كيف تبدو إسرائيل من الداخل ؟ .. جوني منصور يكتب غلاف الكتاب محيط - علاء بيومي عن الدار العربية للعلوم ومركز الجزيرة للدراسات صدر كتاب بعنوان "إسرائيل من الداخل " ، والمؤلف جوني منصور الباحث المتخصص بالشأن الفلسطيني يبدأ بمقدمة تتحدث عن فجوة كبيرة في متابعة العرب لما يجري يوميا داخل إسرائيل، معتبرا أنهم في حاجة لتخطي المعرفة المبنيةعلى الصحف اليومية عن إسرائيل ، والإنتقال لمعرفة العمق والجوهر . جاء الفصل الأول بعنوان " الاقتصاد الإسرائيلي .. حاضرا ومستقبلا" ، ويرى فيه المؤلف أن الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من ارتفاع تكاليف الأمن وزيادة نفقات الحرب، وأنه يتوجه منذ بداية التسعينيات بخطى سريعة نحو الخصخصة والتي زادت من الفجوة بين الغني والفقير في إسرائيل بشكل كبير ، يصب في غير صالح فلسطيني الداخل بشكل أساسي. كما يقول أن إسرائيل "تعمل جاهدة لبسط سيطرتها بل هيمنتها على موارد وثروات المنطقة برمتها"، وذلك ضمن ما يسمى "بمشروع الشرق الأوسط الجديد"، وخير مثال على ذلك انتقال قطاعات صناعية من إسرائيل إلى الأردن - على رأسها قطاع الغزل والنسيج - وتنامي التجارة بين البلدين . لذا يحذر مؤلف الكتاب - جوني منصور - من أن إسرائيل اخترقت المقاطعة العربية الاقتصادية لها، وأن الاختراق سيتواصل إلى "أصغر مصلحة وورشة اقتصادية في العالم العربي" وهو تحذير يبدو خطابيا ومبالغا فيه بشكل واضح . ثم يركز المؤلف في بقية الفصل على ظاهرة الفقر وتفاقمها في إسرائيل باعتبارها أزمة إسرائيل الحقيقية ؛ حيث وصلت معدلات الفقر في إسرائيل في عام 2006 إلى 20.2%، ويتناول بعض الخطط الحكومية لمعالجة الفقر من خلال تشجيع الإنتاج ومعالجة ظاهرة الفقر لدى فلسطيني الداخل واليهود المتدينين، وتقليص عدد العمال الأجانب بإسرائيل. أوسلو وعرب 48 على الرغم من أن عنوان الكتاب يوحي بأن المؤلف سيعطي تفاصيل للداخل الإسرائيلي – المجهول لدى العرب بالطبع – في الشؤون السياسية والثقافية والاقتصادية وغيرها ، إلا أنه في الحقيقة جاءت فصول الكتاب الأربعة عشر لتدور في مجملها حول علاقات إسرائيل بمحيطها العربي، وهي مفارقة غريبة ولا يوجد لها تفسير، ولكن ومع ذلك لم يخل الكتاب من أفكار هامة وجديدة وأطروحات تسترعي التوقف أمامها . ونقرأ بالكتاب أن اتفاقية أوسلو التي تقوم عليها عملية السلام الحالية أهملت عرب 48 ولم تضعهم على طاولة المفاوضات، في حين أن إسرائيل من الداخل تبحث عن تسوية شاملة تشمل عرب 48 والدول العربية المحيطة بها ؛ فإسرائيل من الداخل تعيش مرحلة استقطاب متزايد بسبب نمو التيارات اليمينية العلمانية منها والمتدينة والتي تدفع البلد في اتجاه الفصل العنصري المقنن، وتأجج خوف الإسرائيليين الديمغرافي من عرب 48 لذا تبحث إسرائيل عن اتفاقية سلام تساعدها على التخلص من عرب 48 وتساعدها على تبادل الأراضي مع الدول العربية المحيطة بها. صراع الطبقات إسرائيل – كما يرى المؤلف – لن تتخلى عن أجزء من هضبة الجولان تسيطر على منابع المياه هناك، لذا فهي تسعى إلى اتفاقية سلام تسمح بتعويض دمشق