الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    ترامب: لا أحتاج إلى القانون الدولي والقيد الوحيد على سلطتي كرئيس عقلي وأخلاقي الخاصة    الجيش الروسي يطلق صواريخ باليستية وفرط صوتية وكروز تجاه أوكرانيا    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    دومينيك حوراني تنضم إلى «السرايا الصفرا»... خطوة مفاجئة تشعل سباق رمضان 2026    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    أمطار غزيرة تواصل ضرب الإسكندرية والمحافظة ترفع درجة الاستعدادات القصوى (صور)    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الانتحار ليس حلا .. قصة كفاح شاب/السيد حامد
نشر في محيط يوم 24 - 10 - 2010


الانتحار ليس حلا .. قصة كفاح شاب :
نموذج "كريم الشاذلي" من عامل في محطة بنزين إلي كاتب ومقدم برامج


* السيد حامد

كريم الشاذلي
في حياتنا قد نجد أنفسنا أحيانا في حاجة إلي قدوة أو مثال للنجاح نهتدي به في ظل ما تعانيه البلدان العربية من أوضاع, أو علي الأقل نحتاج – نحن معشر الشباب – أن نتعرف على شاب في سننا, نجح رغم بداياته الصعبة.

ومنذ مدة قدمت كمثال للنجاح الدكتور مدحت نافع, المساعد السابق لرئيس البورصة المصرية, والخبير في المحاكم الاقتصادية.

واليوم أقدم النموذج الثاني وهو كريم الشاذلي.. وهو من مواليد عام 1978, كاتب في مجال العلوم الإنسانية, ومقدم برامج, وصاحب دار أجيال.

خلال سنوات قليلة استطاع أن يشق طريقه في عالم الكتب والنشر, أصدر حتى الآن أحد عشر كتابا, منها قرع على أبواب المجد, إلي حبيبين, أفكار صغيرة, الشخصية الساحرة, امرأة من طراز خاص, الآن أنت أب, سحابة صيف, لغات الحب, أسطورة الحب, ما لم يخبرني به أبي عن الحياة.

استطاع الوصول إلى الفئة الأصعب, الشباب؛ بتمرده وعنفوانه يحترمه ويسمع منه، ويبحث عن كتبه في جميع المعارض الدولية. يطبع من كتابه في العام أكثر من 20 ألف نسخة.

بدايته كانت محدودة جدا.. عامل في بناء عمارة ثم عامل في محطة بنزين و..... لنستمع إلي قصة نجاح كريم الشاذلي منه.

اسمي كريم عمر هلال الشاذلي, من مواليد 1978, انتمي إلي أسرة متوسطة من قرية صهرجت الكبرى, ميت غمر, محافظة الدقهلية.

بدأت رحلتي مع القراءة عندما كنت في السنة الخامسة الابتدائي, حينما وجدت أستاذة حصة المكتبة توزع علينا قصص شكلها جميل ومختلف عن كتب المدرسة.

كانت هذه أول تجربة لي مع الكتاب والقراءة.

قبل ذلك كانت عيني تقع على كتب دون أن أعرف معناها. فجدي هو الشيخ هلال الشاذلي, الذي كان يعمل ناظر مدرسة, وامتلك سمعة طيبة, وعلم وافر حيث كان قارئا نهما، وقد سمعت أساطير عن كرمه وزهده وعلمه وخشيته الله.

وعندما أبصرت عيني الحياة, وجدت سطح منزلنا ملئ بأكوام من الكتب والمجلات تعود ملكيتها إلي جدي. وللأسف كانت جدتي تتخلص من تلك الكتب باعتبارها أشياء تزحم سطح المنزل, ورغم أني من عائلة تقدر العلم إلا أن المدهش في الأمر أن أحدا لم ينتبه إلي الجريمة التي تمت في حق كتب جدي.

