الإحصاء: 25.44 مليار دولار صادرات مصر من السلع تامة الصنع خلال 11 شهرًا    ارتفاع سعر صرف الدولار في البنوك المصرية (تحديث لحظي)    وزير البترول يبحث مع «SLB» العالمية تعزيز تطبيق الحفر الأفقي في مصر    التموين: لدينا احتياطي سلع آمن.. وإحالة المتلاعبين بسوق السكر للقضاء العسكري    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تقوم بجولة موسعة بمحافظة الإسكندرية اليوم    الأوقاف: قانون إعدام الأسرى انتهاك صارخ للقيم الإنسانية والمواثيق الدولية    إصابة 9 أشخاص في هجوم إيراني على وسط إسرائيل    هل تشهد البلاد موجة طقس شديدة غدا؟.. الأرصاد توضح (فيديو)    قرار جديد ضد لص الشقق السكنية بالبساتين    ضبط 1150 لتر مواد بترولية بمخزن بدون ترخيص في الشرقية    وفاة الدكتورة هالة مصطفى أستاذ العلوم السياسية    مستشفى منشية البكري تنجح في إجراء جراحة دقيقة لاستئصال لحمية بالأحبال الصوتية    السعودية: أضرار محدودة إثر سقوط شظايا اعتراض مسيرة شرق الرياض    نتنياهو: الأهداف النهائية للمهمة في إيران باتت في متناول اليد    قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي صربين وأطراف بلدة بيت ليف بجنوب لبنان    البوسني إدين دجيكو: منتخب إيطاليا هو من يشعر بالضغط وليس نحن    موعد مباراة تركيا وكوسوفو في الملحق المؤهل لكأس العالم والقناة الناقلة    الأهلي أمام وادي دجلة.. ومسار يواجه مودرن في نصف نهائي كأس السيدات    افتتاح معمل الرؤية الحاسوبية المدعوم بالذكاء الاصطناعى في طب أسنان القاهرة (صور)    السكك الحديدية: تراجع تأخيرات القطارات اليوم لاستقرار الأحوال الجوية    الأربعاء الثاني الأشد.. عباس شراقي: أمطار متفاوتة الشدة بالنصف الشمالى من مصر    المعاينة تكشف تفاصيل حريق محل في بولاق الدكرور    تحليل مخدرات للطالبة المتهمة بدهس مسن بالخطأ في أكتوبر    لخلافات مالية.. عامل يمزق جسد سائق ب سكين في الصف    نقابة المهن التمثيلية تتمنى الشفاء العاجل للإعلامي عمرو الليثي    ابنة "إيسو وويسو" تلفت الأنظار، شاهد كيف تغير شكل طفلة مسلسل "اللعبة"    اللجنة العليا للمسؤولية الطبية تُعزّز الوعي المجتمعي والمهني بقانون المسؤولية الطبية من داخل كلية طب الأزهر    نتنياهو لقناة "نيوزماكس" الأميركية: "لقد تجاوزنا بالتأكيد منتصف الطريق.. لكنني لا أريد أن أضع جدولا زمنيا" لموعد انتهاء الحرب    «الصحة» تستقدم 4 خبراء دوليين في تخصصات دقيقة لتعزيز جودة الخدمات الطبية ونقل أحدث التقنيات    هام| الصحة تكشف حقيقة تفشي الالتهاب السحائي بالبلاد    في ذكرى أول قدّاس بالفلبين.. تراث غائب عن الذاكرة البصرية    المقاومة الإسلامية في العراق تنفذ 19 عملية بالطيران المسير    شركة المياه تحسم الجدل حول تلوث مياه الشرب    رسالة مجتمعية من النيابة: دروس إنسانية تحذر وتوجّه وتُعيد ترتيب الأولويات    عمرو محمود ياسين يرد على شائعة ارتباطه من فنانة شهيرة    أول قرار ضد عامل بتهمة التحرش بطفلة داخل مصعد بالهرم    طريقة عمل عيش التورتيلا، أشهى أكلات سريعة التحضير    زياد بهاء الدين عن تداعيات الحرب الإيرانية: نحن في قلب المعركة اقتصاديا    زياد بهاء الدين: السعودية الأقل تأثرا بتداعيات الحرب.. واسترداد دول الخليج مكانتها الاقتصادية سيكون سريعا    «صرخة من تحت الماء».. مرافعة تهز وجدان «جنايات شبرا الخيمة» في قضية أب متهم بقتل ابنته    6 أعضاء بعد رحيل هيسينج، فرقة ENHYPEN تعلن عن جولتها العالمية "BLOOD SAGA"    محافظ الجيزة يتابع تطبيق مواعيد غلق المحال وحالة النظافة بالشوارع    تعيين المونسنيور باولو روديلي نائبًا للشؤون العامة في أمانة سر الدولة بالفاتيكان    محافظ الجيزة يكرّم «فرسان الإرادة» بأوسيم بعد التتويج بكأس السوبر للدوري العام    الخميس .. «قضايا موسيقية» تجمع رموز الفن في صالون ثقافي بأوبرا الإسكندرية    فنان وحيد في عزاء الفنانة فاطمة كشري فمن هو؟    رئيس "فيفا": على إيران المشاركة في كأس العالم ولا خطة بديلة    محافظ الفيوم يواصل جولاته الليلية لمتابعة الالتزام بمواعيد غلق المحال    بالتزامن مع العيد القومي.. مطرانية المنيا تنظم الملتقى العلمي السادس بعنوان "المنيا.. أجيال من الصمود"    برسائل ساخرة ودبلوماسية.. بركات يرد على ترشحه مديرًا للتعاقدات في الأهلي    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 31 مارس 2026 في القاهرة والمحافظات    التعليم: استمرار الدراسة وانتظام الامتحانات بجميع المدارس اليوم الثلاثاء دون تعطيل    نجم الزمالك السابق: الأهلي سيتوج بالدوري لهذا السبب    دعاء الفجر.. أدعية خاصة لطلب الرزق وتفريج الهم    نابولي يستعد لتجميد لوكاكو بعد أزمة مع أطباء النادي    الأزهر يواصل حملة «وعي».. الرد على شبهة الاكتفاء بالقرآن وإنكار حجية السنة    الأوقاف عن الإرهابى عبد الونيس: مفيش إرهاب نهايته نصر.. نهايته دايما ندم    الإفتاء: لا تقتلوا الحيوانات الضالة.. الحل في الرحمة لا القسوة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



«صرخة من تحت الماء».. مرافعة تهز وجدان «جنايات شبرا الخيمة» في قضية أب متهم بقتل ابنته
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 31 - 03 - 2026

في مشهد إنساني صادم، خيّم الصمت على قاعة محكمة جنايات شبرا الخيمة، بينما كانت كلمات النيابة العامة تُروى واحدة من أبشع صور القسوة، حيث وقف أب متهم بإنهاء حياة ابنته، لا بسلاحٍ ظاهر، بل بقرارٍ قاسٍ دفعها إلى الغرق.
أمام الدائرة الرابعة برئاسة المستشار الدكتور رضا أحمد عيد، وعضوية المستشارين مصطفى رشاد محمود مصطفى، ومحمد عبد المعز الغمراوي، ومحمد حسني الضبع، مرافعة قوية ومؤثرة من المستشار محمد عز العرب، وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، مرافعة وُصفت بأنها من أقوى ما شهدته المحكمة، رسم خلالها تفاصيل مأساة "شهد"، الفتاة ذات ال17 عامًا، التي تحولت من ضحية إهمال إلى ضحية قتل، في الجناية رقم 35359 لسنة 2025 جنايات ثان شبرا الخيمة والمقيدة برقم 4813 لسنة 2025 كلي جنوب بنها تحت إشراف إشراف المستشار محمد الجندي – " المحامي العام لنيابة جنوب بنها الكلية" والمستشار رفعت فيصل –"رئيس النيابة الكلية".
مرافعة تهز الوجدان
استهل المستشار محمد عز العرب، وكيل النائب العام بنيابة شبرا الخيمة أول الجزئية، مرافعته قائلا نقفُ اليومَ بين أيدي عدالتكم، لا نبتغي إلا الحقَّ سبيلاً، ولا نرجو إلا أن يأخذ القانونُ مجراهُ عدلاً وإنصافًا.
إن القضاءَ ميزانُ الأمم، وعمادُ الأمن، وملاذُ المظلوم إذا ضاقت به السبل، وهو الحصنُ الحصين الذي تُصانُ عنده الحقوق، وتُردُّ به المظالم، وتُعلو فيه كلمةُ النظام على هوى النفوس.
ومحكمتُكم الموقّرة، بما عُرف عنها من حكمةٍ وبصيرة، هي منارةُ عدلٍ لا تميل، وسيفُ قانونٍ لا يلين، تُقيمُ الحقَّ ولو على القريب، وتُنصفُ المظلومَ ولو بعد حين.
