المفتي: الأزهر ذاكرة الأمة العلمية وضميرها الديني الحي    عبد الرحيم علي يتصدر «التريند» بعد ظهوره مع أسرته ببرنامج «بالورقة والقلم».. صور    بلومبرج: "أوبك+" يدرس استئناف زيادة إنتاج النفط في أبريل    الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات جديدة متعلقة ب إيران    خلاف على أولوية المرور ينتهي بمشاجرة وإصابة قائد سيارة في كفر الشيخ    نقابة المهن التمثيلية تشيد بروح التفاهم بين أحمد ماهر وياسر جلال ورامز جلال    لإسعاد أسرتك على الإفطار، طريقة عمل الفراخ المشوية في الفرن    ميرتس يدعو القيادة الصينية إلى استخدام نفوذها لدى روسيا لإنهاء الحرب مع أوكرانيا    تحذير عاجل من تغيرات مفاجئة بدرجات الحرارة خلال الأيام المقبلة    مجلس الوزراء ينعى شيخ الإذاعيين فهمي عمر    رئيس جامعة الأزهر: الأزهر الشريف منارة علم ومعرفة    أمين رياضة الشيوخ مشيدا ب كلية القرآن الكريم: قرار تاريخي يعزز ريادة مصر في خدمة كتاب الله    تقرير: الاتحاد الأوروبي يرفض استئناف بنفيكا على قرار إيقاف بريستياني    الكشف على 875 مواطنا خلال قافلة طبية مجانية بقرية أبوجازية فى الإسماعيلية    «كوكايين السلوك.. إدمان بلا حدود» حملات بالإسكندرية لتعزيز الوعي الرقمي    محافظ قنا ينعي وفاة "شيخ الإذاعيين" فهمي عمر    رفض ترك يدها.. رئيس وزراء الهند يحرج سارة نتنياهو في مطار تل أبيب    بالصور.. انهيار مي عمر لحظة وصول جثمان والدها لأداء الصلاة عليه    دنيا سامي لراديو النيل مع خلود نادر: نفسى أبطل عصبية    وزيرة الإسكان تبحث مع رئيس "التنمية الحضرية" آخر إجراءات تشغيل "حديقة تلال الفسطاط" وموقف عدد من المشروعات المشتركة    وكيل خطة النواب يطالب بالاستناد لمبادئ حاكمة في تعديل قانون الضريبة العقارية    مواقيت الصلاة اليوم الأربعاء في الاسكندرية    المفتي: المنع في الشريعة حب ورحمة لا حرمان    إنفانتينو مطمئن بشأن استضافة المكسيك لكأس العالم    السيسي يجتمع مع مجلس أمناء الأكاديمية الوطنية للتدريب بحضور مدبولي ووزير الدفاع    الرسوم الأمريكية الجديدة تعزز تنافسية المنتجات المصرية في الولايات المتحدة    اقتصادية قناة السويس تنفذ مشروع ساحات انتظار متطورة فى السخنة    ترتبط بخطط الدولة التنموية.. السيسي يوجه بتقديم برامج إعداد وتأهيل قوية بالأكاديمية الوطنية للتدريب    تركيا: لن نقبل أي مساس بوحدة الصومال    المتهم في واقعة الاعتداء على فرد أمن «التجمع» يعترف بالضرب وينفي إتلاف الجهاز اللاسلكي    ماركا: تشافي المرشح الأبرز لخلافة الركراكي في منتخب المغرب    توقيع اتفاقيات تجارية بين «المصرية للاتصالات» و«إي آند مصر» و«تنظيم الاتصالات»    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    الإسماعيلي ينعى اللواء إبراهيم إمام مدير النادي السابق    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    الطقس غدا.. شديد البرودة ليلا وأمطار ببعض المناطق والصغرى 11 درجة    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    الخارجية تتابع بشكل مستمر احتياجات وشئون المصريين بالخارج    فتاوى رمضان.. وقت إخراج زكاة الفطر وحكم إخراجها بالقيمة    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    عين سحرية.. السدير مسعود يكسر عقدة الخواجة (بمشهد النهاية).. المسلسل نجح فى خلق حالة ارتباك بين الإدانة والتعاطف.. وطرح السؤال مذنب أم ضحية