عن التدريبات    كرة القدم النسائية.. الأهلي يواجه وادي دجلة في نصف نهائي كأس مصر    الداخلية تنهي نشاط طالبين تخصصا في سرقة حسابات "السوشيال ميديا" والابتزاز المالي بالمنيا    العيد 62 لإذاعة القرآن الكريم| تكريم عائلات كبار القراء بحضور وزير الأوقاف ومفتي الجمهورية.. صور    نجوم سينما يوسف شاهين في افتتاح معرض لأعماله بمهرجان الأقصر الأفريقي    خلال 24 ساعة.. تحرير 1002 مخالفة للمنشآت المخالفة لقرارات مجلس الوزراء    رسائل السيسي ل بوتين: يبرز ضرورة خفض التصعيد الراهن بمنطقة الشرق الأوسط.. ويؤكد دعم مصر الكامل لأمن الدول العربية ورفضها التام للمساس باستقرارها وسيادتها تحت أي ذريعة    أحمد حلمي: رواية غواية تطرح خيانة الروح كطريق للتحرر الوجودي    ترامب يحث الدول على الذهاب إلى مضيق هرمز والسيطرة على النفط بنفسها    التأمين الصحي الشامل: 7.4 مليار جنيه إجمالي التكلفة المالية للخدمات الطبية المقدمة ببورسعيد    خلال ساعات.. كيف تحسم ال6 مقاعد المتبقية في كأس العالم 2026    السيسي ل«بوتين»: مستعدون لدعم تسوية الأزمة الروسية الأوكرانية سياسيًا    عاجل- خريطة سقوط الأمطار في القاهرة والمحافظات يومي الأربعاء والخميس    أتوبيس الفن الجميل يصطحب الأطفال في جولة تثقيفية داخل قصر البارون    إخماد حريق في منطقة شارع أغورمي بسيوة دون خسائر فى الأرواح    إصابة 10 تلاميذ في تصادم ميكروباص أجرة وسيارة مرافق بطريق المنيا الزراعي    وزير الصحة يترأس اجتماعا لمراجعة الحساب الختامي لموازنة 2024-2025    صافرات الإنذار تدوي في مناطق بوسط إسرائيل بعد رصد هجوم صاروخي باليستي جديد من إيران    متحدث "الأوقاف": التوعية بتأثير الألعاب الإلكترونية على سلوك الطفل أولولية ب"صحح مفاهيمك"    خلال اتصال هاتفي مع بوتين.. السيسي يشدد على ضرورة خفض التصعيد بالشرق الأوسط    "الوطنية للإعلام" تنعى الكاتبة والباحثة الكبيرة هالة مصطفي: نموذج للجدية والانضباط    قرار عاجل من وزير العدل لضبط الأسعار في الأسواق    غرفة القاهرة: استهداف مصانع الحديد والصلب في إيران لم يأتِ عشوائيا    مياه سوهاج: مياه الشرب المنتجة مطابقة للمواصفات القياسية وجودتها خط أحمر    إنقاذ خمسيني من انسداد مراري خطير.. نجاح عملية دقيقة بمنظار القنوات المرارية في قنا    نص أقوال عامل متهم بالتحرش بطفلة داخل مصعد في الهرم    الجيش الإسرائيلي: جاهزون لمواصلة ضرب إيران لأسابيع    قرار جديد ضد 4 عناصر جنائية بتهمة تجارة الأسلحة    طالب يعتدي على عامل بسلاح أبيض داخل مدرسة وتحرك رسمي من تعليم الشرقية    مواعيد مباريات الثلاثاء 31 مارس - مصر ضد إسبانيا.. ونهائيات ملحق كأس العالم    هشام ماجد يتصدر.. ومحمد سعد في آخر قائمة إيرادات شباك التذاكر    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    الصحة تحذر: الإنفلونزا تتغير سنويًا والتطعيم هو الحل    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    قانون جديد يهدف لخفض أسعار الوقود في بولندا يدخل حيز التنفيذ اليوم    "الصرف الصحي بالإسكندرية": رفع درجة الاستعداد للتعامل مع موجة الأمطار المتوقعة    وكيل تعليم الدقهلية يتفقد انتظام اليوم الدراسي بمدارس دكرنس    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    د.حماد عبدالله يكتب: (اللى مالوش كبير، يشترى له كبير) !!    «صرخة من تحت الماء».. مرافعة تهز وجدان «جنايات شبرا الخيمة» في قضية أب متهم بقتل ابنته    محافظ الجيزة يكرّم «فرسان الإرادة» بأوسيم بعد التتويج بكأس السوبر للدوري العام    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فوضى عربية وشرق أوسطية مدمرة