وإننا إذ نعرضُ على عدالتكم وقائعَ هذه الدعوى، فإنما نضعها بين أيدٍ أمينة، تُحسنُ وزنَ الأدلة، وتُجيدُ إعمالَ النصوص، وتستخلصُ من بين السطور حقيقةً لا يعتريها لبسٌ ولا غموض.
فالعدلُ أساسُ الملك، والقانونُ عنوانُ الحضارة، وبكم – بعد الله – تُصانُ الحقوق، وتستقيمُ الموازين.
لذلك نلتمسُ من عدالتكم الإصغاء إلى مرافعتنا، راجينَ حكمًا يُجسّدُ روحَ القانون، ويُحققُ غايةَ العدالة، ويُعيدُ الأمورَ إلى نصابها الحق.
وإني إذ أتشرف بالمثول بين أيديكم، أستفتح مرافعتي بقول الحق سبحانه و تعالى في محكم التنزيل :
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ..... صدق الله العظيم - } سورة الأنعام -الآية 140{
فقد تخيرنا تلك الآية الكريمة لتكون خير مبتدأ لمرافعتنا لارتباطها الوثيق بخبر واقعة دعوانا الآليمة ؛ فالمجني عليها كانت ضحيةً على يد أبيها الذي كان يفترض أنه حصنها ، وسندها ، و أمنها ، و آمانها ، فئذ به خصمها و قاهرها و جلادها و مزهق روحها جهلاً و سفهًا وعدوانًا دون رحمةٍ أو شفقةٍ.
جريمة أبشع من الوصف
وأضاف في مرافعته السيد الرئيس هيئة المحكمة الموقرة، نقف أمام حضراتكم؛ بقلوب مزقها الألم و عقول أذهلها الجرم و نفوس أفجعها القتل و انتابها الرعب و سكنها الخوف من هول الأمر.
جريمة قتلٍ عمدٍ بفكرٍ خبيثٍ و مكرٍ و دهاءٍ شديدٍ و عزمٍ و إصرارٍعنيد و تنفيذ فريد و خلاص أكيد دون دماء تسيل بطعن سكين أو بخنق لجيد.
جريمة قتل عمد لم يجد فاعلها عناء ولم يكابد شقاء ؛ فارتكبها اعتماداً على سلطانه كونه أباً لضحيته و ساعده في ذلك استغلاله لبراءة نجلته فلذة كبده.
جريمة قتل عمد يندى لها الجبين و يحزن من أجلها الإنسان ذو القلب الرحيم و العقل الرشيد ؛ جريمة قتل عمد تجسدت فيها الخيانة لأمانة الله و الجحود لنعمة الله و التفريط في روح من أوراح الله.
جريمة قتل عمد تمت في صمت رهيب فالمجني عليها طفلة غريق في يم غزير.. وسط موج جارف عتيد ؛صارعت معه الموت البطئ الي أن غمر جسدها الماء الكثيف ؛ و انقطعت أنفاسها و توقفت نبضاتها و فاضت روحها و فارقت حياتها ؛ موؤدة معها برائتها وطفولتها ..
مطهرة بإذن ربها من كل فعل سوء؛ ومبرئة من كل قول زور؛ و مشمولة بصفح و غفران من الرب المنان.
المتهم تجرد من معاني ومشاعر الأبوة الممزوجة بالرأفة والإنسانية
وتابع «عز العرب» واما عن المتهم مرتكب تلك الجريمة النكراء فهو يزعم أنه والد الضحية – و حقاً إنه مزعوم ذلك فلا ينسحب عليه وصف الأبوة – قد بلغ العقد الخامس من العمر (42 سنة ) – تزوج منذ تسعة عشر عاماً ورزق بذرية نحسبها طيبة – فكان له حظاً من البنات فولدت له المجني عليها / شهد و صار عنده من البنين نجله / زياد – لكنه باء بفشل في القيام بدور الأب المسئول و ترك زمام الأمور و تجرد من كل معاني و مشاعر الأبوة الممزوجة بالرأفة و الإنسانية .. حتى بلغ به الفكر أن يدبر لقتل البنت عقاباً لها على ما أخطأت و أذنبت من دون تحقق و تثبت فيما اعتقد و ظن .
فأيُّ قلبٍ هذا الذي تجرد من الرحمة حتى قسى على فلذة كبده؟
وأيُّ عقلٍ هذا الذي أظلم حتى أباح قتل ابنته، تلك التي كان يجب أن تكون موضع الرعاية والحماية؟
سيدي الرئيس لقد حرم الله القتل تحريمًا قاطعًا، فقال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ صدق الله العظيم
إننا اليوم لسنا أمام جريمة عادية، بل أمام مأساة إنسانية تهتز لها القلوب قبل أن تنتفض لها نصوص القانون.
أبٌ كان الأولى به أن يكون حضناً دافئاً لابنته، و ملجأ آمناً لها ، فإذا به يتحول إلى قاتل غادر.
لقد جعل المتهم من نفسه التي خُلقت للرفق دافعاً مسبباً للهلاك، ومن أبوته التي جعلها الله رحمةً ومودة طريقًا للجريمة والعدوان.
فأيُّ جريمةٍ أبشع من أن يتحول الأب من مصدر أمان إلى مصدر فزع، ومن ملجأٍ للطفلة إلى نهايةٍ لحياتها؟
تحليل لشخص المجني عليها و المتهم وبيان العلاقة بينهما.
الضحية.. طفولة ضائعة
واستعرض المستشار محمد عز العرب –" وكيل النائب العام" –"نيابة شبرا الخيمة أول الجزئية"، سيرة المجني عليها هي الطفلة الشابة / شهد عماد الدين سمير احمد – ذات السبعة عشر عاماً ولدت نتاجاً لزيجة لم تنعم و لم تهنأ بالاستقرار و لم تعرف التقارب و التآلف الأسري .. مفتقدة للمودة و الرحمة .. غالباً عليها السلبية و الإهمال خصوصاً من الأب الذي تناسى ما شرفه به رب العباد و ما أناطه به الشرع من مسئوليات عن رعاية الأبناء بتوجيههم لما فيه الصواب و بما ينجو بهم الي بر الأمان و يحقق لهم السلام .
فالمجني عليها منذ نعومة أظافرها افتقرت الي حنان أبيها فلم تلق منه إلا قسوةً و جفاءً و هجراً.. و ما وجدت منه عطفاً و لا رأفة ؛ و لم تحظي منه بنصح أوتوجيه أو إرشاد تاركاً إياها .. شريدة العقل .. ضعيفة الفكر .. مكسورة الخاطر .. جاهلة بحاضرها و مستقبلها .. هائمة على وجهها في زمان يعج بالمفاتن و المفاسد و الاهواء حتى صارت صيداً مستساغاً لأصحاب النزوات و الشهوات ؛ فدفعت بها الظروف المحيطة للسقوط في الهاوية لقلة وعيها و تدني رعايتها و غياب رقابتها في فترة مراهقتها إلي أن ارتكبت ذنباً تجهل عاقبة أمره.
و لا شك أن المتهم الماثل أمامنا كان ظلمه و تقصيره غير المبرر سبباً رئيسياً فيما أصاب المجني عليها من وهن فكري و أخلاقي؛ فهي ضحية من قبل تاريخ نشأة دعوانا حينما وجدت نفسها في بيئة سامة مضطربة ؛ فقد أهمل الأب تنشأتها و إصلاحها و تقويمها و أغفل دوره الأبوي في احتضانه لها و إكرامها و إعزازها وحمايتها و صون عرضها و حفظ حيائها و عفافها فغدت في قضيتنا ضحية لمرة أخرى لكن إذ بها فارقت الحياة على يد من استأمنه المولى عزوجل على روحها و كفله رعايتها وكأنه لم يبلغه يوماً ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته .. و الرجل راع في اهله و هو مسئول عن رعيته "
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين"وأشار بأصبعيه.رواه صحيح مسلم.
المتهم.. إهمال ثم انتقام
وعلى الجانب الآخر، وصف ممثل النيابة القابع في قفص الاتهام ذاك المدعو/ عماد الدين سمير أحمد الماثل في قفص الاتهام ؛ كان يفترض فيه أن يكون أباً حنوناً عطوفاً كريماً حليماً رحيماً بإبنته التي رزقه الله بها لتكون قرة عين له و سبيله لدخول الجنة بحسن رعايته و تربيته لها ؛ إلا أن شيطانه أغواه و أعماه و أنساه ذلك الواجب و التكليف ؛ و حينما أدرك ما حل بنجلته من سوء لم يبادر لإنقاذها و الأخذ بيدها واحتضانها و إفهامها و تقويهما و ضبط سلوكها و معالجة خطئها و مداركة فعلها و سترها و حفظ كرامتها..