ما أقصده أني تربيت وسط الكتب, وأول قيمة أؤكد عليها هنا: لو أردت عزيزي الأب – أو عزيزتي الأم - أن يكون ابنك محب للقراءة, فعليك أن تجعله يشاهدك وأنت تقرأ. الأب والأم اللذين يقرأ ويتصفحا الكتب؛ حتى بين الحين والحين؛ يغرسا في لاوعي الطفل حب القراءة .

في الخامسة ابتدائي, بدأ غرامي بالكتب. قرأت لكامل الكيلاني, الشياطين 13, أدهم صبري, رجل المستحيل.. إلخ.. قرأت وقرأت حتى صار الكتاب عالمي ودنيتي, مما أثر بالتالي على مسيرتي الدراسية, فقد أهملت كتب المدرسة، وصار عالمي المفضل هو ذلك العالم الافتراضي والساكن بين دفتي كتاب.

مع تراجع مستواي الدراسي شن البيت حربا على الكتب.. وللأسف كان من أخطاءهم أنهم لم يقننوا العملية, لم يطلبوا مني مثلا تخصيص وقت للقراءة وقت للمذاكرة.

بل اعتبروا الكتب هي العدو رقم واحد لأبنهم, خاصة أنني قبل غرامي بالكتب - كنت متفوقا في دراستي, وبعد أدماني للقراءة "أصبحت أنجح بالكاد". وبدأ الانحدار التام في دراستي خلال الصف الثاني الإعدادي.

وهكذا كان قرار الأسرة القاسي: حرق كل الكتب التي احتفظ بها.

الآن .. حينما أتذكر ذلك, أقول بأن أبي كان مصيبا في محاولاته لشغلي بالمذاكرة, لكني لست معه في الطريقة التي كان يتبعها والتي لم تكن تزيديني إلا عنادا.

كان أبي – متعه الله بالصحة - يتمني أن أصبح مهندس, وكان يضغط علىً بشدة, أما أنا.. فلم يكن الأمر يفرق معي, بل وزاد شغفي بالقراءة مع دخولي عوالم مصطفي محمود, وإحسان عبد القدوس, ويوسف جوهر.. باختصار: أصبح لدي حالة من العته بالقراءة.

وجاءت الطامة الكبرى عندما ظهرت نتيجة الإعدادية, فلم أحصل على مجموع يؤهلني لدخول الثانوي العام.
كانت صدمة قاسية لأسرتي؛ ولي أيضا، فنحن أسرة من آلاف الأسر المصرية التي ترى في التعليم الملاذ الآمن والوحيد من ضربات القدر.. وللأسف خيبت أنا أمل الجميع، ولجأ الأهل لمعاقبتي بالهجر تارة والتأنيب تارة أخرى، ففررت منهم إلى الكتب ..!!

قدمت أوراقي لأحد المدارس الفنية، وصدقني لم أعرف في المدرسة سوى غرفة المكتبة. وفي ظل الفساد القائم في التعليم الفني لم أجد صعوبة في الحصول على شهادة، لا تساوي الحبر الذي كتبت به !.

طعم الشقاء

القراءة ليست بالمجان وشراء الكتب يستدعي مصدر رزق، وهكذا دفعتني الحاجة إلى طرق باب العمل مبكرا !

فأثناء دراستي عملت في كل المهن والحرف تقريبا.

أول وظيفة كانت في المقاولات, أرفع الرمل والأسمنت. وكانت فترات الإجازة بالنسبة لى فرصة طيبة لتوفير مبلغ كبير، وإذا ما انتهى المال كنت أعود أدراجي للعمل ثانية ..

وبعد ثلاث سنوات ضائعة من العمر .. بدأت في التخطيط للسفر إلى الخارج.

وحدي .. طرقت أبواب مكاتب السفر، وتعاملت مع تجار البشر، وسارقي أحلام الشباب، وخلصت في النهاية إلى أن السفر بحاجة إلى مال.. ولم يكن الطريق غائبا عن ناظري ..!!

بلا أي تحفظ بدأت في العمل، أي عمل شريف يوفر لي ما يؤمن السفر..