نشر في محيط يوم 06 - 04 - 2015

يبدو المشهد العربى لمن يتابع صورته الكلية مروعا وملتبسا بالفعل وينذر بامتداد الأزمات القائمة وتفاقم ما تنطوى عليه من احتقانات ومآس إنسانية بدلا من حلها. وتبدو الشعوب المغلوبة على أمرها هى الوقود لهستيريا الدم والنار التى تجتاح عددا من البلدان العربية بفعل حكوماتها أو جماعات دينية أو مذهبية متطرفة أو تدخلات إقليمية ودولية تشعل الأزمات فيها.
فحرائق الحروب صارت تغطى اليمن بشماله وجنوبه مخلفة دمارا مروعا وأعدادا هائلة من الضحايا والمشردين فى بلادهم فى مأساة إنسانية جديدة فى عالم عربى متخم بالمآسى ولا يحتمل المزيد. كما أن الحرائق تغطى منذ سنوات سوريا والعراق فى الهلال الخصيب الذى صار مسرحا لصراعات طائفية وعرقية وهجمات إرهابية هائلة الحجم والتمويل والتسليح ومدمرة لوحدة الشعوب والدول، وتهدد بالعصف بالاستقرار الهش فى البلدان المجاورة وبالذات فى لبنان. وحرائق الحروب تدمى ليبيا بدورها. لكن القوى المؤمنة بوحدتها القائمة على أساس المواطنة وليس الدين أو القبيلة، تقاتل بضراوة من أجل استعادة تلك الوحدة ودحر قوى التطرف والإرهاب التى تعملقت برعاية أطلنطية فى هذا البلد العربى المنكوب بتدخلات بعض القوى الدولية والإقليمية فى شئونه.
اليمن.. مجمع الخطايا الداخلية والإقليمية والدولية
إذا بدأنا بأكثر المواقع اشتعالا على الخريطة العربية فى الوقت الراهن وهو اليمن، فإن الاختلال فى ميزان القوى الداخلية فى هذا البلد بدأ مع تحالف الديكتاتور السابق على عبد الله صالح والموالين له مع الحوثيين فى ظل عدم توصل السلطة إلى تسوية داخلية مقبولة معهم تنهض على أساس الحقوق العادلة ويكون من شأنها تحقيق الاستقرار السياسى والأمنى الحقيقى والقائم على التراضى فى البلاد. وكانت مجموعة الدول الخليجية وبموافقة أمريكية وغربية هى التى ضمنت خروج على عبد الله صالح من السلطة بصورة «آمنة» ودون محاسبة بعد ثورة الشعب على حكمه الفاسد.
ومع حريته هو وأنصاره فى الحركة، واستنادا إلى التراكم المالى الكبير والفاسد الذى كونه فى سنوات حكمه الطويلة، تمكن من تمويل تنظيم وتسليح الموالين له وبخاصة من أبناء قبيلته. ولأن الغاية بالنسبة لديكتاتور مثل على عبد الله صالح تبرر استخدام أسوأ الوسائل للوصول إليها فإنه لم يجد أى غضاضة فى التحالف مع الحوثيين الذين كان يحاربهم وهو فى السلطة، من أجل هدم النظام الجديد وإثارة فزع إقليمى فى شبه الجزيرة العربية ربما يفضى ذلك إلى اعتباره المنقذ ويتيح له العودة للسلطة التى أدمن هوس الاستحواذ عليها. ولم يأبه فى ذلك بأن هدم الدولة اليمنية وأجهزتها قد يجعل عملية إعادة بنائها واستعادة لحمتها وتماسكها مهمة بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة. وهنا قد يضيع الوطن ثمنا لجنون الاستحواذ على السلطة.