بل سارع بالحكم عليها و نهرها و زجرها و ضربها و إهانتها و بدلاً من أن يبحث و يتحقق من الأمر ويصحح الوضع.. اكتفى بما أشاعه و أذاعه البعض من غير سند و لا حدث بيان و لا شاهدعيان واختار بحر إرادته الانتقام إرضاء لنفسه و إخفاء لما ظن أنه عاره .. معتقداً ان بقتله للمجني عليها قد أزال و أذهب الشكوك و الظنون التي طاردته و راودته متناسياً أن الضحية هي شهد التي من صلبه و رحمه و أجمل نعم ربه .. فقاده فكره الضال العقيم و عقله المتجمد و قلبه المتحجر و مشاعره المتبلدة و نفسه الخاوية من الإيمان الي ارتكاب أبشع و أفظع الجرائم ما نهى الله عنها وهي قتل النفس البشرية حيث قال رب العزة جل في علاه:
بسم الله الرحمن الرحيم وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ... صدق الله العظيم.
الوقائع والأحداث
السيد الرئيس .. السادة القضاة الأجلاء دعونا سيادتكم نستعرض الواقعة بإيجاز في رحابكم المقدس لنكشف للحاضر و الغائب و القاصي و الداني مدى عظم الجرم و فظاعته ؛فإننا اليوم أمام جريمة ترتجف لها القلوب و تتألم لها الضمائر ؛ جريمة ارتكبها أب قاس القلب كان المفترض أن يكون مأمناً و ملاذاً ؛ فإذا به يتحول الي قاتل بدم بارد ؛ بلا رحمة و لا شفقة و لا ذرة إنسانية .. فالمتهم في واقعتنا لم يرفع سلاحاً بيده و لم يدس سماً ؛ لكن كانت كلماته و أفعاله أشد فتكاً ؛و جعل من سلطته الأبوية أداة ضغط قاسية ؛ فأمر ابنته بإلقاء نفسها في عمق المياه موهماً إياها بغسل العار ؛ فهذه الدعوى لا تتعلق بخطأ عابر و لا بثورة غضب و لحظة انفعال بل تتعلق بإهمال طويل في الرعاية كانت تعانيه الفتاة الشابة المجني عليها .. تلاه قرار أخطر .. قرار التخلص .. فالمتهم أهمل ابنته و تركها دون توجيه أو احتواء ؛ فلما اكتشف ما ظنه سوء سلوك منها .. لم يلجأ إلي الاصلاح و لم يسع الي التقويم بل ساقها الي الماء و أجبرها على النزول فيه و تركها تصارع الغرق و تنازع الموت وحدها حتى ابتلعها اليم .. نقف اليوم أمام جريمة لم يشهر فيها سلاح و لم تسفك فيها دماء بيد مباشرة و لكنها سفكت بكلمة و ازهقت بروح دفعت دفعاً الي الهلاك .. فالمتهم لم يمد يداً ليغرق ابنته لكنه مد لساناً مسموماً و حرض و ضغط وقسى و طغى و أذل و أرهب و أخاف و غدر و خان حتى جعل من الماء مفراً و من الغرق مهرباً و من الموت خلاصاً فإليكم سرد القصة المأساوية.
تعود الأحداث الي ما سبق يوم واقعة قتل المجني عليها بيومين ففي ليلة يوم السبت الموافق التاسع عشر من شهر يوليو من العام الماضي حلت الفاجعة على أسرة المجني عليها حينما أخبرت الأم بنبأ تداول صور و مقاطع فيديو مسيئة لنجلتها ماسة بشرفها كانت محادثة هاتفية عابرة من مجهول لكن لها أصداء وكان وقعها على سمع الأم صعباً أليماً ترج القلب رجاً لجللها ؛ فما كان من الأم المسكينة إلا أن سارعت للاستفهام من ابنتها و التحقق من هول ما سمعت فأجابتها ببراءة الطفولة " دي كانت غلطة" لكن سرعان ما أذاع أحد شياطين الإنس الأمر فعلم به أهليتها من الأعمام الذين حضروا لاستجلاء الأمر فإذ بهم قد صعقوا و صبوا على الفتاة المسكينة غضباً و لوماً و تأنيباً و سباباً و استنكاراً و استهجاناً لها حتى أن أباها أنهال عليها ضرباً مبرحاً لدرجة أن اصابها بكدمات في الوجه.
أيعقل أن تواجه الابنة الضعيفة كل هذا الألم النفسي و الجسدي لمجرد أن ارتكبت خطأ بشبابها الطائش و ليت الأمر كان يستدعي كل هذا العدوان فهي كما تردد في التحقيقات صور و مقاطع فيديو التقطتها الفتاة بنفسها
لكن لعدم تمييزها الحلال و الحرام تداولت تلك الوسائط على مواقع التواصل الاجتماعي و هي لا تدرك خطر ما فعلت فالأب و الأم مغيبان عنها متنصلان عن تأدية واجبهما المنوط بهما من تربية و ترقية.
وفي صباح اليوم التالي ظل المتهم لساعات تساوره شكوك و ظنون حتى طغى عليه التخمين فصار هو حكم اليقين وأعرض عن التفكير لإيجاد حل جذري و ولى شطره مسارعاً بالتنفيذ لما تفتق إليه ذهنه و ما اعتقده صدقاً و ارتأه حقاً مقرراً إزهاق روح نجلته.
لحظة الجريمة
أخذ المتهم" والد المجني عليها" يفكر ملياً في هدوء و روية كيف ينهى حياة الفتاة المسكينة ليتبرأ منها و ليطهر نفسه ممن اعتقد أنها عار عليه و آمن أن قتلها قد صار محللٌ له فبعد أن عقد النية و صمم على قتل المنية اختلق حيلة لينفرد بالضحية فطلب منها مرافقته لتوقيع كشف العذرية رافضاً اصطحاب أحد معها وبالفعل أتم ما خطط و دبر له فترجل صحبة المجني عليها التي سلمت أمورها إليه لا تتوقع منه غيلة أو غدراً و ذلاً أو إكراهاً.
فأخذ المتهم القاتل الغادر يحاورها طول الطريق فما كان من الطفلة إلا أن وثقت فيه و أمنته فهي تعلم أنها بصحبة أبيها من سيحنو عليها و ينجيها من ذل العار و يؤيها فئذ به يهددها بالقتل و يدفعها للموت و يسوقها نحو اليم وهي تردد له بُصدق وُ طُهارة قُلب "ُ أُنت هُتموتني وُ تُخش اُلسجن" "أُنا مُشُُ عايزك تُخش اُلسجن بُسببي " تلك طفلة كان فؤادها كأفئدة الطير تجيب و تتكلم بكل براءة.
و هذا المجرم العتي الذي أراد قتلها و دبر موتها لم يفكر و لو لحظة في أن يأخذ بيدها ليصلح من شأنها ويبدل حالها انتهز المتهم قربه من المجر المائي الكائن بمنطقة مسطرد ( ترعة الاسماعيلية ) فاقترب بالمجني عليها من شاطئ اليم و أشار إليها بالنزول الي عرض الماء دافعاًُ و آمراً و مكرهاً إياها و محرضاً لها على غمر نفسها في عمق المياه مستنداً في ذلك لسلطته الأبوية وما تمنحه من القوة و السطو.. فأمرها المتهم العتي بإلقاء نفسها في اليم و ظل يراقبها عن كثب متجاهلاً استغاثاتها متلذذاً بما تعانيه من سكرات الموت.
أب يدفع ابنته للهلاك
تلك واقعة قتل عمد ارتكبها فلم يزهق فيها روح المجني عليه بطعنة بسيف بل بصمت قاتل و ترك مهلك أب يدفع ابنته للهلاك بالنزول في الماء و يبصرها تصارع الموت تتشبث بالحياة كما تتشبث الوردة بآخر خيط من الندى ؛ فلم يمد لها يداً و لا نجداً بل ترك المياه تقوم بما انتوى هو فعله بيديه.
فأي قسوة تلك التي تبدل الرحمة جفاء و اي ظن ذاك الذي يتحول حكماً فيصبح الشك دليلاً ويجعل الريبة سيفاً و الصمت جريمة؟ و كأن عيناي تبصر المشهد المؤلم و أرى شهداً وهي في خضم اليم تستصرخ القاتل
أبتاه.. أبتاه سامحني.. اعف عني..خذ بيدي
ارحم ضعفي.. و قلة حيلتي ناظرة إليه بدموع منهمرة و جسد مرتجف تستعطفه و تستنجده أن يرأف بحالها و يبقي على حياتها.
و ها هي المسكينة تحدث نفسها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة فاقدة الأمل و الرجاء و تودعنا باكية شاكية لنا ممن ظنت فيه الأبوة و الرحمة فوجدت منه القسوة و الغلظة:
أهذا أبي الذي كفلني و رباني!
أهذا أبي الذي كان ظلي و آماني!
أهذا الذي كان يحميني و يأويني!
لماذا يؤذيني و يرديني في الماء غريقاً؟
لماذا يعذبني و يخذلني و لا ينجيني؟
فما كنت أرجو منه إلا رحيل بسلام و إحسان وداع.