فتجد نفسك عاجزا عن الإجابة    مباحثات مصرية - بريطانية لتعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية    كيفو: حاولنا فعل كل شيء لكسر تكتل بودو جليمت الدفاعي.. هم يستحقون التأهل    منتخب الشباب يتعادل مع العراق وديًا    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    ارتفاع كبير ومفاجئ فى سعر الدولار اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026    معلومات الوزراء: ارتفاع إيرادات سوق تكنولوجيا التأمين لنحو 19.1 مليار دولار 2025    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    ترامب: الولايات المتحدة تحولت من بلد "ميت" إلى الوجهة الأكثر جاذبية في العالم    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بعد التعديل الوزاري ..الثورة ووزارت الثقافة السبع
نشر في محيط يوم 07 - 03 - 2015

النبوي سابع وزير للثقافة في مصر منذ ثورة 25 يناير النبوى : نحتاج لتقوية الجسور بين الوزارة و المبدعين جويدة يتحدث عن فساد ثلاثية التعليم والإعلام والثقافة عبد الهادى يطالب بإعادة هيكلة أروقة الثقافة الفاسدة
جاء الإعلان عن شغل الدكتور عبد الواحد النبوي منصب وزير الثقافة في سياق التعديل الوزاري الأخير في وقت بدت فيه هذه الوزارة موضع جدل متصاعد بين المثقفين وآراء متعددة حول الواقع والمأمول وضرورة تجسير الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
والدكتور عبد الواحد النبوي هو سابع وزير للثقافة في مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 وكان رئيس دار الكتب والوثائق القومية ،وانخرط في مشروع عملاق بمنطقة الفسطاط لحفظ ورقمنة الوثائق المصرية وهو في الأصل أستاذ للتاريخ بجامعة الأزهر.
وفي سياق اجتماعه بالوزراء الجدد امس الأول "الخميس" في حضور المهندس ابراهيم محلب رئيس مجلس الوزراء، أولى الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية خاصة للثقافة المصرية، مؤكدًا أهمية تفعيل الامكانات المتاحة بوزارة الثقافة، ولاسيما قصور الثقافة، فضلًا عن العمل على الارتقاء بالذوق العام والتعاون مع كافة مؤسسات الدولة المعنية وفي مقدمتها الأزهر الشريف باعتباره منارة للعلوم الدينية الى جانب دوره في تجديد وتصويب الخطاب الديني.
ووفقًا لما ذكره السفير علاء يوسف المتحدث باسم الرئاسة، فإن الرئيس عبد الفتاح السيسي شدد في هذا الاجتماع مع الوزراء الجدد على اهمية الاستفادة من الطاقات والأفكار الابداعية التي ترتقي بمنظومة العمل داخل الوزارات.
واعتبر معلقون في صحف ووسائل اعلام ان التعديل الوزاري يرسخ مبدأ التعامل الواضح والصريح مع أولويات المرحلة الحالية بكل تحدياتها ومواجهة العيوب واصلاح الأخطاء، فيما كانت وزارة الثقافة عرضة لانتقادات من مثقفين في الآونة الأخيرة بعضها لا يخلو من حدة اعتراضا على مستوى الأداء ومحصلة النتائج مع اتفاق عام على ان هذه الوزارة تعاني من مشاكل جسيمة، من بينها "ثقل حمولتها البيروقراطية التي لا يمكن ان تنسجم مع جوهر مهامها الإبداعية".
وعقب أدائه اليمين، قال وزير الثقافة الجديد الدكتور عبد الواحد النبوي: "إننا نحتاج الى تقوية الجسور التي تربط الوزارة مع المبدعين والأدباء"، مؤكدًا اعتزامه دعم الأنشطة الثقافية في النجوع والمناطق النائية، فضلا عن الاهتمام بنشر الوعي بين الشباب والاستفادة من طاقاتهم الإبداعية، ورأى أنه "على الجميع التكاتف الآن للوقوف في وجه الجهل والإرهاب".