عدت للمقاولات ثانية .. ثم عملت بعدها "كاشير" في سوبر ماركت من 10 صباحا حتى 12 مساءا, انتقلت بعدها إلي محل ملابس؛ كان عملي الأساسي فيه غسل البلاط في الصباح, وتنظيف البدل في الفاترينات, وإعداد أكواب الشاي والقهوة.

كما عملت في محطة بنزين, منذ التاسعة صباحا, حتى ثاني يوم في التاسعة صباحا. وإذا أضفنا ساعات السفر لعملت كم كان مرهقا ذلك العمل.

ولا أنسي ما حدث معي في أول يوم؛ حينما جاءت سيارة ملاكي, فقمت بتموينها, ودفع صاحبها ثمن البنزين, قمت بعد المبلغ فوجدته زيادة, فأعطيته الفارق, لم يمر وقت طويل حتى وجدت صاحب السيارة عائدا إلي المحطة وهو في أشد الغضب. لقد قمت بتموين السيارة بالسولار وليس بالبنزين!!.

المثير للدهشة أني كنت شخصا ملفتا للنظر في تلك الفترة، منظر عامل نظافة يتأبط كتاب للعقاد أو مصطفى محمود أو سيد قطب كان شيئا مثيرا وغير مألوف. الولد أبو كتاب !!.. كان أسهل اسم يمكن أن ينادوني به دون أن يلتفت غيري..
الاغتراب والغربة .

وبعد أن توفر معي مبلغا كافيا بدأت في طرق الأبواب بجدية أكبر..

حاولت السفر إلى إيطاليا, السعودية, الكويت لم أوفق حينها ..

الإمارات كانت هي الأقرب.. ودفعت ما أملك، واستدنت الباقي، وحملت شنطة سفر صغيرة، بها - بجانب ملابسي القليلة- الكثير من الأحلام والطموحات..

وحين هبطت الطائرة في مطار أبوظبي، هبطت معها جميع الأحلام ..!!

عامل في مقهى حقير هو ما ينتظرني هناك.. الجديد هنا أنك لا تملك حق القبول أو الرفض. نظام الكفيل أعادني إلى ما كنت أقرأه عن عصر العبودية، وتقييد المصير. وبدأت مرحلة جديدة من العذاب..

وافقت على العمل في غسل أكواب الشاي. وعشت أسوأ أيام حياتي.

أصبت بالاكتئاب..

شعرت بالهزيمة..

كنت أعتقد أني مسافر لبلاد تحقق أحلامي, فوجدت نفسي عامل في قهوة!.

حتى راتبي في القهوة ضئيل. لكي أسدد ثمن "الفيزا" فقط عليً أن أعمل عام ونصف العام.
كنت أعمل من 12 ظهرا, حتى 2 صباحا.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى كما يقول المثل، فلقد فجعت بأن أدار لي بعض المعارف ظهورهم بشكل قاس، وهو وضعني أمام الحقيقة الواضحة..أنني في مفترق طرق حياتي..

هل جربت أن تحسب الوقت بالثانية، أن تتنفس الذل في كل شهيق.. هذا كان حالي في تلك الأوقات الصعبة.
وجاء الفرج .

شاء الله أن تفتح بجوار المقهى مكتبة "مركز الكتاب الإسلامي". وأصبحت كل يومين أو ثلاثة أذهب لشراء كتب منها. وهذا الأمر ضايق أصحاب المقهى التي أعمل فيها لدرجة أنهم أمروني بعدم الذهاب للمكتبة مرة أخري.

أما عن سبب الغضب، فلا لشيء إلا لمحاولتهم الضغط عليً؛ كي أطالب بالعودة إلى بلدي بخفي حنين؛ يمكنهم بعدها استقدام عبدا آخر.. أقصد عامل آخر يستولوا منه على تحويشة عمره.

كنت وقتها فاقد الثقة في كل البشر, لم أتصور يوما أن هناك شخص في الحياة يمكن أن يحمل بين جنبيه قلب ينبض بالخير. وأراد الله أن يلقني درسا في فن الحياة.