وأوضح «عز العرب» لم يكن ذلك مجرد غرقٍ في ماء، بل كان غرقًا في قسوةٍ لا يقرها قلبٌ ولا يبررها عقل، لم تكن تلك لحظة غرقٍ عابرة... بل لحظة خذلانٍ كاملة، فتاةٌ تصارع الماء وأنفاسها تتقطع ويداها ترتفعان طلبًا للنجاة.
رفعت عينيها نحو أبيها.. نحو من كان يجب أن يكون لها الأمان.
نظرةٌ واحدة كانت كافية.. نظرة استغاثةٍ من ابنةٍ إلى أبيها.
لكنها لم تجد منه يدًا تمتد.. ولا قلبًا يرق.
بل ظل واقفًا... يشهد الغرق في قبول و رضاء تام ... ويرى الحياة تنسحب من بين يديها لحظةً بعد لحظة.
فلم يمسك بيدها لينقذها و جعل قلبها مكسوراًو لم يفتح لها باب التوبة و الستر بل ساقها الي باب الموت و الفضح فتاةٌ ضعيفة زج بها الي الموت زجاً ؛ تحاول أن تتشبث بالحياة كما يتشبث الغريق بخيط الضوء الأخير، والماء يعلو من حولها، والرهبة تعصف بقلبها، وعيناها تبحثان في الوجوه عن نجدةٍ أو رحمة.
رفعت بصرها إلى أبيها... إلى من كان يجب أن يكون لها نجاةً وسندًا، فإذا به يقف سعداً مسروراً بمأساتها، لا تمتد يدُه لإنقاذها، ولا تتحرك فيه مشاعر لرحمتها و نجدتها.
كانت نظرتها إليه ليست صرخة استغاثة فحسب، بل كانت سؤالًا موجعًا: أين أبي الذي يحميني؟
لكن الصمت كان جواباً... صمتٌ أقسى من الماء الذي كان يذهب أنفاسها لحظةً تلو و الأخرى تلوّحت يداها فوق سطح الماء كأنهما تكتبان في الهواء آخر رسالة:
يا أبي... أنقذني.
يا أبي .. سامحني و ارحمني.
غير أن المتهم صم الآذان عن النداء و رفض التحرك للنجدة و الإنقاذ،فكان الماء أسرع في الجواب.
ثم خبت الحركة، وسكنت اليدان، وغابت الملامح تحت الماء...لتبقى الحقيقة شاخصة أمام العدالة: أن طفلةً قتلها أبوها غدراً بجعله من الماء أداة جريمة، فاختار أن يتركها للموت وهو مقدر ذلك و موقن به.
مجرم قتل أقرب الناس إليه
سيدي الرئيس الماء كان أرحم من قلبٍ جاف لم يتحرك فاحتضن جسد الفتاة الصغير و غرقت الطفلة المسكينة شهد وبقيت الحقيقة وحدها: أن الابنة شهد كانت تستغيث بأبيها... فتركها تغرق.
وكأن الرحمة انتزعت من قبله فصار صخراً جامداً متجرداً من كل إحساس و شعور فالانتقام كان فكره و مبتاغاه و عقله حاضر متبصر غير مستنكر ما طلب و أراد فظل واقفاً مشرفاً يناظر صراع ابنته مع الماء فلم يرق قلبه و لم يكن كبني الإنسان بل غدا كمارد شيطان و ما بارح المكان إلا و الجثمان قد انغمر و استقر في الماء و انجرف مع التيار.
و هنا أيقن أنه أتم جريمته كما فكر و قدر ثم سرعان أن غادر المكان غير نادم و لا آسف و لا متألم و لا موجوع و لا مجروح و لا محزون على فراق ضناه و كأن شيئاً لم يكن فلم يتحرك وجدانه أو تحزن نفسه فهو مجرم قاتل .. قتل أقرب الناس إليه.
الابنة الكريمة/ شهد .. رحمها الله و غفر لها و لعل الله عز وجل اصطفاها لينقذها من حياة بائسة مع ذلك القاتل الذي تجرد من كل معاني و أخلاق و صفات الأبوة و الإنسانية.
سيدي الرئيس السادة القضاة الكرام أصحاب المعالي أساتذتنا الفضلاء كانت تلك هي واقعة دعوانا التي أوجعتنا و آلمتنا و أحزنتنا .. فكان من الصعب علينا أن نمر عليها مرور الكرام لخطورتها .فنحن امام جريمة تأبها الإنسانية و لا يعرفها العدل و لا يقرها الشرع لأن المجرم فيها هو أب كان يتعين عليه أن يكون ملاذاً فصار قاتلاً.. شك ... فاستبد به الشك و توهم .. فصار الوهم عنده يقيناً، أب كان يفترض ان يكون ظلاً ظليلاً ليحمي .. فئذ به ريحاً عاصفاً و ضغطاً خانقاً و صوتاً دافعاً الي الهاوية حرض ابنته بكلمة قاسية و أثقل روحها بظن جائر وأوهمها أن الماء هو السبيل لتطهير نفسها مما أدعاه أنه عار.. فخيل اليها أن ذلك أهون من نظراته المشؤمة
وايقنت أن الغرق أرحم لها من قسوته.
فأي أبوة هذه التي تحرض و تقتل بدل أن تصلح؟
و أي شك هذا الذي يتحول الي حكم لا دليل بين؟
شك في سلوكها .. فأفسد سلوكه هو و أتي جرمه
وتوهم عاراً .. فصنع بنفسه عاراً لا يمحى.
أب ظن أن الماء يغسل العار.. فجعل منه أداة كسيف صامت
المتهم لم يلق بالمجني عليها بيده في اليم لكنه ألقاها بضغطه و إذلاله لها و تهديده ووعيده و لم يدفعها بجسده لكنه دفعها بكلماته المسمومة
فكانت تلك الكلمات أثقل ما يكون على الصدر من الصخر وأشد من التيار ظن المتهم أن الماء سيغسل ما توهمه من العار فإذا به يغرق في ندم أبدي و يحمل في عنقه وزراً و ذنباً أزلي لايغسله ماء و لا يمحه زمان فالعار لا يزال بتحريض و الشرف لا يصان بتقتيل أب ظن أن الماء يغسل العار .فجعل منه أداة كسيف صامت و جعل من شكه و ظنه في سلوك نجلته غطاء و من روحه الظالمة آمرة بالشر
فأغرق في الماء الشرف قبل أن يغرق الجسد فوجه ابنته بإلقاء نفسها في المياه أمام عينيه ووقف على الضفة قاسياً و تركها تصارع التيار .. و تصرخ فلا منقذ أو مجيب ينظر إلي أنفاسها تتلاشى كأنها لسيت ابنته وليدته وليست قطعة من قلبه بل أراد أن يمحها من ذكراه فما تولى عنها إلا بعد أن كان الغرق آخر الصفحات من حياتها.
المتهم القابع في قفص الاتهام أراد أن يزعم للناس أن موت نجلته " شهد " و غرقها كان قضاء و قدراً محتوماً ؛ و أنه حادثاً طبيعياً مألوفاً .. و ليس جرماً مفعولاًفأي قلب هذا الذي يقف على شاطئ يتحمل مشهد مصارعة الغرق؟
و أي عار هذا الذي يزعم أنه يغسل بالغرق؟
و أي شرف هذا الذي يقوم على إغراق البراءة؟
السيد الرئيس .. السادة القضاة الأجلاء إن المتهم المدعو عماد الدين سمير احمد .. الماثل أمامكم .. قد ارتكب واقعة تقشعر لها الأبدان و يشيب من هولها الولدان و تنكسر عندها معاني الأبوة قبل أن تكسر القوانين.
فهو أب كان أولى به أن يكون طوق نجاةو كان عليه أن يمد يد الإنقاذ كان يد التخلي و ترك نجلته ضحية الموج و التيار لم يكن ذلك حادثاً عابراً .. و لاقدراً مفاجئاً .. بل كان قراراً مدبراً .. و صمتاً قاسياً
و انتظاراً بارداً منه حتى تخبو الأنفس و تغيب و تفارق الحياة ظناً منه أن الماء يمحو العار و أن الأمواج تطوي الشبهة فإذا بفعله يفقده آخر ما تبقى من إنسانيته و يترك خلفه ما لا يذهبه ماء و لا يخفيه تيار و لا يستقر بقاع ترك خلفه جريمة تلفظها المياه إذ لا تستقر في الأعماق.
ظن المتهم أن بفعلته يقطع دابر العار فقطع حبل الأبوة توهم انه يسكت الألسنة؛ فأطلق صرخة و ألم فراق حاضران لا ينقطعان ظن أن الامواج ستطوي الحكاية و أن الأعماق ستخفي الحقيقة فإذا بها تلفظ الجثة وتروي القصة فالعار لا يمحى بجريمة
و الشرف لا يصان بقتل و لا شك أن من ترك فلذة كبده تغرق غرق قبلها في قسوة لا قرار لها و العدل لا يقام على الظنون و الروح لا تستباح بالتخمين
و من جعل الشك قاضياً . جعل من نفسه جانياً
أدلة الدعوى
السيد الرئيس .. السادة أعضاء الهيئة الموقرة ننتقل لطرح أدلة الدعوى التي تُعدّ عماد الفصل في النزاع، إذ إن القضاء الرشيد لا يقوم إلا على ما يثبت في الأوراق، ويستقيم مع صحيح القانون.
