قال الكاتب والناقد هاني منسي، إن رواية «غواية» للكاتبة الدكتورة نسمة يوسف إدريس، الصادرة عن دار الشروق، تكشف عن تطور واضح في تجربة الكاتبة، حيث تتجاوز حدود العمل الأول إلى بناء أكثر نضجًا وتعقيدًا، مستفيدة من خلفيتها الأكاديمية والدراسية، خاصة في المجال المسرحي. وأضاف، خلال أمسية نظمتها مكتبة «ببلوتيك» بالشيخ زايد مساء الاثنين لمناقشة الرواية، أن النص يتمتع بوعي سينوغرافي لافت، إذ يبدو الفضاء الروائي مشيّدًا بعناية، ومتماسكًا في علاقته بدواخل الشخصيات، وعلى رأسها الشخصية الرئيسية «روحية». وأوضح أن «روحية» لا تُقدم بوصفها شخصية مادية واقعية تقليدية، بقدر ما هي رمز لروح تسعى إلى التحرر من قيود الزيف الاجتماعي، ذلك الزيف الذي تفرضه أنماط معرفية وسلوكية سائدة يتوارثها المجتمع دون مساءلة، فينصاع لها الأفراد باعتبارها النموذج المثالي. وذكر أن الرواية تطرح نقدًا ضمنيًا لحالة الخضوع المجتمعي، مستدعيًا نماذج مثل ما عُرف ب«حزب الكنبة»، بوصفه تعبيرًا عن السكون والتواطؤ، مؤكدًا أن النص يدعو إلى ثورة دائمة، لا تقتصر على لحظة تاريخية بعينها، بل تمتد كفعل مستمر ضد القيود الاجتماعية والفساد والسلطات المختلفة، سواء كانت ذكورية أو مجتمعية. ورأى أن مفهوم «الغواية» في الرواية يتجاوز دلالته الجسدية، ليصبح مرادفًا ل«خيانة الروح»، أي التمرد وتثور على كل ما يقيد الذات، حيث تتحرك «روحية» في مسار تحرري يتماهى مع الحشود في ميدان التحرير، في لحظة انصهار بين الفردي والجمعي. وتوقف عند العنوان الفرعي المصحوب لعنوان «غواية»، وهو «الحكي فن الغواية»، معتبرًا أنه يكشف عن وعي الكاتبة بأدواتها، حيث يتحول السرد إلى استراتيجية لاستدراج القارئ نحو اكتشاف خبايا النفس والجسد، وفي الوقت نفسه أداة لفضح الكذب الاجتماعي وتجسيد التمرد. وأوضح أن الرواية تنجح في الربط بين الخاص والعام بسلاسة، إذ تنتقل من الحياة الشخصية ل«روحية» إلى الفضاء العام في ميدان التحرير بنعومة ودون افتعال، ما يعكس حرفية في البناء السردي، ويتيح للقارئ ملء الفجوات واستدعاء خبراته الخاصة. كما أشار إلى حضور رمزي كثيف داخل النص، من بينها استدعاء «لوحة العشاء الأخير» بما تحمله من دلالات الخيانة والانقلاب، وربطها بسياقات سياسية، إلى جانب رموز أخرى تعكس تحولات الشخصية وانقلابها على حياتها السابقة. وأكد أن التمرد في الرواية لا يأتي بوصفه هدمًا عبثيًا، بل كفعل يهدف إلى إعادة البناء، حيث تبدأ الحكاية من نقطة النهاية، في بناء دائري يجعل النص أقرب إلى مرآة تعكس ذاتها من زوايا متعددة. وأضاف أن الرواية تحمل بعدًا فلسفيًا وسياسيًا واضحًا، إذ تطرح سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين حرية الفرد وحرية المجتمع: هل تبدأ الحرية من الداخل لتنعكس على الواقع، أم أن تحرر المجتمع هو الذي يتيح للفرد أن يكون حرًا؟ ولفت إلى أن تحرر «روحية» من قيود علاقتها الزوجية ومن السلطة الذكورية، يتوازى مع حلم تحرر الوطن، حيث يصبح الفعل الشخصي جزءًا من فعل جماعي أوسع. كما تناول حضور الجسد في الرواية، مشيرًا إلى أن التعبير عنه، بما في ذلك العري أو الجسدانية، يأتي بوصفه أداة من أدوات التمرد، وليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإثبات حق الأنثى في الحرية الطبيعية في مواجهة القمع الذكوري. وتوقف عند مشهد كتابة «روحية» بطلاء الشفاه على الجدار، معتبرًا إياه ذروة التكثيف الرمزي للصراع الداخلي، حيث تتحول أداة الزينة إلى وسيلة احتجاج، وتغدو العبارة المكتوبة بمثابة بيان ثوري ضد الزيف الاجتماعي وخيانة الروح. كما أشار إلى رمزية «الباليرينا» داخل النص، بوصفها تعبيرًا عن الحلم بالخفة والتحرر، قبل أن تتحول إلى كائن محاصر بفعل السلطة الأبوية، ما يعمق دلالة القمع ويؤسس لانفجار التمرد لاحقًا. وتناول منسي أجيال الشخصيات في الرواية، مؤكدًا أن الجيل الثالث، ممثلًا في الأحفاد، يحمل أفق المستقبل، حيث تسعى البطلة إلى نقل وعي مختلف إليهم، بعيدًا عن القوالب الجاهزة، في محاولة لصياغة انتماء جديد. واختتم بالتأكيد على أن الرواية تطرح في نهايتها سؤالًا مفتوحًا: هل حرية الفرد هي أساس حرية الوطن، أم العكس، أم أن العلاقة بينهما تظل علاقة جدلية متبادلة التأثير، في مسار لا ينتهي من السعي نحو الحرية.