جدل الثقافة
مع تولي الدكتور عبد الواحد النبوي منصب وزير الثقافة، فمن الطبيعي أن تكون هناك توقعات وآمال وجدل حول الواقع الثقافي الرسمي، فيما كان السؤال قد تردد بقوة بين الجماعة الثقافية في مصر عقب تقلد الدكتور جابر عصفور حقيبة وزارة الثقافة في شهر يونيو الماضي: "هل ينجح عصفور في إصلاح المنظومة الثقافية؟".
وكان لهذا السؤال ما يبرره، لأن الدكتور جابر عصفور كمثقف كبير تحدث مرارا قبل توليه منصبه الوزاري عن ضرورة إصلاح وتطوير المنظومة الثقافية المصرية، بل اعتبر ان "هناك ضرورة حتمية" لتطوير هذه المنظومة أو تثويرها.
وفيما تهب من حين لآخر رياح الجدل والاحتقانات الظاهرة حول أداء وزارة الثقافة واجهزتها حاملة في ثناياها أسئلة هامة حول دور هذه الوزارة وسياساتها ويتردد من جديد السؤال الكبير حول حقيقة التغير الذي طرأ على المشهد الثقافي ومجمل السياسات الثقافية الرسمية بعد الثورة الشعبية المصرية بموجتيها 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013، فإن هذه الوزارة تدخل الآن مرحلة تتطلب اجابات جديدة بعد ان حمل حقيبتها الدكتور عبد الواحد النبوي.
وكان الدكتور جابر عصفور يرى أن مسئولية تطوير أو تثوير المنظومة الثقافية تقع على عاتق الدولة والمجتمع المدني معا، فيما تباينت اراء المثقفين حول ادائه في المنصب الوزاري وسط تأكيدات على اهمية البحث عن منهج لادارة العمل الثقافي في مصر.
ورغم أهمية الابتعاد عن "الشخصنة" في العمل المؤسسي، انتشرت دعوات في الآونة الأخيرة لمجموعات من المهتمين بالثقافة وأغلبهم من الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل ما وصفوه "بالشفافية والموضوعية والعدل والمساءلة" في المؤسسات الثقافية الرسمية.
وذهب أصحاب هذه الدعوات إلى أن أحوال المبدع المصري تردت الى درجة غير مسبوقة من البؤس والفاقة، "فضلا عن تفاقم معاناته تحت وطأة محاولات الهيمنة والإقصاء وانعدام الرعاية على المستويات كلها طوال أربعين عامًا ماضية".
وكان الدكتور جابر عصفور ذاته قد سلم قبل توليه منصبه الوزاري بأن "مؤسسات وزارة الثقافة تعاني من الترهل وفي أمس الحاجة لقيادات وطنية شابة تتسم بالنزاهة والقدرة على الحلم بمستقبل واعد وكذلك حلول عاجلة لقصور الثقافة المعطلة او المغلقة"، ودعا "لسياسات ثقافية جديدة تفيد من تجارب العالم المتقدم".
فساد الثقافة و الارهاب
فيما يرى مثقف مصري كبير مثل الشاعر والكاتب فاروق جويدة ان معركة المصريين ضد الارهاب في الأشهر الماضية هي واحدة من اخطر الحروب التي خاضها الجيش المصري والشرطة لحماية هذا الوطن، فإنه يلفت الى خطأ النظرة للإرهاب كقضية امنية دون التطرق لجوانبها الفكرية والثقافية.
وفي سياق ما وصفه "بفساد ثلاثية التعليم والاعلام والثقافة"، بما ترك آثارًا سلبية على الشباب الذي يقع فريسة للإرهاب، انتقد جويدة غرق مؤسسات الدولة الثقافية في "ثقافة الاحتفالات والمناسبات السعيدة وثقافة الانس والفرفشة تحت أضواء القاهرة الساحرة ومهرجانات العبث والثقافة السياحية، بينما كان الشباب غارقا في الخزعبلات والشطط الفكري".
وواقع الحال أن بعض الصحف ووسائل الاعلام المصرية تحدثت في الآونة الأخيرة عما وصف بعدم فعالية وزارة الثقافة والعجز عن التواصل مع الجماهير العريضة أو طرح برامج ثقافية تحظى باهتمام شعبي حقيقي، فضلا عن الاستمرار في ظاهرة تمركز أغلب الأنشطة الثقافية بالعاصمة وإهمال الريف.