وأدلتنا المعروضة بين يدي عدالتكم مترابطةٌ متكاملة، يكمل بعضها بعضًا، وتؤدي في مجموعها إلى نتيجةٍ منطقيةٍ منضبطة، وفق القواعد القانونية المستقرة.
الأدلة القولية
و على رأسها إقرار المتهم صراحة بارتكابه الواقعة ؛ فقص علينا و روى لنا من أنبائها ما تيقنا به صحة إسناد الاتهام له. "إذ أقر بإنه أوهم نجلته باصطحابها للكشف عن عذريتها فاقتادها من مسكنه و حال مروره بالقرب من المجرى المائي ( ترعة الاسماعيلية) ساوره الشك بعد حديث مطول دار مع نجلته أنها ثيب ؛ فأمرها أن تلقي بنفسها في المياه وهو عالم بكونها لا تجيد السباحة وظل يراقبها وهي تصارع الغرق في الماء إلي ان غمر جسدها و أيقن وفاتها.
ثم يأتي من عقب ذلك ما قرر به شهود الإثبات و في ذلك نستشهد بما ردده الابن الصغير " زياد" شقيق الضحية حينما استفهم من المتهم عن سبب تغيب شقيقته فأجابه المتهم بجبروت "رميتها في بحر مسطرد و موتها و قالتلي قول لزياد يسامحني و هنتقابل في الجنة" ... و إن لن نستطرد فيما حوته الأوراق من اعترافات و إقرارات نطق بها المتهم أو أقوال رددها الشهود ؛ فالمحكمة قارئة متفحصة و مطلعة على ما حوته ثنايا السطور و مستشعرة مدركة كم الألم و الحزن الذي ملء القلوب على فراق تلك الفتاة الشابة.
الأدلة المادية
فقد أجرت النيابة العامة المعاينة على مسرح الواقعة و طالعت إحدى عدسات المراقبة التي أظهرت حقيقة الواقعة و قد تبين بالمعاينة أن الجثمان استخرج من داخل المجري المائي بالضفة اليسرى من ( ترعة الاسماعيلية ) و هي الجهة المقابلة لشركة النشا و الجلوكوز الكائنة بمنطقة مسطرد وقد تطابقت المعاينة مع ما أدلى به المتهم بالتحقيقات من تحديده و ذكره لمكان وقوع الحادث.
الأدلة الرقيمة
حصلت النيابة العامة دليلاً آخر يثبت صحة الواقعة من خلال مطالعتها لمقطع فيديو مرئي التقطته إحدى كاميرات المراقبة المعثور عليها بمحيط مسرح الواقعة أظهر اصطحاب المتهم للمجني عليها و ترجله رفقتها بالطريق العام متجهاً بها نحو المجرى المائي ( ترعة الاسماعيلية) ثم توقف بجوار مياه اليم ووجه المجني عليها بإلقاء نفسها وظل يتابعها إلي ان تيقن غرقها ووفاتها.
الأدلة الفنية
و تتلخص فيما أنتهى إليه تقرير الصفة التشريحية من إن وفاة المجني عليها/شهد عماد الدين سمير – تعزى نتيجة لاسفكسيا الغرق و ما صاحبها من فشل بوظائف التنفس و توقف عضلة القلب و التي أدت لوفاتها .
القرائن
و هي التي تمثلت فيما انتهت إليه تحريات جهة البحث الجنائي على نحو ما شهد به مجريها من قيام والد المجني عليها وهو المتهم المدعو/ عمادالدين سمير احمد بالتعدي على نجلته / شهد - رحمها الله- ضرباً و إجبارها على إلقاء نفسها بمياه ترعة الإسماعيلية و تركها لتغرق ثم توجه بعد مرور اليومين الي مكان غرقها ليجدها جثة هامدة و أعزت قصده من ذلك قتلها عمداً على إثر ما ثار في نفسه من ظن وشك في مسلكها.
حديث القانون
السيد الرئيس .. السادة قضاة الحق و العدل أنتم حراس الشرعية، وسدنة القانون، وأمناء الضمير القضائي، بكم تُصان الحقوق، وتُردّ المظالم، ويعلو سلطان النظام.
إن عدالتكم ليست كلمات تُتلى، بل مبادئ تُحمى، وأحكام تُبنى على يقينٍ راسخٍ وحجةٍ دامغة،
فالحق عندكم لا يُقاس بالصوت العالي، بل بالدليل الثابت، ولا يُنال بالعاطفة الجياشة، بل بالنص الصريح والتكييف الصحيح.
لذا فإننا من هذه البقعة الطاهرة المباركة .. استئذن هيئتكم الموقرة في أن أسلط الضوء على أحداث تلك الواقعة من خلال إنزال بعض من مبادئ و أسس القانون الجنائي التي تدارسنها على أيدي حضراتكم؛ فنحن أمام جريمة قتل عمد؛ أركانها مكتملة ؛ و قصدها واضح وفعلها محقق بالوقائع و الأدلة و القرائن.
فالحقائق تشير إلي أن المتهم – وهو والد الضحية – حرض ابنته على إلقاء نفسها في المياه و أجبرها على ذلك و تركها لتصارع الموت وحدها أمام عينيه مما أدى حتماً إلي وفاتها نتيجة للغرق.
فما نود الإشارة إليه أنه قد توافرت في هذه الدعوى أركان جريمة القتل العمد كاملة غير منقوصة .. فوفقاً لما تعلمناه و فقهناه و نهلناه من فيض بحور علمكم الزاخرة؛ نجد أن الركن المادي لجريمة القتل العمد اكتمل عندما أصدر الجاني فعلاً مباشراً أو حثاً يؤدي بل ويدفع إلي إزهاق النفس.
وكما نجد في دعوانا تلك أن الركن المعنوي وهو القصد الجنائي واضح و متوافر لا محالة بعنصريه من علم و إرادة و قد صاحبهما التصميم على النتيجة وهو ما يظهر جلياً في ترك الأب لنجلته تغرق بعد تحريضه لها وهو عالم متيقن بحتمية موتها لعدم قدرتها على السباحة في المياه العميقة مما يدل على أن هناك قصد مسبق ونية مبيتة ثابتة و تصميم على قتلها، فلسنا امام ضعف لحظة و لا انفعال ساعة ، بل أمام عمد واضح ، و إرادة اختارت ان يكون اليم أداة القتل ، و أن يكون الصمت شريكاً و أن تكون النهاية موتاً محتوماً.
ونؤكد لحضراتكم أنه قد وقر في يقين النيابة العامة بعد بحث و تدقيق و تحقيق جاد في الواقعة أن المتهم لم يأت فعلته في ثورة غضب خاطفة ؛ و لم يكن فاقداً الوعي بل تدرج من الشك الي الاتهام ؛ ومن الاتهام الي الإدانة ؛ و من الإدانة الي الحكم ؛ حتى نصب من نفسه قاضياً واعتلى منصة وهمه جلاداً فأصدر حكماً لا يملكه و نفذ عقوبة لا يقرها شرع و لا قانون ..
و حري بنا أن نشير الي أنه و إن حُجِمت المسئولية المباشرة عن الجريمة المادية بمعنى انه " أنه و إن لم يرتكب المتهم الفعل الإجرامي بيديه ؛ فإن القانون يعاقب على التحريض و المشاركة في الجريمة ؛ إذ ان تحريض شخص على قتل نفسه أو دفعه الي الموت بوسائل معينة يعد فعلاً جنائياً متكاملاً و يحقق الركن المعنوي للجريمة و يؤكد على العمدية و الإصرار.... فالتحريض على القتل قتل و الدفع الي الموت جريمة فما بالكم إذا كان المحرض القاتل أباً و كيف إذا كانت الضحية ابنته التي كان يفترض أن تكون في كنفه و أمانه؟
لقد استغل المتهم سلطته الأبوية واستعمل قسوته سلاحاً و بث في نفس الفتاة البريئة الخوف من العار ووجها لأن تلقي بجسدها في النهر فأي أب هذا الذي بدل النصيحة قهراً؟
و الستر فضيحة و ذلاً و الاحتواء ضغطاً و الرحمة قسوة إن الشك في السلوك لا يبرر كلمة جارحة و لا يبيح سباً و لا يجيز قهراً فكيف يبرر دفعاً الي الموت ويجيز إزهاق للروح و حتى لو افترضنا جدلاً – وجود خطأ فالخطأ يعالج بالحكمة لا يعاقب بالإغراق و لا يطهر بالقتل لقد توفر في حق المتهم قصد واضح و استغل وسيلة ضغط مؤثرة
و علاقة سلطة جعلت من كلمته أمراً و من تحريضه تهديداً و من صمته بعد التنفيذ رضاء بالموت إنها لجريمة مكتملة الأركان تحريض مباشر و رابطة سببية واضحة و نتيجة مأساوية أودت بكارثة إنسانية فلسنا أمام موت عارض ساقه القدر و لا أمام اندفاع طائش لفتاة ضعيفة بل أمام إرادة مصممة مارست ضغطاً و أحكمت حصاراً حتى دفعت نفساً بريئة قطع عنها الرجاء و أصابها اليأس من شدة ما أصابها من فزع الي أن تنزل في وسط الماء مكرهة على ذلك فسلمت حياتها خائرة قواها أمام تيار عنيف بعد أن سلبت و قطعت و منع عنها سبل الغوث و النجدة.