أما الحوثيون أنفسهم فقد تعاملوا مع ضعف الدولة اليمنية وعجزها عن حماية مؤسساتها وكيانها بنزق الصغار وقرروا بجهالة حقيقية تدمير الطابع المؤسسى لها والاستيلاء عليها ضاربين بحقائق التوازن السياسى الداخلى والإقليمى والتكوين السكانى والقبلى عرض الحائط. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك هى انفجار الاضطراب فى كل أرجاء اليمن وتهديد كيان الدولة بالمصير الصومالي.
أما الحسابات الإقليمية فقد تضاربت بين الطموح الإيرانى للهيمنة الإقليمية وما يرتبط به من مساندة الحوثيين، ورغبة المملكة العربية فى تأمين حدودها الجنوبية وضمان سلطة موالية لها فى اليمن، أو على الأقل سلطة مأمونة الجانب ولا تشكل تهديدا لها ولا ترفع أى مطالب بشأن بعض الأراضى فى جنوب غرب المملكة. لكن خلفيات العلاقات بين اليمن والمملكة العربية واستحضار مشهد المليون يمنى الذين تم ترحيلهم من المملكة إثر اجتياح العراق للكويت وتأييد على عبد الله صالح للعراق آنذاك، شكلت عاملا مسهلا لتحالف الحوثيين وعلى عبد الله صالح للنظر للحرب باعتبارها مواجهة لأطماع خارجية فى بلادهم ولاستدعاء مخزون الاحتقان التاريخى فى هذا الشأن.
كما أن مصر كقوة سلام إقليمية قائدة ترغب فى تأمين الملاحة فى باب المندب لمصلحة التجارة العالمية من جهة، وباعتباره المدخل الجنوبى للبحر الأحمر ولقناة السويس المصرية من جهة أخرى. كما أنها بالتأكيد تنظر بقلق لما يجرى من تحطيم وحدة أجهزة الدولة اليمنية بآثاره الوبيلة على الشعب اليمنى الشقيق، بما قد يهدد بصوملة اليمن وتحوله لمصدر للاضطراب الإقليمى والعنف وحاضنة عملاقة لقوى الإرهاب. ومن المؤكد أن تمايز الأهداف المصرية إزاء اليمن وارتباطها الوثيق بالحرص على الشعب اليمنى وعلى الدولة اليمنية وعلى مكافحة الإرهاب وضمان المصالح الدولية والمصرية العادلة فى أمان المرور فى باب المندب، يجعل منها طرفا قادرا على بدء الحوار لمعالجة الأزمة السياسية فى اليمن، خاصة بعد أن تحولت لمأساة إنسانية رهيبة فى ظل الحرب الراهنة بما يستوقف أى ضمير للجنوح إلى المعالجة السلمية للأزمة بين الأشقاء.
أما الولايات المتحدة التى يتملكها هوس الهيمنة والسيطرة عالميا فإنها تزداد سعارا وتخبطا كلما أدركت أن حقائق الواقع الاقتصادى ستزيحها عاجلا أو آجلا عن موقع الهيمنة العالمية. ورغم أنها كانت طرفا فى ضمان الخروج الآمن للديكتاتور الفاسد على عبد الله صالح، إلا أنها لم تستطع السيطرة على تحالفاته الداخلية التى وصلت به للتحالف مع الحوثيين. وقد تعاملت الولايات المتحدة مع هذا التحالف كأمر واقع يمكن الاستفادة منه بخلق نزيف مالى وعسكرى ممتد فى شبه الجزيرة العربية يبرر استمرار وتزايد طلب دولها على الأسلحة الأمريكية لتغذية غول المجمع الصناعي-العسكرى الأمريكى ذى النفوذ الكبير فى السياسة الخارجية الأمريكية.