إعادة الهيكلة
ورأى الشاعر والناقد الدكتور علاء عبد الهادي أن "المشكلة تكمن في النظام الثقافي القائم برمته وثقافة جهازه البيروقراطي وليس في قياداته فحسب"، ودعا الى "البدء اولا بعملية اعادة هيكلة شاملة للمؤسسات الثقافية القائمة وفق أهداف جديدة".
وبرر دعوته بأن طرائق عمل هذه المؤسسات الثقافية صممت سلفا "لاستيعاب المثقفين وليس لإفادة المحتاجين الحقيقيين إلى المعرفة وهذا ما يفسر سبب غياب أي أثر اجتماعي لنشاطاتها في الواقع المعيش".
وقال عبد الهادي: "في ظل وقوع المثقف المصري بين تصلب شرايين الادارة الثقافية وفسادها من جهة ونقص كفاءة عدد كبير من القائمين على مؤسساتنا الثقافية ولجانها وهيئاتها من جهة اخرى، سنظل شهودا على ردات فعل قوية ومطردة".
وأضاف أن ردود الفعل "لن تتوقف عن إعلان معارضتها للسياسات الثقافية القائمة سواء عبر إصدار البيانات أو تشكيل الجماعات الثقافية المعارضة أو تكوين الجبهات المستقلة"، معتبرًا أن المحيط الثقافي المصري قد جاوز الأزمة الثقافية إلى ثقافة الأزمة.
إرادة أم مجرد مسميات
في المقابل تطالب قيادات وزارة الثقافة بتوفير الدعم الكافى لها، بما يسمح بانجاز خطط ومشروعات التطوير وتحقيق رسالتها فى خدمة الثقافة والمواطنين فى ربوع مصر، وأكدوا وجود إدارات متخصصة في قياس الرأي الثقافي، مثل "الإدارة المركزية للدراسات والبحوث" بهيئة قصور الثقافة.
وبعيدًا عن اى نزعة بلاغية او انشائية، فوزارة الثقافة وهيئاتها من المفترض انها تتحمل المسؤولية الكبرى فى ترسيخ ثقافة ثورة يناير- يونيو فى كل اوجه ومجالات الحياة المصرية ومواجهة التناقضات فى العملية الثورية وصراع الضرورات وتوجيهها لصالح الشعب، الأمر الذى يتطلب سياسات تنطلق من قيم هذه الثورة وكوادر قادرة على تنفيذ هذه السياسات الثورية الثقافية.
وكان الكاتب الراحل قاسم مسعد عليوة يؤكد دومًا على اهمية "فلسفة العمل بوزارة الثقافة وان تكون موجهة للشعب فى عمومه"، وان كان يحبذ الغاء هذه الوزارة وتوزيع اختصاصاتها على الهيئات الثقافية على أن تكون تبعية هذه الهيئات للمجلس الأعلى للثقافة، على سبيل المثال كما قال.
على ان الأمر فى جوهره يتجاوز بكثير مجرد تغيير فى الأسماء والمسميات او وضع لافتة محل اخرى بقدر ما يتطلب ارادة سياسية واعية بأهمية دور وزارة الثقافة فى المرحلة الراهنة على وجه الخصوص حيث تفرض اسئلة عديدة ذاتها مثل السؤال عن دور هذه الوزارة فى صياغة المضمون الثقافى الذى يلبى مطالب الشعب المصرى.
ومنذ ثورة الخامس والعشرين من يناير، تعاقب على وزارة الثقافة المصرية سبعة وزراء هم: الدكتور جابر عصفور ومحمد عبد المنعم الصاوى والدكتور عماد ابو غازى والدكتور شاكر عبد الحميد وعلاء عبد العزيز والدكتور محمد صابر عرب، فيما عاد عصفور للمنصب الوزاري في حكومة المهندس ابراهيم محلب التي شهدت تعديلا وزاريا امس الأول "الخميس" ليأتي الدكتور عبد الواحد النبوي وزيرا للثقافة.