فالمتهم قتل المجني عليها بقهر متواصل و تهديد مبطن و إذلال مستمر و استغلال منه لسلطة كان يجب أن يجعل منها درع أمان لا سوط عذاب.
واستكمل المستشار محمد عز العرب –" وكيل النائب العام" –"نيابة شبرا الخيمة أول الجزئية"، قائلا السيد الرئيس حين تتحول كلمة الأب الي أمر لا يعصى و نظرته الي اتهام لا يدفع و شكه الي حكم لا يراجع تصبح الضحية محاصرة بين نار الخوف و ماء الهلاك لقد شك في سلوكها فجعل من ظنه وشكه يقيناً و من يقينه دليلاً و من دليله سنداً لإدانة و من الإدانة عقوبة لا يملك توقيعها وإقرارها
فقد مارس المتهم على المجني عليها ضغطاً نفسياً قاسياً مرعباً قاتلاً ضيق عليها الخناق و اشعرها بإن الحياة مستحيلة و أن الموت أهون من العيش تحت سيف الشك فهل يكون من يدفع غيره الي حافة الماء بريئاً إذا قفز؟
وهل يعفى من المسؤولية من هيأ المناخ و وجه الي الماء و ألقى في النفس اليأس حتى صار الغرق أمر محتوماً و أشرف على الإغراق و منع وحجب وأحال من الإنقاذ.
سيدي الرئيس القانون لا يعاقب اليد وحدها حينما ترتكب الجرم بل يحاسب و يعاقب الإرادة التي تحرك و الضغط الذي يكره و التحريض الذي يدفع متى ثبتت الرابطة بين الفعل و النتيجة و في هذه الواقعة الرابطة واضحة و القصد قائم و الضغط ثابت و النتيجة مأساوية لا تقبل التأويل لقد خان المتهم الامانة و سخر الولاية سلاحاً أن العدالة اليوم لم تأتي لتنتقم بل لتحمي مبدأ عظيماً هو ان الأبوة امانة و الولاية مسئولية وليست رخصة لهيمنة و لا حصانة من مسائلة ولو جاز لكل أب أن يجعل من ظنه سيفاً ومن سلطته منصة تنفيذ و تنكيل لا نهارت البيوت و سفكت الدماء و نحرت الرقاب ووأد الأبناء تحت لافتات زائفة.
و نحن اليوم نرسخ مبدأ في غاية الأهمية
هو ان الأبوة مسئولية منظمة لا سلطة مطلقة
و أن الشك لا يجيز القهر و أن من يدفع نفساً الي الموت و الهلاك فهو في حكم القاتل المباشر لها ولو لم يمسك بأداة القتل والحياة حق مصون من اعتدى عليه قولا أو فعلا أو كرهاً أو ضغطاً فقد ارتكب جريمة كاملة الأركان نقف اليوم أمام جريمة اجتمع فيها التحريض بالفعل و الضغط بالامتناع و القسوة برؤية الموت دون ان تمتد يد الغوث المتهم لم يكن شاهداً على مأساة بل كان صانعاً لمقدماتها و محركاً لوقائعها و متقبلا و مريداً لنتائجها مارس ضغطاً نفسياً متواصلاً على ابنته المجني عليها وضيق عليها الخناق و لوح لها بالعار و صور لها أن الحياة ليست لها خيار ثم أمرها صراحة أن تلقي بنفسها في الماء.
انتهز لحظة ضعفها فأوردها مورد الهلاك
أيها السادة حين تصدر كلمة الأمر من الأب فهي ليست رأيا يناقش في جميع الأحوال و لا نصيحة تمر و تهمل بل ترقى الي ان تكون سلطة ترهب وقوة تكره لقد استغل المتهم ولايته على ابنته و استثمر رهبة مكانته عندها و انتهز لحظة ضعفها فأوردها مورد الهلاك حتى إذا سقطت في الماء لم يتحرك فيه ضمير و لم تهتز فيه رحمة بل وقف متفرجاً مستنظراً النهاية الحتمية بالخلاص الي أن أيقن أن الفتاة المسكينة فارقت الحياة و غادرت روحها الجسد لقد أهمل رعايتها منذ البداية و تركها بلا اهتمام و لا متابعة بلا دعم و لا توجيه حتى اذا تبين له حسب ظنه سوء سلوكها لم يسعى الي الاصلاح بالنصيحة و لم يلجأ للحوار بل حول خوفه من فضحه شراً مستطيراً مارس به ضغط قاسياً على فلذة كبده.
فالمتهم لم يكن في ثورة مفاجئة ؛ بل كان في لحظة قرار اتخذه عن وعي إدراك تام .. قرار بارد .. محسوب .. محسوم .. متأن ولسنا أمام حادث قضاء و قدر .. و لا أمام مأساة عابرة بل فعل مادي مكتمل و قصد جنائي واضح و اختيار متعمد بإن يكون الماء أداة للقتل.
و حيث إن الثابت يقيناً من تحقيقات النيابة العامة و ما ورد فيها من أقوال المتهم و ما أدلى به الشهود و ما حوته من أدلة وقرائن ؛ هو أن المتهم ارتكب قتلاً عمداً مع سبق الإصرار بحق المجني عليها ( ابنته) بإن بيت النية و عقد العزم المصمم على إزهاق روحها فظل يدبر قتلها مع شيطانه في صمت تام الي ان اختمر في عقله أنه يحق له إنهاء الحياة .. مستحضراً لذلك حيلته و خديعته باستدراجه للضحية من مرقدها بمسكنها .. مصطحباً لها على انفراد ليمارس عليها الجبروت و الإكراه .. و لينفذ جريمته بعيداً عن أعين الناس .. ولقد دلت الأوراق دلالة قاطعة؛ لا لبس فيها و لا غموض؛ على أن المتهم قد بيت النية و عقد العزم ؛ وهيأ نفسه للجرم و كان متخيراً الزمان و اهتدى للمكان ؛ ثم نفذ فعلته بإرادة حرة واعية مدرك لعواقبها مرحباً بنتائجها.
فأجتمع في حقه القصد الجنائي و تحقق سبق الإصرار و اكتملت عناصر الجريمة كما نص عليها قانون العقوبات المصري الذي لم يفرق في نصوصه بين قريب و غريب؛ و لا بين أب و ابن ؛ و لا بين عربي و لا أعجمي.
و ما كان القانون ليقيم وزناً لعاطفة إذا ثبت القصد.
و لا ليخفض جناحه لقرابة إذا تحقق العمد.
فالناس أمام نصوصه سواء.
و الإنسان عنده غير مهان و دمه مصان.
و الحق فيه غير مجزأ و مجاب.
و بناء عليه .. سيادة الرئيس .. حضرات السادة القضاة الأجلاء.. تكون الواقعة قد شكلت قتلاً عمداً مع سبق الإصرار فتخضع لأقصى العقوبات المنصوص عليها شرعاً و قانوناً..
فقد قال الله عزوجل في كتابه العزيز .. بسم الله الرحمن الرحيم وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ ۙ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ صدق الله العظيم.
سيد الرئيس .. حضرات السادة القضاة الأجلاء «الرد على مظنة حق الأبوة» قد يظن البعض أن ما خوله القانون لبعض الأفراد من سلطات و ما منحه لهم من رخص و ما كفلهم به من حقوق قد يبيح لهم ارتكاب الجرائم عن عمد و يرفع عنهم الحرج و يمنحهم العذر المخفف للعقاب ؛ لكنه و بالتطبيق على واقعة دعوانا التي قد يظن فيها البعض أن الأب قد مارس حقه الشرعي و الأدبي ؛ فنرد على ظنهم هذا بإن سلطة الأبوة – إنما وجدت لتكون سبباً في الاهتمام و الرعاية و توفير الأمان و الحنان – و لا يمكن أن تكون مسوغاً و مبرراً للإرهاب و التهديد و التنكيل و هي ليست سبباً للتخفيف في كل الأحوال ؛ خاصة إذا ما استغلها الأب أسوء الاستغلال وتجاوز بها الحدود و الأعراف و اتخذ منها ساتراً لجرائمه ضد الأبناء؛ فالأبوة ليست سلطة مطلقة وليست رخصة للبطش و للفتك و لا تفويضاً للقتل أو سفك الدم.
