انتهت الجولة الأولى من اللقاءات الفلسطينية المصرية ، التى تواصلت فترة الشهر تقريبا ، واستمعت القاهرة إلى مختلف القوى ذات الصلة ، والأمور باتت تتجه نحو صياغة الورقة المشتركة التى ستمثل قاعدة الانطلاق نحو وضع حد للانقسام وإنهاء الانقلاب الذى عصف بالجسد الوطنى الفلسطيني وهدد مشروعه السياسي .
ولا يوجد اى سر أو جديد فى عناوين أو ما يمكن تسميته ' المبادئ العامة للحل السياسي ' وصولا لعودة الأمور لما كانت عليه قبل الانقلاب المؤرخ وطنيا بيوم 14/ يونيو ( حزيران (الأسود ) .
أولا : تشكيل حكومة توافق وطنى تعمل على :
- إعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل 14/6 .
- معالجة النتائج الناجمة عن الانقلاب وآثارها السياسية والاجتماعية التى ستكون معقدة أكثر من السياسية ) .
- التحضير لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة ووفقا لاي نظام.
ثانيا : إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفق أسس وطنية ومهنية ، وبإشراف خبراء عرب أو غيره بما يخدم المصلحة .
ثالثا : إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية ، انطلاقا من إعلان القاهرة العام 2005 .
رابعا : البند التائه، الموقف السياسي أو البرنامج السياسي المفترض التوافق عليه .
لا شك أن هذه المبادئ العامة لا تمثل إحراجا لاى فصيل للموافقة عليها ، ولا يمكن أن يجد بها من يتنازل للآخر ، ما دامت تتحدث كلاما عاما لا يحمل شيئا واضحا ، والذى بسببه حدث الانفجار الأول ، الذى سبقه اتفاق مكة وقبله وثيقة ' الوفاق الوطنى ' المستندة إلى ' وثيقة الأسرى ' وعمليا كلها تحمل ذات الأسس والمبادئ ، ولكنها لم تشكل القوة الرادعة لمنع ' الانقلاب ' وتكريس أن ' السلاح هو الحل ' فى العلاقات الوطنية الوطنية ، بديلا عن ' الحوار هو الحل ' ..
وربما بالقياس السياسي فان المستفيد الأول وربما الوحيد من الجولة الأولى هو حركة حماس ، التى كانت تعيش حالة عزلة سياسية وطنية أثر ارتكابها مجزرتين فى زمن قياسي ، ضد آل حلس فى الشجاعية ، ما نتج عنها من منظر مخجل وعار سيبقى فى الذاكرة الوطنية ... وأيضا مجزرة أبناء دغمش والإعدام العلني لأسرى تم التنكيل بالجثث فى عرف لا اخلاقى قبل أن يكون لا سياسي ... وما تبعه من حرب ' الإقصاء ' الوظيفي فى قطاعي التعليم والصحة ، الذى ترافق بإضراب واجهته حماس بالإرهاب ...
ولذا فان حماس نالت ' جائزة ' الشوط كما يقال ، بل ذهب د. الزهار إلى ابعد من ذلك ، عندما أشار بوضوح إلى أن حركته ( حماس ) أحبطت مخططا للوقيعه بينها وبين مصر والجامعة العربية ، ويبدو أن ما وراء الكلمات معانى عدة ، ليس جوهرها صدق التوجه نحو التوحد وإنهاء الانقسام ، بل كيف لحماس أن تكسر العزلة المتوقعة مصريا وعربيا ، وهو الأمر الذى يكشف من جهة أخرى ، مدى القوة الفاعلة للدور العربي وأثره على الانقساميين وهو عكس كل تلك التصريحات العنترية لبعض قادة حماس وبعض نوابها الذين شنوا هجوما عدائيا ضد مصر ولمصلحة الفرس ...
ولذا فان الاعتقاد بالوصول إلى ورقة يمكن تسميتها ، ' إعلان مبادئ ' تمهيدا لبحث التفاصيل فى لجان متعددة سيصل إلى حل انتقالى مؤقت لإخفاء الانقسام وليس إنهاء الانقسام ، وهو ما يمثل خطرا كامنا بل وربما يكون أكثر سوداوية فى المرحلة السابقة .
ويبدوان حركة حماس ، تستنسخ فى كل ممارساتها الطريقة الإسرائيلية فى التعامل مع الشأن الداخلي ، سواء سلوكها فى مواجهة المعارضين ، إرهابا واعتقالا ، أو حملات قمع جماعية ووصولا إلى ' الاستنساخ السياسي ' ...
تريد تكرار المرحلتين ، المرحلة الانتقالية المستندة إلى إعلان مبادئ ، وتدخل في عمل اللجان الخاصة لتبحث فى التفاصيل إلى زمن قد لا ينتهى فعليا ،وخلاله تكون حماس موضوعيا عززت وجودها ' الانقلابي ' بشكل جديد متوافق عليه وطنيا وعربيا ، عبر احتفاظها بمؤسساتها الأمنية فى قطاع غزة ، فى المرحلة الانتقالية ، وهنا تصبح لها كلمة السيادة الفعلية والتحكم فى مجريات الحركة الواقعية ، مع ما يمكن أن يحمله ذلك من مخاطر حقيقية مع كل من خالفهم أو سيخالفهم الرأى لاحقا ، والسابقة التى حدثت لم تكن مسالة خطأ فنى ، فهى سلوك سياسي ثقافى ونهج فكرى لحركة لا تؤمن أصلا بالخيار الديمقراطى ..
ولذا فان كان الهدف الوصول إلى حل حقيقى لإنهاء الانقلاب بكل ما تعنى هذه الكلمة من مضمون آثارا ونتائج ، فان المسالة ، تقتضى أن لا ندخل فى مرحلة انتقالية تحمل كل عناصر الانفجار ، خاصة أن مختلف الأطراف ، وبالأساس حركة حماس تتحسب جيدا للمرحلة القادمة ، سواء الوضع السياسي الاقليمى أو آثار العلاقة مع بلاد الفرس ومخاطرها التى باتت تتضح لمن كانوا مصابين بعمى ألوان ، مع ما ترافق لها من عزله وطنية داخلية وخسارة شعبية وانكشاف وجه لم يكن حاضرا قبل الانقلاب ، سواء على مستوى الأداء والسلوك أم استخدام الإرهاب القوة لحوار الآخر ... مقابل اهتراء فى الموقف السياسي للشرعية السياسية وخاصة على صعيد التفاوض مع إسرائيل ...
أن الوقت الراهن يتطلب التوصل إلى وثيقة شاملة وكاملة تحدد جوابا للمبادئ و التفاصيل ، بما فيها مسألتى قانون الانتخابات وآلياتها سواء للمجلس التشريعي أو منظمة التحرير باعتبارها احد الأدوات التى ستعيد التوازن السياسي فى الساحة الفلسطينية .
وتبقى المسالة الأمنية هي العنصر الأساسي فى الحل ، فأى بقاء للمؤسسة الأمنية القائمة كما هى فى الفترة الانتقالية فإنها تعنى عمليا حكما بالإعدام المؤجل ... فالحل يبدأ من وضع حد لتلك السوابق التى شكلت ركيزة للانقلاب والرده الوطنية ، بكل مظاهرها وليس فقط المؤسسة الأمنية الشرعية ، بل ما هو إلى جانبها أيضا ... من هنا تبدأ حالة التوافق الوطنى ...
الوصول إلى حل مؤقت هو علاج مؤقت ، ولكن مخاطره أكثر بكثير من تحمل بعض الألم وصولا إلى العلاج الدائم ...