استوقفني صاحب المكتبة ذات يوم؛ واسمه محمد المنصوري أبو مبارك, وعرض على العمل معه. شرحت له موقفي, وصعوبة الانتقال من كفيل لآخر إلا بعد مرور عام طبقا لقوانين الإمارات في ذلك الوقت.

وبالفعل توجه المنصوري إلي صاحب القهوة, وبالطبع رفض انتقالي للمكتبة, بحجة استحالة الاستغناء عن مجهودي.
كان موقفا غربيا من صاحب القهوة.

قبلها كان يتمني أن أغادر الإمارات إلي مصر. الآن يرفض أن انتقل لعمل جديد. وسبحان الله أصر المنصوري علىَ بدون أي سبب منطقي, فلم أكن صاحب خبرة ليلح على طلبي بكل هذا الإلحاح.. ودبرنا خطتنا للفكاك من أصحاب السوء.

قلت لأصحاب القهوة: أريد أن أرجع مصر.

وافقوا بمنتهي السرعة؛ فهذا ما تمنونه طويلا؛ مقابل أن أتنازل عن كامل حقوقي المالية, حتى أنهم رفضوا حتى حجز تذكرة سفري.

كان المنصوري قد اتفق معي على أن أسافر إلي مسقط. وقتها كان مسموحا أن أحصل علي "فيزا" وأنا ما أزال في الإمارات. سافرت إلي مسقط, ومكثت في الترانزيت ساعتين, وعدت مع نفس الطائرة.

دخلت الإمارات للمرة الثانية, لكن هذه المرة وأنا أشعر بأني استنشق نسيم الحرية.

وبدأت رحلتي من جديد.

عاملني المنصوري كأحد أولاده. في رمضان نفطر ونصلي سويا. جعلني أقوم برحلة حج إلي بيت الله الحرام على حسابه الشخصي.

كانت هذه رسالة من الله, بأني كما وجدت أناس في منتهى القسوة بلا مبرر أثناء عملي في القهوة, أجد رجل يعطيني بلا حدود؛ وبلا مبرر أيضا.

وبدأت أتعرف على الكتًاب, وأحضر الندوات, والأمسيات.

وكانت الفرصة سانحة لترتيب أوراق حياتي مرة ثانية ..

وقدمت أوراقي في كلية الإعلام جامعة القاهرة الجامعة المفتوحة- وبدأت في حضور دورات في التنمية الذاتية والعلاقات الأسرية، مستفيدا من جميع الكبوات الماضية في وضع رؤية للمستقبل..

مرحبا بالإبداع

وبدأت أنتقل من مرحلة القراءة إلي الاحتكاك بالعلماء بعدما تعرفت على شخصية الدكتور على الحمادي- الأستاذ في الإدارة – حيث أثر فيَ كثيرا بتدينه وتواضعه وعلمه الغزير.

جلست بين يدي أساتذة كثر. وكان من عاداتي أنا وصديقي عبيد سليمان الطواف حول العلماء والتعلم منهم
وطرقت عدة أبواب, كان منها الشعر. ومصادفة قرأه أحد المنتجين فقرر إخراجه للنور.ورغم ذلك لم أشعر بأني شاعر. لذلك توقفت.

كان من أشهر الأغاني التي كتبتها قصيدة "آيات الأخرس" الفلسطينية التي فجرت نفسها في جنود الاحتلال الإسرائيلي. تقول كلماتها:

أني ذاهبة يا أمي
ألبس أكفانا ذهبية
أحمل بين جوانب صدري.. قلبا ينبض بالحرية

اسمي آيات يا وطني.. وملامح وجهي شرقية
أبلغ عشرين من العمر.. وينادوني: يا ثورية
لا اخشي الموت يا أبتى

فالروح للقدس هدية
بل اخشي أن تبقي بلادي وهما لوعود وردية
اسمي آيات يا وطني .. وينادوني: يا ثورية

....