ويبدو واضحا أن أخطاء السياسة الأمريكية والخليجية إزاء الثورة الشعبية اليمنية ضد على عبد الله صالح وعدم السماح بإزاحته كليا وبناء نظام جديد، قد أنتجا فى النهاية هذا التحالف الذى يجمعه بالحوثيين والذى يحاول ابتلاع الدولة اليمنية حتى ولو بالتحالف مع إيران. ويخطئ من يتصور أن الحرب اليمنية الراهنة ستنتهى سريعا أو أن الهزيمة العسكرية لأى طرف ستؤمن استقرارا للأوضاع فى هذا البلد وفى الدول المجاورة له، لقد انفتحت طاقات الجحيم وأصبح المصير الصومالى شاخصا فى الأفق، وعلى كل حريص على مستقبل اليمن أن يعمل على فتح باب التفاوض لإدارة الخلافات السياسية الداخلية فى اليمن بآليات ديمقراطية والاحتكام للشعب عبر انتخابات جديدة تحت إشراف دولى كامل مع فتح باب المحاسبة على المال والدم لأن التساهل مع من نهب ومن أراق الدماء لا ينتج سوى تجدد رغبته هو وحلفائه وعصابته فى العودة للسلطة مرة أخرى.
الهلال الخصيب.. الطائفية والإرهاب المدعومان إقليميا ودوليا
أما بالنسبة للعراق فى أقصى المشرق العربى فالمأساة لم تبدأ اليوم وإنما بدأت عندما انطلق الغزو الأمريكى الإجرامى للعراق من القواعد الأمريكية فى الخليج وعلى رأسها قاعدة العديد فى قطر. وأدى ذلك الغزو والجهالة الأمريكية فى التعامل مع الشأن العراقي، والتى لم تكتف بهدم النظام، إلى هدم الدولة القائمة على المواطنة أيضا. وتم بناء نظام قائم على المحاصصة الطائفية والعرقية فانفتحت بوابات جحيم الصراعات الطائفية والعرقية على مصاريعها. وإزاء اتجاه نظام ما بعد الاحتلال الأمريكى لإقامة علاقة استراتيجية مع إيران، باتت بعض دول الخليج التى ساهمت فى الإتيان به بصورة غير مباشرة متحفظة ثم وصلت الأمور لدرجة العداء المعلن فى بعض الأحيان التى وصلت لاتهامات عراقية لبعض دول الخليج بدعم الجماعات المتطرفة والإرهابية، فضلا عن المشاعر غير الودية المضمرة دائما. والغريب أن ذلك التحول فى نظام قائم على المحاصصة الطائفية كان من الممكن التنبؤ به بسهولة فى ظل حقيقة انقسام السنة فى العراق بين العرب والكرد بما يُضعف كلا منهما منفردا، مقابل الترابط الجغرافى والعرقى للمكون الشيعى حتى ولو كانت نسبته أقل من نسبة السنة العرب والكرد مجتمعين.
وفى مواجهة السيطرة الشيعية على الدولة العراقية وارتباطها الوثيق بإيران، وانسلاخ المنطقة الكردية عمليا، أصبح الوضع فى العراق يجسد تمددا للنفوذ الإيرانى ويشكل خطرا على الدول الخليجية. ومن يتأمل عملية استعادة الدولة العراقية لمدينة تكريت مؤخرا ومشاركة الميليشيات الشيعية المسماة الحشد الشيعى فى المعركة، وما قامت به من عمليات تخريب وتدمير وسلب ونهب وتقتيل بعد استعادة المدينة، سيدرك أى منحدر طائفى مروع قد هوى إليه العراق.
