إفلاس البنتاجون وقصف ميزانية الولاياتالمتحدة إميل أمين يأبى الرئيس الأمريكي جورج بوش أن يترك مقعده في البيت الأبيض من دون أن يترك سيئ الأثر أدبياً ومادياً لمن سيخلفه، سواء كان من الجمهوريين وهو الأرجح ويتمثل في شخص السيناتور جون ماكين أو من الديمقراطيين وهو الاحتمال الأضعف، وبخاصة حال ترشح باراك أوباما، فالأمريكيون لم ينزعوا عنهم بعد ثوب العنصرية البغيض ما يؤهلهم لانتخاب رئيس أسمر البشرة، وفي احتمالات أن خلافة جون ماكين المرشح الجمهوري مأساة كبرى للولايات المتحدة الغارقة بنوع خاص في أوحال الاقتصاد والمرشح أن يتفاقم لجهة الأسوأ سيما مع رئيس ستعد رئاسته فترة ثالثة لبوش، رئيس يتطلع للانتصار في العراق وللبقاء هناك مائة عام إذا لزم الأمر، ولبناء المزيد من القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ما يدلل على أنه سائر على نهج سلفه من دون أن يحيد، حتى لو بدت علامات الإفلاس في الأفق تلوح بانهيار شامل في آفاق الحياة الأمريكية وبدايتها وزارة الدفاع “البنتاجون" التي صحا الأمريكيون منذ أيام قليلة على أخبار تؤكد أنها لم تعد قادرة على دفع رواتب جنودها إن لم يصلها المدد من الكونجرس.. ماذا عن ذلك؟
تمثل ما جرى في الطلب العاجل الذي تقدم به البنتاجون إلى السلطة التشريعية في البلاد (الكونجرس) لتحويل مبلغ 9.7 مليار دولار من أجل تمويل تكاليف حربي العراق وأفغانستان، أما عن سبب الاستعجال فقد ظهر فيما يشبه الاستعطاف من وزير الدفاع الأمريكي روبرت جيتس أمام لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، حيث أشار إلى أنه “حال فشل الكونجرس في التصرف بسرعة فإن القوات المسلحة الأمريكية ستضحى في حرج التوقف عن سداد رواتب جنودها بعد 15 يونيو/ حزيران الجاري".
هل يعني ذلك أن واشنطن ستترك جنودها في العراء المالي بعد أن جردتهم من أي حضور أدبي حول العالم؟
المؤكد أن ذلك لن يحدث، فالأمر لا يعدو عملية تحويل من مخصصات معينة تقع في نطاقات مالية محددة إلى نطاقات أخرى بشكل عاجل وفوري لإنقاذ الموقف وذلك حتى يبت الكونجرس في فاتورة نفقات الحرب المطلوبة منه من قبل إدارة الرئيس بوش ومبلغها يتجاوز رسميا 160 مليار دولار لتمويل العمليات العسكرية في العراق وأفغانستان خلال العام المقبل، غير أن ما يحدث بالفعل هو عملية قصف لميزانية الولاياتالمتحدةالأمريكية تلك المأزومة إلى أبعد حد ومد وباعتراف الرئيس بوش نفسه وتأتي أزمة الرهن العقاري كخير شاهد على عمق الضائقة الاقتصادية التي نجمت عن عسكرة الموازنة الأمريكية بعد أن أتم عسكرة السياسة الخارجية طولاً وعرضاً في زمن إدارة دوجمائية لا تلين عن السعي في طريق الحروب.
والشاهد أن مصطلح “قصف ميزانية" إنما يرجع إلى المفكر الفرنسي الكبير “باسكال بونيفاس" مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، والذي يشير إلى أن ميزانية الولاياتالمتحدةالأمريكية تعرضت مؤخراً لما يشبه القصف الجوي الصاروخي.. ماذا يعني بونيفاس بهذا الحديث؟
يقول الرجل إن مطالبة وزارة الدفاع الأمريكية ب415 مليار دولار من ميزانية العام المالي 2009 تجعل أي ميزانية دفاع في أي مكان آخر من العالم تبدو وكأنها قزم صغير أمام هذا الرقم الهائل والمبلغ الضخم الذي زاد بمقدار 5% عن الميزانية العسكرية للعام 2008. ويرى المفكر الفرنسي أن الأموال التي تخصصها الولاياتالمتحدة لأمور الدفاع اليوم تتجاوز ما خصصته أثناء الحرب ضد هتلر أو أثناء الحرب الباردة، ويبدو أن إدارة بوش ترى أن التهديدات العسكرية اليوم أشد خطراً، أما الحديث عن مكاسب السلام المزعومة التي كان من المفترض أن تأتي بسقوط سور برلين فلم نعد نسمعه أو ما يشبهه.