وزراء الثقافة عقب الثورات
تكشف النظرة المقارنة عن ان منصب وزير الثقافة يحظى بأهمية غير عادية فى مراحل التحولات الحرجة والحاسمة لبعض الدول حيث الضرورة تدعو لمثقف كبير ومناضل ثورى ومدافع عن كرامة الانسان وحقوقه، كما حدث فى خضم الآزمة السياسية الفرنسية عام 1958 عندما استدعى الجنرال شارل ديجول الكاتب والمبدع الثورى اندريه مالرو لشغل منصب وزير الثقافة ليستمر صاحب "قدر الانسان" فى هذا المنصب على مدى عقد كامل.
ولم يأت اختيار اندريه مالرو لشغل منصب وزير الثقافة لمجرد انه مبدع كبير من مبدعى القرن العشرين اثرى مكتبة الفكر الانسانى بأعمال باقية فى الرواية وفلسفة الفن والتاريخ، وانما ايضا لأنه تألق فى مجال الفعل السياسى الثورى داخل بلاده وخارجها، وبالقدر ذاته فهو قريب للغاية من شارل ديجول وافكاره، وكان هذا المثقف الفرنسى الكبير الذى قضى عام 1976 شاهدا بحق على عصر شارك فى صنعه.
وفى دولة كفرنسا بكل اجوائها الثقافية الحرة، لا يثير وجود وزارة للثقافة جدلا، تماما كما ان عدم وجود مثل هذه الوزارة فى بريطانيا لا يمثل اشكالية، فالمهم وجود من يقوم بالدور بصرف النظر عن المسميات واللافتات.
ويبدو ان هذه الفكرة على بساطتها غير واضحة بما يكفى فى مصر حيث يتبارى البعض فى اطلاق تصريحات داعية لالغاء وزارة الثقافة، وكأن وجودها هو المشكلة الكبرى، فيما يذهب بعض اصحاب هذه الدعوات الى انها تعبر عن وصاية حكومية على الثقافة.
ويتناسى من يطلق مثل تلك الدعوات حالات الغيت فيها وزارة الثقافة بالفعل فى بعض الحكومات بمصر لكنها كانت تعود فى حكومات جديدة او تعديلات وزارية، بما قد يشير ضمنا الى انها تمثل حاجة ضرورية رغم اى ملاحظات او انتقادات، والأكثر اهمية ان القضية تتعلق بالجوهر والسياسات بعيدا عن الأسماء والمسميات.
أول وزارة للثقافة
وكانت وزارة الثقافة قد ظهرت لأول مرة فى مصر فى التاسع من سبتمبر عام 1952 واسندت حقيبتها لفتحى رضوان الذى شغل منصب وزير الثقافة والارشاد القومى فيما كان الدكتور حسين فوزى وكيلا له.
ونهضت اول وزارة للثقافة بمهام متعددة وحققت انجازات مثل تأسيس نادى القصة عام 1953 ومصلحة الفنون عام 1955 التى تولى رئاستها الأديب الكبير يحيى حقى وتولت رعاية المسرح والسينما والفنون التشكيلية، كما صدر قانون فى عام 1956 بانشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
وهناك نوع من الاتفاق العام على ان الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأشهر فى ستينيات القرن العشرين حقق نهضة ثقافية وكان صاحب الانجازات المقدرة فى البنية الأساسية للثقافة المصرية، أو ما يوصف "بالصناعات الثقافية الثقيلة"، من قصور للثقافة ومسارح ومتاحف وسلاسل دورية للكتب الهامة والمعاجم ودوائر المعارف، فضلا عن اقامة السيرك القومى وعروض الصوت والضوء، ناهيك عن انقاذ آثار النوبة عند بناء السد العالى واقامة العديد من فرق الفنون الشعبية.
ميزانية الثقافة
نوه محمد سلماوى رئيس اتحاد الكتاب المصريين بأن الميزانية المخصصة للثقافة تضاءلت كثيرا قياسا عما كانت عليه فى فترة الستينيات من القرن الماضى والتى شهدت المرحلة التأسيسية للبنية التحتية الثقافية فى مصر.