وكانت بعض الدول النفطية مصدرا حكوميا أو أهليا لتمويل الجماعات السنية السلفية. وقد تحولت بعض تلك الجماعات إلى منظمات متطرفة وإرهابية تستهدف تقويض السيطرة الطائفية الشيعية على العراق والتى أسس لها الأمريكيون عبر نظام المحاصصة الطائفية. كما أن هناك مشاركة قوية فى أعمال المقاومة للنظام العراقى الراهن من قبل القوى القومية المرتبطة بحزب البعث الذى تم التنكيل به وبأعضائه بصورة مروعة بعد الاحتلال الأمريكي. وكان العراق منذ ذلك الاحتلال مفتوحا لكل أعمال التنكيل بأعضاء حزب البعث وبالقيادات العسكرية العراقية من قبل أجهزة الاستخبارات الصهيونية والإيرانية والأمريكية.
وإزاء تعملق ظاهرة «داعش» وتحولها إلى تهديد للجميع، بات على تلك الدول النفطية هى وتركيا التى لم تكن بعيدة عن تطور وتعملق داعش أن تتخذ موقفا معلنا ضد تلك المنظمة الإرهابية. واختلطت الأوراق فى العراق الذى ترتبط الأزمة فيه بنظيرتها فى سوريا فى الوقت الراهن. ويبدو أن هناك موقفا معلنا من البعض يتناقض مع السلوك الفعلى فى هذا الشأن. وهناك غياب حقيقى للمصارحة مع النظام العراقى بشأن ضرورة إنهاء الميليشيات الشيعية المحمية من النظام والتى قتلت وخربت ونهبت جبالا من الأموال والموارد العامة، وليس استدعاؤها للتخريب فى المنطقة السنية وإحياء كل المرارات والحساسيات. وهناك غياب للمصارحة أيضا بشان ضرورة إعادة بناء النظام السياسى العراقى على أسس وطنية وليس على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية التى وضع الأمريكيون أسسها التخريبية منذ احتلالهم الإجرامى للعراق.
وفى كل الأحوال يبدو هذا البلد العربى الكبير والذى شكل الجدار الشرقى للوطن العربى مسرحا للدمار والقتل وعبث أعدائه وتطرف وطائفية بعض أبنائه ومن توافد إليهم من إرهابيين من خارج العراق. ويحتاج الأمر لمعجزة فعلا لإعادة الوحدة الحقيقية لبنية المجتمع والدولة القائمة على أساس المواطنة والمساواة بين الجميع أمام القانون دون النظر للدين أو المذهب أو الأصل العرقي.
أما الأزمة السورية فإن العديد من الدول النفطية شاركت بقسط كبير فى توفير التمويل والتسليح والتعبئة للمجموعات الإرهابية مثل جبهة النصرة والقاعدة و»داعش»، والمجموعات التى تستخدم العنف المسلح مثل «الجيش الحر». وساهمت فى عسكرة الاحتجاجات فى سوريا لتفقد حقوقها المدنية وتتحول إلى ألعوبة بيد من يملك التمويل والتسليح. كما ساهمت فى تمويل ودفع قطعان همجية من آلاف الإرهابيين الأجانب لتخريب سورية وتفتيتها. والنتيجة هى مقتل أكثر من 200 ألف وتشريد قرابة نصف السكان فى الداخل السورى او فى دول المنطقة فى ظروف مأساوية. باختصار حولت التدخلات الإقليمية والدولية سوريا إلى وطن يتعرض للحرق والتدمير. والغريب أن الدول النفطية التى تقول أنها تسعى لتثبيت الشرعية فى اليمن ومن قبلها البحرين هى نفسها التى فعلت كل شئ لتدمير الشرعية المناظرة فى سوريا!!