ويبقى التساؤل الذي يجب أن يواجه به الأمريكيون أنفسهم، هل قادت حروب أمريكا الأخيرة وخاصة حرب العراق إلى حالة الإفلاس والكساد والتضخم التي تعانيها البلاد؟ وإذا كان ذلك كذلك فهل سيمضي هؤلاء في اختيار رئيس جديد يواصل استنزاف أي موارد تتبقى بعد رحيل بوش وإدارته والتي ذهبت وراء أكاذيب فضحها من جديد المتحدث الرسمي السابق للبيت الأبيض سكوت ماكليلان في كتابه “ماذا جرى؟".
واقع الحال أنه وعند الحد الأدنى من التقدير تعلن وزارة الدفاع (البنتاجون) أنها أنفقت 396 بليون دولار حتى نوفمبر/ تشرين الثاني ،2007 غير أنه مؤخراً أشارت هيئة أبحاث الكونجرس أن وزارة الدفاع لم تحص أكثر من 200 بليون دولار في شكل أموال تمت الموافقة عليها من دون أن يتم إنفاقها أو أموال أنفقتها وكالات أخرى أو أموال لا يعرف أحد أين ذهبت.
في هذا السياق يأتي الحديث عن الفساد الذي بات ينخر في الوزارات الأمريكية والأموال التي تختفي في ضباب الحرب وما قبل الحرب وما بعدها، فبحسب المحلل السياسي الأمريكي “وليام فاف" فقد أفاد المراجعون الماليون لوزارة الدفاع الأمريكية أمام لجنة “الرقابة والإصلاح الحكومي" في مجلس النواب، الأسبوع الماضي، أنه لم يتم إنفاق أي قسط من جملة مبلغ يصل إلى 2.8 مليار دولار، كان الجيش الأمريكي قد وزعه على المقاولين في العراق، وفقاً لقواعد الإنفاق المالي المتعارف عليها فيدرالياً، وقدم المراجعون أمثلة على هذه التجاوزات بصرف مبلغ نقدي قيمته 8.320 مليون دولار بناء على فاتورة معنونة ب"صرف الرواتب العراقية" وتحمل توقيعاً واحداً فحسب.
كما أشاروا إلى صرف مبلغ آخر بقيمة 1.11 مليون دولار باسم مقاول أمريكي اسمه “IAP" مقابل فاتورة لم تشر إلى أسباب صرف المبلغ، ليس ذلك فحسب، بل هناك ما يقرب من ملياري دولار من جملة الأصول العراقية المجمدة، أنفقت محلياً بالعملة العراقية لأسباب لا تزال مجهولة.
ومن ناحية أخرى، فقد أقرت وزارة الخارجية الأمريكية بسوء إدارة أموال برنامج لتدريب الشرطة العراقية بناء على عقد كانت قد وقعته واشنطن مع بغداد وبلغت قيمته 2.1 مليار دولار أمريكي، وقالت الوزارة إن مدققي الحسابات لم يعرفوا الطريقة التي أنفقت من خلالها الأموال. وكانت الوزارة قد كلفت شركة داين كورب الخاصة بإدارة المشروع.
والحاصل أن أفضل من عبر عن حالة الانهيار التي تعيشها الامبراطورية المنفلتة من جراء عصبة المحافظين الجدد وجماعة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي أصحاب الاهتمام الأول في إشعال المزيد من الحروب حول العالم كان “هنري واكسمان" رئيس لجنة الإشراف وإصلاح الإدارة التابعة لمجلس النواب عندما صرح بالقول إن “هناك خطأ ما عندما يضطر جنودنا الجرحى إلى ملء استمارات بثلاث نسخ من أجل الحصول على الطعام، بينما تصرف مليارات الدولارات من دون حساب".
والتساؤل قبل الانصراف هل هذا كل شيء أم لا يزال في جعبة بوش حروب أخرى قبل مغادرته لموقعه الرئاسي انطلاقاً من أن “الغريق لا يخشى البلل"؟ ربما يكون هناك في الطريق من الأسوأ ما لم يأت بعد، وفي هذا شهادة إفلاس لا للبنتاجون فحسب بل للولايات التي كانت يوما ما متحدة وهذا حديث آخر. عن صحيفة الخليج الاماراتية 8/6/2008