وتبدو الحاجة واضحة لزيادة ميزانيات النشر للكتب والأعمال الثقافية الجادة والهامة جنبا الى جنب مع تحرير الابداع الثقافى من اى وصاية بيروقراطية والاحتكام لمعايير الثقافة وجماليات الفن دون اسفاف او ترهيب مع دعم التعدد والتنوع والحق فى الاختلاف، وصولا لاستعادة الدور الثقافى المصرى كأحد اهم عوامل القوة الناعمة فى المنطقة والعالم.
وبصرف النظر عن الأسماء والمسميات، فان الأجهزة الرسمية للثقافة المصرية لابد وان تعبر عن النظرة المصرية الجديدة للحياة بعد ثورة يناير-يونيو، وهذه النظرة الجديدة لا يمكن ان تكون بلا جذور أو منفصلة عن قيم الجماعة الوطنية وانما هى جديدة بمعنى التطور الايجابى بعد ثورة شعب وجديدة بمعنى انها "ثورية بالضرورة والواقع".
وثمة حاجة بالفعل لتحديد اهداف مصر الثقافية حسب "توصيف استراتيجي كلي"، على حد قول الدكتور علاء عبد الهادي الذي يدعو "لاعادة هيكلة شاملة لجماع المؤسسات الثقافية"، بناء على هذه الأهداف ومن اجل تحقيق الأثر الاجتماعي المأمول للثقافة.
فالقضية هي تحويل او ترجمة البنية المادية لوزارة الثقافة بهيئاتها وكل ما يتبعها من كيانات بكل نفقاتها الى رصيد فاعل في الوعي المعرفي والثقافي والتنموي بحيث يصل العائد الثقافي الى مستحقيه وحتى تتبوأ مصر مكانتها الثقافية المستحقة على مستوى المنطقة والعالم.
واذا كانت القضية بالفعل ليست استبدال وزراء بآخرين بقدر ما هي استبدال سياسات بسياسات اخرى وتهيئة المجال العام لرؤى جديدة وافكار مغايرة لمواجهة الحقائق الصعبة والتحديات الجسام، فإن الاشارات تتوالى مؤكدة على ان التنمية الاقتصادية لا يمكن ان تتحقق بالصورة المرجوة وعلى النحو المنشود دون تنمية اجتماعية، وهو امر يتطلب بالضرورة صياغة وتنفيذ مشروع ثقافي مصري شامل.
السياسية الثقافية لمصر
فى شهر اغسطس الماضي، أقدمت وزارة الثقافة على خطوة جوهرية بالاعلان عن بدء صياغة "السياسة الثقافية لمصر"، فيما اعلنت حينئذ ان الورقة المقترحة لهذه السياسة موضع حوار مجتمعي ونقاشات مستفيضة مع المثقفين المصريين بكل اطيافهم.
غير انه من المثير للدهشة ان الأمر بدا وكأنه قد طواه النسيان منذ صيف العام الماضي، فيما لم تعلن وزارة الثقافة عن اي مستجدات تتعلق بالورقة المقترحة لصياغة السياسة الثقافية لمصر!
وكان المجلس الأعلى للثقافة برئاسة الوزير الدكتور جابر عصفور حينئذ قد قرر تكليف الباحث المرموق الأستاذ السيد يسين بإعداد ورقة عن "رؤية لسياسة ثقافية مقترحة لمصر"، فيما قرر أيضا تشكيل لجنة تضم كوكبة من المثقفين البارزين والخبراء المعنيين لمناقشة الورقة بعد الانتهاء من صياغتها.
وكما اوضح السيد يسين، فإن ورقة العمل المقترحة للسياسة الثقافية لمصر تتضمن الملامح الاساسية للمجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير 2011 وتعرض للأوضاع الاجتماعية والثقافية الراهنة، فيما تركز على التنمية الثقافية الجماهيرية باعتبارها الفلسفة التي تقوم عليها السياسة الثقافية المقترحة، لافتا الى ان "الورقة مطروحة للنقاش وستكون الملاحظات النقدية التي ستوجه لها اساسية في اعادة صياغتها لتكون اساسا للمناقشة في المجلس الأعلى للثقافة".