وتواجه سوريا موقفا بالغ الحرج، فوحدة الشعب والدولة صارت على حد السيف، وليس هناك من حل إلا عندما تكف قوى الشر الإقليمية والدولية عن التدخل فى هذا البلد العربى الكبير، ويتم القضاء على قوى الإرهاب المدعومة دوليا وإقليميا مثل جبهة النصرة وداعش وكلاهما منتجات سلفية وهابية متخلفة، ليتم بعدها الاحتكام للشعب فى انتخابات ديمقراطية حرة وخاضعة لرقابة عربية ودولية نزيهة لا تتضمن كل من شارك فى تخريب سوريا.
وإذا كان تنظيم داعش قد تعملق فى سورية قبل انتقاله للعراق، فإن تركيا وبعض الدول النفطية والقوى الدولية التى تدعى مواجهته هى نفسها المسئولة عن تمويله وتسليحه وإدخاله لسورية وتعملقه!! ويبدو الأمر أقرب للكوميديا السوداء. وإذا كان من أخرج الشيطان من قمقمه هو المنوط به إعادته إليه، فإن الأمر فى غاية الصعوبة فى الواقع فى ظل تعقد شبكة المصالح التى أخرجت شيطان الطائفية من قمقمه لإشعال الاقتتال الأهلى وهدم الدول الوطنية فى المشرق العربى واستمرار رغبتها فى تحقيق هذا الهدف رغم كل ما ينطوى عليه من مخاطر للجميع.
ليبيا ومعركة المصير للدولة الموحدة
فى شمال إفريقيا تبدو ليبيا تجسيدا حيا للفوضى المدمرة التى أصابت الوطن العربى بفعل التدخلات الغربية التى دفعت فى اتجاه عسكرة الاحتجاجات ضد النظام السابق واستصدرت قرارا دوليا للتدخل فى ليبيا ضد ذلك النظام. ولم يفرق حلف شمال الأطلنطى بين تغيير النظم وهدم الدول، فهدم مؤسسات الدولة الليبية وهى أساس وحدتها. ووضع هذا البلد العربى المثقل بتركة قبلية حاضرة على حافة التشظى لولا وجود الجيش وبعض القوى المؤمنة بالدولة الوطنية والتى تحاول إنقاذ ليبيا من المصير الصومالي، ومن التحول إلى بؤرة جامعة للقوى الإرهابية ومهددة للاستقرار والسلم فى الدول المجاورة. ورغم صعوبة المعركة فإن التعاون بين ليبيا والدول المجاورة يعزز من إمكانيات انتصار القوى التى تقاتل من أجل إبقاء وحدة الدولة الوطنية الليبية. لكنها معركة صعبة يتوقف عليها مصير ليبيا ووحدة ترابها الوطنى وقدرتها على مكافحة الإرهاب الذى يهدف للتوطن فيها.
وإجمالا يمكن القول إن حالة الفوضى المدمرة التى تنتشر فى بعض البلدان العربية هى فوضى مخربة للدول والمجتمعات، وهى مجمع لخطايا النظم الحاكمة والتدخلات الإقليمية والدولية المدمرة. وإذا كان هناك من أمل فى أى بناء اجتماعى وسياسى مستقر وآمن وقادر على التطور فى المستقبل فلابد أن ينهض من خلال العودة لموائد المفاوضات وحل الأزمات سلميا واحترام إرادة الشعب كحكم حاسم من خلال الانتخابات الحرة الديمقراطية. ولابد من أن ينهض أى بناء جديد على احترام الحريات وحقوق الإنسان وكرامته والمساواة بين البشر بغض النظر عن الدين أو المذهب او النوع أو الأصل العرقى والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهذه القواعد وحدها هى التى تؤسس لبناء التلاحم الاجتماعى والاستقرار القائم على التراضى والانتماء والاستعداد للتضحية من أجل الوطن، وليس الاقتتال الأهلى الذى يخربه ويتيح لقوى الشر الإقليمية والدولية التدخل فيه بصورة مدمرة.
نقلا عن " الاهرام" المصرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.