يا شعبي المجروح تقدم.. ما عادت بالصمت قضية
واصرخ أن القدس ستبقي.. رغم أنوف الغدر آبية
يا مسرى المختار وداعا

وإليك يا أمي وصية
أحكي لشباب الإسلام.. قصة آيات العربية
والقصيدة متوافرة على موقع اليوتيوب

http://www.youtube.com/watch?v=ggmwyQ--Uhs

كانت طموحاتي بدأت تخرج من قمقمها, ولاحظ ذلك مدير المكتبة التي أعمل بها, فعرض عليَ البحث عن عمل آخر, وفي حالة الفشل يمكنني أن أعود لوظيفتي كمدير مشتريات في المكتبة. طبعا.. هذا عرض لا يتواجد حتى في عالم الأحلام. وهذا كله من فضل الله عليَ.

بدأت أنا وصديقي عبيد نعد لإصدار مجلة "ألوان الطيف". وبعد سنة من الإعداد والعمل تعثرت المجلة. وتحطم الحلم..
و.. قررت أن أترك الإمارات عائدا إلي مصر.

متيقنا بأن أراضي الله كلها واحدة وأن الأمر يتوقف على مدي جهدي.

كتبت وأنا في الإمارات كتاب "قرع على أبواب المجد", ونشرته دار نشر مصرية, وكتبت "إلي حبيبين" لكنه ظل في درج الناشر سنه كاملة, بدعوى أن الكتاب ليس جيد, وأن أسلوبي ليس سليم؛ والكتاب يحتاج تعديل.

وعندما عدت لمصر أنشأت "دار أجيال للنشر والتوزيع", وللآسف لم يتقبل أصحاب المكتبات في مصر كتبي في التنمية البشرية حيث لم تكن رائجة مثلما هي الآن.

أحبطت, وقررت أن أغلق الدار, حتى جاءني أحد الناشرين, ووقع عقد احتكار معي لشراء 8 كتب.

أخذت منه الفلوس, سددت ما عليَ من ديون, ووضعت الباقي في رصيد الدار الوليدة.

ستة عشر عاما منذ بدأت العمل والسفر.. قدر لي من خلالها أن أتعرف على وجه الحياة الحقيقي، أعطتني خبرة جيدة لأعي جيدا ما أكتبه، وأتفهم إحباط وخوف وترقب الشباب، ولعل هذا ما أعطى لكتاباتي مصداقية عند قارئ يرى بأن كاتبه المفضل لا يكتب من أعلى، وإنما يجاهد معه صدمات الحياة، ويقاربه في السن والطموح والمشكلات ..

اليوم بفضل الله لي جيشا صغيرا من القراء، كتاب إلى حبيبين اقترب من حاجز ال 100 ألف نسخة، وترجم إلى لغات أجنبية، أطوف مصر وخارجها للحديث عن كتبي وأفكاري .. ولا يوجد سعادة يمكن أن تضاهي سعادتي برسالة من صديق يؤكد لي أن كتبي قد أثرت حياته، وأعطته رأيا أفاده في مسيرته .

من أقوال كريم الشاذلي ..

- صدقني ليس في الحياة فاشل .. وإنما هناك إرادة فاشلة، ليس هناك يأس وإنما دوافع هشة خاملة .. ليس هناك إحباط، وإنما عزيمة رخوة لينة ..!

أنت من يصنع المترادفات، وبيدك بشرط الجهد والتعب تغييرها ..

- كل بلائنا نابع من الجهل، نعصي الله لجهلنا بعظمته، نتعثر في الحياة لجهلنا بقوانينها، نخسر من نحبهم ويحبوننا لجهلنا بطبيعتهم أو طبيعتنا !.. قاتل الله الجهل .

- الله -عز وجل- يقول: (بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ)، مهما كانت معاذيرك، ومبرراتك، إلا أنك أكثر شخص على وجه الأرض تستطيع قراءة نفسك، والتفتيش بداخلك، والتعامل مع نزواتك وشطحاتك، الإرادة العلياء لم تظلمك، لم تعطك عقلا أصغر من فهم حدودك الشخصية ..

- من حقائق الحياة المؤلمة للكسولين أن المرء لا يحصل على ما يريده، وإنما على ما يستحقه.


* كاتب من مصر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.