والورقة تركز ايضا على الأهداف الأساسية للسياسة الثقافية وتطرح مقترحات محددة بمجموعة برامج ثقافية اساسية على ان يجري بحث وتدارس طرق تنفيذها، فيما كانت اللجنة التي شكلها وزير الثقافة قد اجتمعت مؤخرا في مقر المجلس الأعلى للثقافة وناقشت هذه الورقة بصورة مستفيضة "كرؤية ثقافية"، على ان تستكمل ببرنامج ثقافي للسنوات الأربع القادمة.
غير ان ظاهرة الصمت المطبق حول مستجدات صياغة السياسة الثقافية لمصر منذ الصيف الماضي أججت رياح الجدل والاحتقانات الظاهرة حول اداء وزارة الثقافة واجهزتها حاملة في ثناياها اسئلة هامة حول دور هذه الوزارة وسياساتها ليتردد من جديد السؤال الكبير حول حقيقة التغير الذي طرأ على المشهد الثقافي ومجمل السياسات الثقافية الرسمية بعد الثورة الشعبية المصرية بموجتيها 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013.
وقد يكون السؤال الآن وبعد علامات الاستفهام التي فرضها الصمت المطبق بشأن صياغة السياسة الثقافية لمصر: "هل نحن في حاجة لمؤتمر قومي للسياسة الثقافية المصرية" بغرض صياغة جادة لهذه السياسة وعلى قاعدة اتساق الأفعال مع الأقوال والسياسات المعلنة مع السياسات الفعلية في زمن مصري وعربي وعالمي يشهد تحولات جوهرية وتغييرات اساسية على مستويات متعددة.
يبدو اننا بحاجة لهذا المؤتمر الذي ينبغي ان يضم مثقفين ينتمون لكل الوان الطيف الثقافي المصري ويمتلكون الفهم المطلوب للواقع والمأمول عليه ان يبحث ويناقش بنظرة مستقبلية قضايا كبرى وهامة مثل مدى ملاءمة بنية الثقافة المصرية بوضعيتها الراهنة للبيئة الاقليمية والعالمية الآن وفي المستقبل المنظور.
وهذه النظرة تنطلق من حقيقة عالمية لها تجلياتها في مجالات متعددة كما رصدها محللون بارزون، الا وهي ان دولا عديدة تعيد الآن تقييم ثوابتها ومسلماتها بل وايديولوجياتها وتعيد تعريف مصالحها القومية وادوارها ومسؤولياتها الخارجية استعدادا لنظام دولي جديد ومنظومة تفاعلات دولية مختلفة عن السائد والمألوف من قبل.
لقد تغير مفهوم القوة بالفعل مع العولمة وثورة المعلومات واقتصاد المعرفة وتتوالى طروحات حول ما يسمى "بالقوة الذكية" كمحصلة للتفاعل بين عناصر القوة الصلبة والقوة الناعمة التي تعد الثقافة قوامها واساسها، فماذا نحن فاعلون؟ وهل من سبيل لتحويل الاسئلة الغضبى لطاقة خلق وجسد ابداع ؟!
وهكذا، فإن المؤتمر القومي المقترح للسياسة الثقافية المصرية قد يجد نفسه في مواجهة استحقاقات مثل تغيير "انماط السياسات الثقافية المصرية الحالية"، بل ان عليه في خضم التحولات الجوهرية ان يجيب على سؤال مثل: هل ينبغي اعادة النظر في المسلمات والثوابت التي قامت عليها السياسات والممارسات الرسمية للثقافة المصرية على مدى عقود عديدة؟
ومؤتمر كهذا عليه ان ينعقد في ظل قناعة عامة بأن هناك ثورة شعبية مصرية قد غيرت ومازالت تغير اوجه الحياة في مصر بصرف النظر عن سرعات التغيير في مناحي متعددة وان هذا التغيير لابد وان يشمل السياسات الثقافية.
واذا كانت الجوانب الثقافية لعبت دورا مهما في جميع ثورات العالم- كما يتفق العديد من المفكرين- فإن العوامل الثقافية تلعب دورا هاما في مآلات اي ثورة ورحلة المسير والمصير لأي شعب، خاصة اذا كان هذا الشعب ينتمي لوطن ضارب في اعماق التاريخ ويمتلك امكانات بشرية ومادية هائلة ويرتبط عضويته بمحيطه الاقليمي.
