لا جدال أن العالم اليوم تحكمه العقلية السياسية الانحلالية واشتراع قوانين الإكراه بهدف الانفصال عن الله وخصوصاً بعد انفراد قطبية واحدة بعالم اليوم وممارستها القوة والقمع ضد الكيانات الروحية والأخلاقية حتى في الأمور المتعلقة بالعطلات الدينية الرسمية التي هي ضرورة حياتية وحركة ثابتة ورمز معرفي تاريخي خاص بحياة ومنطق كل أمة من الأمم . فالعطلة هي حق روحي منحته الشرائع السماوية للبشر من أجل أن تستقيم الحياة في المجتمعات البشرية . فالعامل الذي يعمل دون توقف طوال أيام السنة يصاب بالإنهاك ويموت سريعاً .
كما أن الأعمال المستمرة تؤدي إلى فقدان التواصل الاجتماعي ، لأن الإنسان يكون مشغولاً بعمله طوال الشهر والسنة . ولذلك ، كان يجب وجود عطلة يرتاح فيها العامل ويتواصل مع أسرته ومجتمعه . وقد منحت الشريعة الموسوية بني إسرائيل يوم السبت عطلة لهم ، ففي هذا اليوم يرتاحون ويقدسون ربهم . وجاءت الديانة المسيحية ، فجعل سندتها يوم الأحد ، يوم راحة لأتباع هذه الديانة ، وفي هذا اليوم يرتاحون ويؤدون الصلاة للمسيح . وكان العرب قبل الإسلام ، ولاسيما في مكة ، يقدسون يوم الجمعة الذي كانوا يسمونه "عروبة" وكانوا يرتاحون في هذا اليوم ويجتمعون في ناديهم للاستماع إلى خطبة يلقيها عليهم أكابرهم .
وبعد ظهور الإسلام ، جاء النص في القرآن على جعل يوم الجمعة يوم راحة وعبادة ، وقد درج المسلمون على تعظيم هذا اليوم وتقديسه . وبالرغم من وجود النص في الديانات الثلاث على العطلة الأسبوعية ، فإن هذه العطلة لم تكن ذات شأن قبل حدوث الثورة الصناعية في أوروبا في القرن التاسع عشر ، لأن المجتمعات البشرية كانت تقوم على الزراعة التي لا تحتاج بطبيعتها إلى عمل مستمر ، فالفلاح الذي يزرع حقله ينتظر باقي أيام السنة ليجني المحصول ، لكن بعد حدوث هذه الثورة ، ظهرت المعامل وبدأ أرباب العمل بتشغيل العامل ساعات طويلة ومن دون عطلة .
وقد حدثت ثورات عمالية عديدة في أوروبا أدّت في النهاية إلى تقنين ساعات العمل بثماني ساعات وإعطاء العامل يوم راحة أسبوعي . ولما كانت أوروبا مسيحية ، فقد تم تحديد هذا اليوم بالأحد . وبعد أن انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، تعززت الديمقراطية في الغرب وأصبحت حكومات الدول الغربية تتسابق لإرضاء شعوبها ، وأصبح صوت العامل مسموعاً بقوة لدى الفئات الحاكمة هناك .
وبدأت نقابات العمّال بالمطالبة بجعل العطلة الأسبوعية يومين بدلاً من يوم واحد ، من منطلق أن اليوم الواحد لا يكفي . واستجابت الحكومات لهذه المطالب ، فتم جعل العطلة يومين هما السبت والأحد ، وتم جعل عدد ساعات الدوام ثماني ساعات كاملات. ومع استقلال معظم الدول العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين ، حددت الحكومات العربية والإسلامية لشعوبها يوم الجمعة عطلة لها . ومع بدء عصر العولمة الأمريكية بعد انهيار المعسكر الشرقي في بداية التسعينيات من القرن الماضي ، ظهر اتجاه غربي لتوحيد العالم اقتصادياً وسياسياً وفكرياً تحت راية الولاياتالمتحدة والغرب ، فكثر الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وعن ما يسمى "عصر الشعوب" ، وترافق ذلك مع حملات إعلامية وسياسية غربية مغرضة هدفها تغيير الواقع القائم في الدول العربية والإسلامية تحديداً ، لأن هذه الدول لم تنخرط بشكل سريع في هذه العولمة .
وهذه الحملات استهدفت ما يسمى انعدام الحرية السياسية والاقتصادية ، وانعدام الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي . ولذلك ، زادت الضغوط الغربية على الدول العربية لتعديل مسارها . وفجأة أصبحنا نسمع عن إجراء انتخابات بلدية ونيابية ورئاسية في هذه الدولة العربية أو تلك . كما أصبحنا نسمع عن سعي هذه الدولة العربية أو تلك إلى جعل العطلة الأسبوعية يومين بدلاً من يوم واحد ، وذلك تأسياً بالغرب . لكن الدول العربية في معظمها ، جعلت عطلتها يومي الجمعة والسبت لكي تكون قريبة من عطلة الغرب يومي السبت والأحد .
إلاّ أن الغرب لم يرتح لهذه العطلة ، لأن فيها شيئاً من تراث هذه الأمة وهو يوم الجمعة الذي يقدسه المسلمون . ولما كان الغرب يريد تدمير هذا التراث وإشاعة كل ما هو شاذ في هذه الأمة ، لذلك اعترض على هذه العطلة وحرّك أدواته وعملاءه في الأوطان العربية للمطالبة بجعل العطلة يومي السبت والأحد . والواقع أن الحكومات العربية مطالبة الآن وبقوة بضرورة المحافظة على دين وتراث هذه الأمة ، وعليها ألاّ تخضع للإملاءات التي تتعارض مع الشريعة ومع العادات الموروثة ، وعليها أن تبقي العطلة يوم الجمعة من أجل الحفاظ على جوهر هذا اليوم وقدسيته . ** كاتب من الامارات