حل الدويلتين رجب ابو سرية ما نقل عن شعور الرئيس محمود عباس بالغضب ازاء خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش في الكنيست، بعد شعوره بالاحباط قبل ايام، بعد زيارته لواشنطن، مع استمرار عدم جدية المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، يؤكد ان لا حل يلوح في الافق، لا على الجبهة التفاوضية بين رام الله وتل ابيب، ولا حتى على الجبهة الامنية بين غزة واسرائيل. واذا كان الملف اللبناني قد خطف الاضواء والاهتمامات خلال الاسبوعين الاخيرين، بحيث صار الموضوع الفلسطيني جزءا من حالة واقعية، لا يتعايش الفلسطينيون فقط معها، كما هي، بل ربما تذهب المنطقة بأسرها الى الدخول في حالة ما من التعايش مع ما هو قائم، وبذلك فإن الجهود الدبلوماسية والنشاطات السياسية باتت غير مرشحة لإحداث اختراق ما، في المدى المنظور على الاقل، بما يحمل في طياته أن تمر الايام والاسابيع والاشهر المتبقية من هذا العام، كتحصيل حاصل، دون تغير ذي اهمية، لا يضع حداً فقط لحالة الانقسام الداخلي، بل بما يضع هدف اقامة الدولة الفلسطينية الموحدة في الضفة وغزة والقدس على رف التأجيل، إن لم يكن في خانة المستحيل. اي حظ تبقى اذاً وأية فرصة ممكنة، بلغة السياسة التي لا تعرف النوايا الحسنة طريقها اليها، حتى في حال وجودها، لرؤية الرئيس الاميركي نفسه، حول حل الدولتين؟ دولة فلسطينية تعيش في سلام الى جوار دولة اسرائيل القائمة، خاصة ان الرئيس الاميركي نفسه يحضر نفسه الآن لمغادرة البيت الابيض، الذي سكن فيه ثمانية أعوام، لم يفعل خلالها شيئاً يذكر، سوى إقدامه على احتلال العراق، ودفع المنطقة (الشرق الاوسط) بأسرها الى الدخول في حالة من التوتر والفوضى "الخلاقة"، بحيث باتت بحاجة الى سنوات وربما اكثر لحلها. واذا كان الرئيس الاميركي صاحب فكرة حل الدولتين، لم يجترح حلاً ممكناً على اساسها في عهده الذي استمر ولايتين متتاليتين، فإنه لم يكن في الحقيقة اول من اخترع هذه الفكرة، التي تعود في جوهرها الى قرار تقسيم فلسطين منذ العام 9491، والذي لم يؤد صدوره منذ تلك السنين الطويلة الى تنفيذ الشق الخاص بالفلسطينيين، في الوقت الذي كانت فيه واستمرت دولة اسرائيل في الوجود، فإن عدم تنفيذ حل الدولتين، في آخر صورة له، رؤية الرئيس بوش، لا يمنع ولا يؤثر في الحقيقة لا على وجود دولة اسرائيل ولا على استمرارها كدولة تحتل اراضي الدولة الاخرى، الشق المكمل لرؤية الحل. تتعدد الاسباب السياسية التي تحول دون ذلك التحقق، لكنها في الجوهر تكاد تكون واحدة، وتستند في احد جانبيها الى ان اسرائيل لا تجد غضاضة ولا تهديداً لوجودها كدولة، دون تحقيق هذا الحل، فيما الجانب الفلسطيني، ومعه كل تحالفاته الراهنة والسابقة، ما زال عاجزاً عن فرض مثل هذا الحل، هكذا باختصار ودون الخوض في التفاصيل. وعادة ما يدفع الدول والقوى السياسية لاتخاذ القرارات السياسية الحاسمة عدة عوامل او دوافع، منها ما هو استراتيجي ومنها ما هو راهن، خاصة ان اسرائيل دولة محكومة بمؤسسات، وتخضع حكوماتها لاعتبارات استراتيجية وسياسية، مرتبطة بالتعدد السياسي والوحدة الامنية الداخلية، وهكذا ما لم تجد اسرائيل نفسها أمام "تهديد" استراتيجي مترافق مع ضغط سياسي راهن، فإنه من المتعذر عليها ان تقبل بحل سياسي، تعتبره كل قواها السياسية "تنازلاً" بهذا القدر او ذاك. وكما اشرنا في مقالة سابقة، فإنه إن لم تجد اسرائيل نفسها أمام خيارات، افضلها بالنسبة لها، حل الدولتين، فإنها لن تستجيب له ولن تقدم عليه، حيث كان يمكن لخيار استراتيجي من نمط الدولة الواحدة مثلاً، مترافقاً مع ضغط سياسي ميداني، يجعل من احتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس عبئاً أمنياً/سياسياً/ وحتى اقتصادياً، اي احتلالاً مكلفاً، فهي لن تعيد حساباتها الاحتلالية، ولن تجد ما يغريها للإقدام على حل الدولتين بما يتضمنه من اقامة دولة فلسطينية على اراضي 76، حتى لو كان الثمن التطبيع الشامل مع العالمين العربي والاسلامي، كما حاول النظام العربي ان يغريها بذلك عبر المبادرة العربية. اسوأ ما في الامر الآن ان البدائل أمام اسرائيل صارت افضل بالنسبة لها، واسوأ بالنسبة للفلسطينيين، فهي بدل ان تكون أمام اختيار إما الدولة الواحدة او الدولتين: اسرائيل وفلسطين، على الارض التاريخية بين النهر والبحر، تجد نفسها الآن أمام اختيار حل الدويلتين، خاصة في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي، دويلة في غزة، تدفع اسرائيل باستمرار لأن يكون مجالها الحيوي، وربما ارتباطها ومستقبلها وعمقها الجغرافي سيناء/ مصر، ودويلة (متصلة) حسب المفهوم البوشي نفسه، اي مجموعة كانتونات، تتصل فيما بينها عبر شبكة طرق، كما طرح قبل بضع سنوات ارئىل شارون، يبحث لاحقاً مستقبلها وشكلها الخارجي، حكم ذاتي، او ادارة مشتركة مع الأردن..الخ. اي ان اسرائيل تدفع باتجاه ان يستمر الفصل قائماً بين غزة والضفة، وأن تتحول المنطقتان الى "كيانين" ليس بالضرورة ان يجمعهما نظام سياسي واحد او موحد، وهي - اي اسرائيل - ليست في عجلة من أمرها للتوصل الى حل، ما دامت لديها القدرة الميدانية والواقعية على دفع الامور بهذا الاتجاه، مستفيدة من عوامل اقليمية وفلسطينية داخلية مواتية فضلاً بالطبع عن الدعم الدولي، الاميركي خاصة، وتفهم الادارة الاميركية في عهد جورج بوش، وحتى في عهد خليفته المرتقب، والذي يبدو انه على الارجح سيكون الجمهوري جون ماكين. بعيداً عن الشعارات فإن جزءاً فاعلاً ومهماً من القوى السياسية بوعي او دونه تذهب في هذا الاتجاه المفضل لدى الاسرائيليين، وهذا اخطر ما في الامر، وهو العائق الرئيسي الذي يحول دون تحقيق الهدف الذي كان جامعاً او محدداً للفلسطينيين على المستوى الرسمي على الاقل، ويرجح ان تذهب الامور باتجاه السيناريو الافضل للاسرائيليين والاسوأ بالنسبة للفلسطينيين - حل الدويلتين الفلسطينيتين، بدل حل الدولتين: اسرائيل وفلسطين. عن صحيفة الايام الفلسطينية 20/5/2008