ومن نافلة القول انه لا ضرورة للتسرع او العجلة في عقد مثل هذا المؤتمر للسياسات الثقافية المصرية، بقدر ما تدعو الحاجة للتفكير المرتب والعميق في سبل ضمان فاعلية المؤتمر وانفاذ قراراته حتى لا يكون مجرد مؤتمر من عشرات المؤتمرات والمنتديات واللقاءات الثقافية التي عقدت وتعقد دون ان تسفر عن تغيير محسوس وملموس وايجابي في اوجه الحياة الثقافية المصرية.
فثمة ضرورة لاعادة اكتشاف قواعد ومباديء وآليات جديدة لسياسة ثقافية مصرية تتناسب وحجم التحديات والتحولات في مصر والمنطقة والعالم وهي مهمة جليلة تتطلب المزج بين الخيال الخلاق والواقعية المتزنة، ناهيك عن جدية النوايا وتوافر الارادة والقدرة على التمييز ما بين المرحلي والمؤقت وبين الاستراتيجي والمستدام.
وغني عن البيان ان الانسان المصري هو مناط هذه السياسة الثقافية الجديدة، وهي سياسة لابد وان تكون جديرة بشعب مصر العظيم ودور مصر دون ان تجنح للتكرار، واستسهال التناول واسهال العبارات الانشائية، او تتورط في مستنقع الديماجوجية والشعارات الشعبوية.
انما المطلوب والمنشود التعرف بصورة علمية وموضوعية عما اذا كان هناك مثلا نوع من التراجع في القوة المصرية الناعمة وتوصيف طبيعة وحدود هذا التراجع وتحديد اسبابه وصولا للعلاج الضروري، فيما تتطلب مثل هذه القضية كوادر تعي معنى واهمية الدور الثقافي المصري والضرورة الجوهرية "للرسالة" التي تحملها الثقافة المصرية للمنطقة والعالم.
فلا نفوذ خارجي قوي لدولة لا تحمل ثقافتها رسالة الى العالم وقبل ذلك للاقليم الذي تنتمي له، ومن هنا تكمن اهمية صياغة "الرسالة" وارسالها عبر سياسات ثقافية مؤثرة وفاعلة، بقدر ما يتعين ان تليق بعراقة الحضارة المصرية وآمال وتطلعات الانسان المصري.
ان لمصر مصالحها القومية وقد تسهم الثقافة المصرية في التعريف الواضح والواقعي لهذه المصالح في السياق المعاصر بتحولاته ومتغيراته بقدر ما هي مدعوة عبر "الرسالة الثقافية" لخدمة هذه المصالح، وهي مسألة تستدعي وجود كوادر قيادية في وزارة الثقافة بكل قطاعاتها وتشكيلاتها وهيئاتها من "أصحاب الرؤى والقدرة الحقيقية على التغيير الايجابي".
لم تعد تحديات المرحلة بكل ضغوطها تحتمل اي وجوه في وزارة الثقافة او منسوبين ومنتسبين لها او شخصيات "تبحث عن قطعة من الكعكة"، وتتبنى مفهوم "الأهل والعشيرة" بما يعنيه من اقصاء فاشي للكفاءات، وتفتقر للرؤية والقدرة ومهارة ابتكار الآليات لاحداث التغيير الايجابي، أو "تشطح في تنظيرات غير واقعية"، أو "تنغمس في انشطة احتفالية صاخبة وخالية من المضامين الفعلية".
نعم، لم تعد المرحلة الضاغطة تحتمل أصحاب الأيادي المرتعشة أو الكهنوت البيروقراطي ولا أصحاب السلوك الانتهازي في العمل الثقافي الرسمي، أو تحويل الثقافة إلى "وجاهة وامتيازات وسلطوية تتنافي مع قيم الديمقراطية والنزاهة والدولة المدنية التي انتصر لها شعب مصر في ثورة 30 يونيو 2013".. إنها لحظة الحقيقة وحقيقة اللحظة!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.