وأكد «عز العرب» قائلا سيدي الرئيس حضرات السادة القضاة الأجلاء و كأن آذاننا تسمع صوت صريخ و أنين من أعماق المياه ؛ و شهد تستصرخكم تطلب منكم العدل و القصاص و أن تعلنوا للناس أن الأبوة ليست سلطة للموت و لا رخصة لسفك الدم و إزهاق الروح و أن الشك و الظن لا يبرران القتل ؛ و أن العدالة لا تتهاون و أن القانون فوق كل هوى و أن في القصاص حياة و أن الحق محال أن يضيع و الروح التي أزهقت تظل صرخة في وجدان كل إنسان.
الرد على" مظنة إباحة القتل من منطلق جرائم الشرف"و قد يحاول البعض جاهدين استمالة العقول بالتزيين للواقعة و تصويرها على أنها دفاع عن الشرف و يبررون ما أتاه المتهم من قتل عمد ؛ فنرد على ذلك بمنتهى المنطق و العقل بإن القول بما يسمى " جرائم الشرف" ليس في حقيقته إلا محاولة لإضفاء مسحة أخلاقية على فعل إجرامي ؛ وهو قول لو أخذ به لا نهدمت أركان العدالة ؛ و لتحول المجتمع الي غابة يحكمها الظن؛ و يقودها الهوى ؛ و لو سكت القضاء عن ذلك لتحولت الظنون الي أحكام و لأصبح القتل مبرراً لمجرد شك مزعوم.
سيدي الرئيس لقد كذبت الأعذار و خابت التبريرات .. فليس في الواقعة فعل صدفة و لم يكن موت شهد غرقاً قضاءً و قدراً .. بل جريمة عمدية مكتملة الأركان .. قرار متخذ في بأعصاب باردة و إرادة حاسمة و تصميم مقصود و تفنن و إبداع في الختام.
و حيث إنه لا يمكن تبرير الفعل بالظن أو مثل تلك النية الزائفة و لايجوز جعل الغطاء الاجتماعي أو الأخلاقي سبباً شرعياً أو عذرا قانونياً لأي تصرف يؤدي الي إزهاق الروح.
فلا يحمى العرض بالقتل .. و لا يصان الشرف بإزهاق الأوراح
معالي المستشار الجليل أصحاب المعالي السادة المستشارون الأجلاء إننا ما جئنا لنحاكم فكرة الغيرة و لا أن نناقش مفهوم السمعة بل جئنا لنبث شكوانا من فعل إجرامي مكتمل الأركان ركن مادي تمثل في إزهاق روح بريئة من الابرياء و ركن معنوي تمثل في قصد جنائي واضح لا غبار عليه لقد كان أمام المتهم ألف باب للإصلاح فآثر باباً واحداً و هو القتل
و ما يعنينا في هذا المقام أن نقضى على تلك الفكرة الآثمة التي تجعل من الشك يقيناً و من الأبوة ستاراً لجريمة فنحن اليوم لا ننصف روحاً غابت عن عالمنا فقط بل نشدو أن ترسخ العدالة مبدأ هو أن الدم لا يباح بعاطفةو لا يستحل بدعوى و لا يمحى أثره بندم بعد فوات الآوان.
الهيئة الموقرة ما نريد أن ننوه عنه ونشير إليه بالبنان هو أن أخطر ما في هذه الدعوى ليس فقط أن فتاة في ريعان الشباب قتلت بل الخطر يكمن في محاولة تبرير القتل تحت ستار" الشرف" فالقاتل سعى لأن يشرعن القتل تحت مسمى " الشرف"
ولو سكت القضاء عن ذلك لتحول كل ظن الي مشنقة و كل شك الي مقصلة و لظن البعض أن العرض يصان بالقتل و الشرف لا يسترد إلا بإزهاق الروح لقد أدعى المتهم أنه شك في سلوك ابنته ؛ و زعم بلا دليل قاطع ما زعم و لكن القانون لا يبنى على الظن و التخمين و لا يقام على الشبهات و لا يولي اهتماماً للافتراءات و الادعاءات و لا يسمح لفرد كائناً من كان أن ينصب من نفسه قاضياً و جلاداً.
الخاتمة
واختتم المستشار محمد عز العرب –" وكيل النائب العام" –"نيابة شبرا الخيمة أول الجزئية"، نود أن تسمحوا لنا باستكمال رسالتنا التي دأبنا على حملها أبد الدهر مؤمنين بقدسيتها و موقنين أهميتها ؛ فمن مقامكم الطاهر يذاع صوت الحق و يطلب العدل دون موارة أو مخافة حساب فأممكم تتساوى الرؤوس و تتساقط رداءات الكبرياء و تعطي الحقوق لأصحابها و تؤدى الامانات لأهلها و تشفى الصدور من غليلها و تبتر الأيدي المدنسة الملوثة و تجازى النفوس المجرمة الخبيثة من جنس عملها ؛ فلا موطن للمحاباة ولا المجاملة و الرجاء الوحيد هو القصاص للمظلمة .. و لذا و حرصاً منا على أن نأخذ من واقعة دعوانا العظة و العبرة فإننا نبث حديثاً الي المتهم ثم نبعث برسائل مستفادة منها الي المجتمع لنذكر بها أنفسنا و الناس أجمعين.
حديث النيابة للمتهم
فأما حديثنا للمتهم الماثل في ساحة العدالة فنردد عليه الآية الكريمة من كتاب ربنا تبارك و تعالى :-
ياعماد .. يا عماد لقد أهلمت صغيرتك " شهد " لسنوات و تركتها دون توجيه أو احتواء فلما انحرفت – إن كان قد انحرفت-نسيت أنك أول المسئولين عنها أمام الإله الواحد الديان ألم تدرك بإن التقويم يكون بالنصح لا بالضرب و لا بالفتك!
أي عار هذا الذي تقول أنه يغسل في اليم!
و أي شرف ذاك الذي تبنيه بإغراق في الظلم!
حسبك .. حسبك كان أمامك ألف باب للإصلاح فأغلقت!
و لم تختر إلا باباً واحداً وهو القتل !
كان ينبغي عليك أن تكون ملجأ الأمان لابنتك .. فصرت لها موضع الخذلان.
أؤتمنت من الله لتكون رباً للرعية .. فتنصلت من المسئولية تركت فلذة كبدك نهباً للتيه فلا توجيه و لا تربية فلما رأيت ثمرة إهمالك .. صببت عليها غضباً و عدواناً بدلاً من أن تسقيها رحمةُ و عطفاً و إحساناً شككت في مسلكها .. و تناسيت مسلكك معها من تنحى و تجنب اتهمتها بالانحراف و غفلت انحرافك عن مسئوليتك لم يكن عارها – إن وجد – إلا مرآة تقصيرك كان عليك أن تكون لها ساتراً .. فصرت لها فاضحاً كان عليك أن تكون لها حاضناً .. فصرت لها جالداً
أقمت حكمك على ظن؟
و جعلت شكك يقينا؟
و جعلت تخمينك دليلاً مبيناً؟
و جعلت اعتقادك سيفاً مسنوناً على رقبة ابنة بريئة؟
فلم تسأل .. فأتهمت من غير برهان و لم تستوثق .. فتعجلت الحكم من دون بيان و لم تتحقق.. فأنتقمت و بؤت بخسران لقد قتلت شهد لا بدليل قائم و لا ببينة شاهدة بل بوهم عابر تغلغل في صدرك حتى صار قراراً قاسياً ألم تعلم أن الظن لا يقيم عدلاً و أن الشك لا يبيح روحاً ولا دماً و أن القلب إذا أظلم بالريبة أطفأ فيه نور الرحمة و الحكمة كان الواجب عليك أن تتروى .. كي لا تتورط و أن تتثبت ..كي لا تتهور و أن تحتضن .. كي لا تخسر و أن تصلح .. كي لا تهلك.
يا عماد .. ألم تسمع قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ سورة الحجرات، الآية 6.
و يقول الحق جل في علاه ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ۝ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾
لكن عزائنا الوحيد هو أن ابنتك نحتسبها عند الله من الشهداء فارتقت روحها الطاهرة الي بارئها وهي تصارع الموت غرقاً
فأي أبوة تلك التي تقتل بدل أن تقوم؟
و أي رجولة تلك التي تختبئ خلف روح برئ؟
ظننت أن القتل يمحو الشك!
و ما علمت أن العار لا يغسل بالقتل!
