قال الكاتب والناقد أحمد حلمي، إن رواية «غواية» للكاتبة الدكتورة نسمة يوسف إدريس، الصادرة عن دار الشروق، تطرح إشكالية معقدة تتعلق بمعنى الخيانة وحدودها، متسائلًا: متى تتحول الخيانة إلى ضرورة وجودية، أو إلى المجال الوحيد الممكن للنجاة؟ وأضاف، خلال أمسية نظمتها مكتبة «ببلوتيك» بالشيخ زايد، مساء الاثنين، لمناقشة الرواية، أن النص ينطلق من سؤال شائك ومربك، يفرض حضوره منذ العتبة الأولى، ويفتح الباب أمام قراءة تتجاوز السطح إلى مستويات أعمق من التأويل. وتابع أن الرواية تتجاوز فكرة السيرة الذاتية لامرأة مأزومة، لتصنع توازيًا عبقريًا وموجعًا بين جسد المرأة المقموعة وجسد الوطن المكبل. فالنص لا يتعامل مع «الغواية» بمفهومها السطحي، بل بوصفها تمردًا وجوديًا ضروريًا لتحطيم الأصنام الاجتماعية والسياسية. ويمكن تفكيك طبقات هذا النص وتتبع مساراته الدلالية. وذكر أن الرواية تتابع تحولات البطلة من مجرد مفعول به داخل مؤسسة زواج باردة، إلى فاعل درامي، كما يتجلى في ملامح ميدان التحرير. ويقدم النص عملًا استراتيجيًا بالغ التعقيد؛ إذ لا يقف القارئ أمام سرد بسيط، بل إزاء رواية درامية تعيد تشكيل الفضاء الروائي بوصفه خشبة مسرح سياسي واجتماعي عربي. وأكد أن النص يمزج بين السيرة الذاتية الفردية والتحولات الكبرى في الجسد المصري، ويمارس استراتيجية «إزاحة المركز»، حيث تبدأ الحكاية من لحظة الانصهار الملحمي في ميدان التحرير، ليغدو «ميدان الروح»، ويصبح الميدان دالًا على فعل الانعتاق. وأن أول ما يستوقفنا في هذا السياق هو دلالة العتبة الأولى المتمثلة في عنوان «غواية»؛ إذ تستدعي القراءة السطحية مفهوم الأنوثة بوصفها فخًا جسديًا. وتابع: "غير أن تفكيك العنوان يكشف أن «الغواية» هنا فعل وجودي ضروري للتحرر من المركزية الذكورية. ومن ثم ترفض البطلة الامتثال للسلطة الأبوية، ممثلة في الزوج «خيرت» والسلطة العسكرية ممثلة في اللواء «العزازي»، مشيرًا إلى إيمانها بأن خيانة الروح هي الخيانة الحقيقية، وهو ما يظهر جاليًا من خلال الحوارات الجوهرية بينها وبين صديقتها، حيث تؤكد أن الانفصال عن الواقع الزائف شرطٌ لبلوغ الحقيقة الوجودية. ومن هنا تتحول الرواية إلى تمرد على المنظومة التي تسعى إلى تدجين الجسد. واستكمل: يتماهى السرد مع تحولات الأنثى المقموعة وتحولات الدولة المقموعة، متتبعًا رحلة الوعي الجسدي للبطلة بالتوازي مع الهزات السياسية الكبرى، حيث يتماهى صراخ جسدها العاري، مع صراخ المتظاهرين المقموعين في الخارج، في مقاربة تتسع لتأخذ بعدًا إنسانيًا أوسع، حيث يترك النص حالة من التوتر المستمر والغثيان بوصفها علامة على اختلال بيولوجي يعكس خللًا أعمق في البنية الاجتماعية والسياسية. واختتم: وتتوج الرواية مسيرتها، بمشهد أخير يتقاطع مع لحظة ثورية، حيث تتجه البطلة إلى الميدان حاملة حفيدها، منخرطة في الحشود، في فعل رمزي لاستعادة الفضاء العام. وهنا تكون قد أسقطت «نظام خيرت» داخلها، لتستكمل فعلها بالمساهمة في إسقاط النظام الأكبر. بهذا تحقق البطلة تحررها الأخير، في لحظة يتماهى فيها الخاص مع العام، ويذوب فيها الجسد الفردي داخل جسد الجماعة، في صورة مكثفة لفعل الانعتاق.