فوأسفاااه فوأسفااه يا عماد
رسالة النيابة العامة للمجتمع
وأما رسالتنا للمجتمع فهي تمس ثلاث محاور و دروس اساسية مستفادة من قضيتنا
أما المحور الأول و الرسالة الأولى : فهي خاصة بتنشئة فتيات مجتمعنا فلا نجد أبلغ و أفضل مما روي عن نبينا الهادي الأمين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في وصفه للبنات فقال " فإنهن المؤنسات الغاليات"
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَته، كنّ له حجابًا من النار يوم القيامة » فالبنت زهرة البيت ؛من يرويها بالحب و الحنان يحصد عبير الأمان.
و البنت أمانة في اليد ؛ فمن أغدق عليها العطف و الرعاية؛ غرس في حياته السعادة .
و رعايتها شرف و كرامة و زرعاً حصاده خيراً وفلاحاً في حاضر و مستقبل الأمة.
قلب البنت مرآة من سقاها رعاية فإنه ينعكس نورها على الأسرة و المجتمع بأسره.
و من اعتنى بإبنته كمن زرع في الأرض؛ نخيلاً يسقيه بالرعاية و يحصد منه الخير أجمع.
فنوصيكم بتلك الخلائق الكريمة الجملية خيراً فالرفق بهن و الصفح عنهن و الرعاية لهن والصبر عليهن و الإحسان إليهن..
و قال رسول الله صلى عليه وسلم " من ولدت له ابنة فلم يئدها و لم يهنها ؛ و لم يؤثر ولده عليها .. أدخله الله بها الجنة" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
و على الآباء و الأمهات أن يدركوا أن القضية ليست طعاماً أو كسوة أو تزويجاً فقط ؛ بل تأديباً و تهذيباًو حسن توجيه و أمر بخير و نهي عن شر واتقاء الله فيهن و لا بد من تنشأتهن في بيئة صالحة تسودها أجواء من الطمأنينة و الاستقرار تجعل منهن بنات طيبات قانتات؛ و على الأم أن تكون قدوة لابنتها فتعلمها أحسن السلوك و خير الكلام و أصوب الأفعال.
و تربية البنات تقتضي تعاون الأب و الأم معاً لتؤتي أكلها ؛ فتربى الفتاة على الصدق و العفة و المروءة و الستر و الحياء فهو حارس أمين لها من التردي في الرذائل. فالبنات ألطف الكائنات و أجمل الذريات و هن الحفيات الوفيات المؤنسات الغاليات.
و أما الرسالة الثانية التي نبعث بها الي المجتمع فهي تتعلق بخطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي و الانترنت خاصة مع اعمار المراهقة:
فينبغي أن يكون التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بحذر و قدر و أن يكون الأبناء في مأمن من قنوات التعارف و نشر الصور و الأسرار و على الأخوة الفتيات البعد عما فيه إفساد لحيائهن من مراسلة الشباب فاقدي أخلاق الرجولة و الشهامة الذين لا هم لهم إلا تلويث السمعة و النيل من الكرامة و احرصوا أيها الآباء الكرام و أيتها الأمهات الكريمات على ملء أوقات فراغ الأبناء بالنافع المفيد من نشاطات و هوايات حصانة ووقاية لهم من شر هذا الزمان .
و ليكثر الآباء من جلسات الإقناع و الحوار الأسري البناء و غمر البيوت بمشاعر فياضة من الود و الحب و الاحترام بما يبعث على الدفء و الأمان ويعطي إجابات لأسئلة البنات الحائرة و يحميهن من الذئاب البشرية و رفيقات السوء.
و أما الرسالة الثالثة فهي للجميع دون استثناء : علينا ان نحذر من الظن لإنه كما قال رب العزة جل في علاه " إن بعض الظن إثم "
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :" إياكم و الظن فإن الظن أكذب الحديث"
فسوء الظن يورث العداوة و البغضاء وهو اتهام بغير دليل فبسبب سوء الظن ترتكب الجرائم التي قد تصل الي حد أن يقتل الإنسان اخيه الإنسان لمجرد الشك و الظن و على أن الإنسان العاقل أن يتثبت من الخبر الفاسق لأنه بسبب تصديق خبر لا برهان عليه قد تظلموا أبرياء بجهالة فتندفع متهور لفعل فتقع في الندم ؛ فتثبتوا من الأمر و لا تتعجلوا الحكم و أحسنوا التصرف بعدل و اتقوا الله في أنفسكم و أهليكم و الناس أجمعين.
طلب ورجاء من هيئة المحكمة
يقول الله عزوجل في محكم التنزيل .. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا ۖ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ..... صدق الله العظيم
فنحمد الله على أن شرفنا بقضاء عدل منزه أنتم من سادته و قضاته النبلاء الأمناء الحكماء ؛ تحملون على عاتقكم رسالة عظيمة وهي الحكم بالعدل و إنزال القصاص و مكافحة الطغيان في شتى بقاع الأرض .. لا يثنيكم و لا يعطلكم عن أدائها و المضي فيها قدماً ما يحاق و يدبر و يصطنع من أهل الباطل و الشر و المكر... لذا فإننا و على وجل و استحياء و إيذاناً بما وقر في صدورنا من إيمان بدعوانا الراهنة المنظورة أمام عدلكم الموقر ؛ نترك وصيتنا التي اعتدنا أن نستودعها أمانة عند هيئتكم الموقرة؛ لثقتنا في حرصكم على صونها و إنفاذها فأنتم أهل لتلك الأمانة و خير من يؤتمن على حقوق الناس و أرواحهم .. فتحفظون عليهم أمنهم و سكينتهم بما تسطرونه من أحكام عادلة رادعة ضد من تسول لهم أنفسهم الاعتداء على الحقوق و الافتئات على الحريات و تقتصون من الظالمين المعتدين الباغين المفسدين في الأرض؛ ممن يزهقون أرواح الأبرياء و يسلبونهم حقهم في الحياة متذرعين في ذلك بأعذار واهية و أكاذيب مضللة سعياً منهم للإفلات من مأصلة العدالة؛ فمثل هؤلاء قد ختم الله على قلوبهم و سمعهم و جعل على أبصارهم غشاوة ؛ فغدوا لا يدرون و لا يدركون بإن قضائكم فطن يقظ واع لا يخدع و لا يضل بأقاويل و مزاعم باطلة و لا يتأثر بعواطف جياشة و لا يحيد عن الحق لأهواء ميالة و لا يترك لمجرمي هذا الزمان جحوراً متوارية.
العدالة يا سيادة الرئيس .. لا تصمت .. و لا تتوقف .. و لا تتوانى عن مطاردة المجرمين في كل مكان و زمان .. و بالعدالة الحق لا يسلب .. و لا يضيع .. لأن القانون يطبق على الجميع .. و بالعدالة الدم لا يستباح .. و الروح لا تستهان ..
فالشرع و القانون قد حرما و جرما قتل و سفك دم البرئ ظلماً و عدواناً .. و لم يسمح لأي إنسان مهما كانت سلطته أن يخلق لنفسه الإباحة في القتل .. و لعل من أقبح صور القتل ما استشرى في بعض البلدان من إباحة قتل المرأة على يد أهلها أو أقاربها إذا اتهمت بفعل مخل بالشرف دون رجوع لولي الأمر و لا القضاء فيقع الناس في ظلم و جور و ترتكب أفظع و أبشع جرائم القتل .. ففي قضيتنا تلك لم يكن للمتهم أن يتخذ من الأبوة مبرراً ليخرق و يقتل كريمته ؛ فلا تسامح في فعلته و إن كانت كما يدعي لدفع العار و حفظ الشرف ؛ فلم يمنح السلطة الأبوية لإزهاق حياة بريئة ؛ و لا جعل المخاوف و الأوهام وسيلة لشرعنة القتل ؛ و ما من نص في القانون يبيح و يبرر له القتل ولا وجود لعذر مخفف أقره القانون صراحة ليستفيد منه المتهم في مثل تلك الحالة الإجرامية التي نحن بصددها.
فما من شك يساور العقول أو ينازع ما استقر في الوجدان من أن المتهم الماثل قد ارتكب جريمة قتل عمد ضد من يفترض أنها فلذة كبده التي وهبه الله إياها لتكون رحمةً و جمالاً و أنساً له ؛ فغفل عنها و لم يروها الحنان و لم يمنحها الدفء و الأمان و لم يولها الاهتمام لسنين بل تركها تذبل الي حين السقوط و ما أمد يده لينقذ ما بقي فيها من إحساس برئ فسارع للخلاص و الانتقام منها فكان عليها قوي غليظ ؛ ظل يصب عليها الغضب صباً و يكرها كرهاً و يذيقها ذلاً و قهراً و يزيد جراحها عمقاً و ينزل بها رعباً و يوجعها ضرباً و يردد لها وعيداً و ينذرها عذاباً أليماً و يدبر لها قتلاً بغرق في ظلمات بليل في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج.
لذا فإننا؛ نطالب بتوقيع أقصى العقوبة على المتهم جزاءاً وفاقاً له ليكون عبرةً و عظةً لمن تسول له نفسه الإقدام على مثل هذا الجرم.
وفقكم الله وسدد على طريق الحق خطاكم
والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.