عن بعض أراضي الجولان التي سوف تحتفظ بها إسرائيل في مقابل تنازل لبنان لسوريا عن بعض الأراضي ضمن تسوية شاملة مع إسرائيل ، تشمل أيضا تبادل أراضي بين الأردن وإسرائيل وسوريا والسلطة الوطنية الإسرائيلية . وحتى يحدث هذا الأمر تعيش إسرائيل من الداخل حالة استقطاب طبقي متزايد وعنصري حاد ومتزايد، فالمجتمع الإسرائيلي مقسم بطبيعته لطبقات تستعلي على بعضها بعضا ؛ فاليهود الغربيون يعتلون القمة يليهم اليهود الشرقيون واليهود المتدينون وفي أسف السلم يأتي عرب 48 ثم البدو . وتبدو طبقية إسرائيل مدعومة بالسياسة والاقتصاد معا، فاليهود الغربيون يسيطرون سياسيا واقتصاديا على إسرائيل، واليهود الشرقيون يحاولون اكتساب مزيد من المزايا من الحكومة الإسرائيلية من خلال التشدد والتحرك نحو اليمين وهو أمر يأتي على حساب العرب بالأساس، وعلى حساب الطبقات الفقيرة كاليهود المتدينين والعرب والبدو . والحكومات الإسرائيلية تبدو عاجزة عن التعامل مع الصراعات الطبقية في إسرائيل، فهي تعاني من عدم الاستقرار ومن قصر العمر ومن قضايا الفساد التي تلاحق السياسيين الإسرائيليين تباعا ومن الانشغال بقضايا الأمن والحرب، وهي أسباب تحول مجتمعة بين اتخاذ مواقف حاسمة ضد صراع النخب الإسرائيلية والاستقطاب الإسرائيلي المتزايد داخل إسرائيل . الصهيونية الجديدة الاستقطاب المتزايد أضعف الصهيونية التقليدية والتي يمثلها حزب العمل الإسرائيلي والتي كانت تدعو إلى بوتقة صهر إسرائيلية تذيب الفوارق بين الجماعات اليهودية المشكلة لإسرائيل بالأساس، وتسعى إلى السلام مع الفلسطينيين في دولة خاصة بهم مع رفض حق العودة إلى الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل حتى تبقى إسرائيل دولة يهودية . ولكن بوتقة الصهر هذه فشلت أمام الصهيونية الجديدة والتي تميل إلى اليمين والتشدد والعنصرية، فقد تمسكت الجماعات اليهودية المختلفة المكونة لإسرائيل بخلفياتها الأخرى علمانية كانت أو دينية وعجزت عن الاتفاق على تعريف واحد للهوية اليهودية، كما رفضت الجماعات اليمينية المتشددة الاعتراف بوجود شعب فلسطيني يعيش في داخل أو خارج إسرائيل على الرغم من اقتراب الحكومات الإسرائيلية على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبدولة خاصة به . في المقابل تقوم الصهيونية الجديدة المدعومة بتيارات يمينية أميركية وغربية على مبدأ القوة والقوة فقط من خلال التشدد داخليا ضد عرب 48 وتعبئة إسرائيل في اتجاه مواجهات خارجية متجددة، لذا يرى المؤلف أن الصهيونية الجديدة المسيطرة حاليا لن تقبل بأي تسوية مع الفلسطينيين، وإن اقتراب تلك التسوية يزيد من تشدد الصهيونية الجديدة ضد عرب الداخل لأنه يدفع اليمين الإسرائيلي إلى التفكير في أسئلة صعبة مثل مستقبل دولته والانصهار الفاشل بين الجماعات اليهودية المختلفة داخل إسرائيل ووضع عرب إسرائيل أنفسهم . ويقول جوني منصور أن الضغوط التي يشعر بها الصهاينة الجدد تزيد لأسباب ديمغرافية نابعة من تراجع الهجرة اليهودية إلى إسرائيل حتى وصلت إلى هجرة سلبية (تاركة لإسرائيل) منذ عام 2005، وأن ذلك يعود لانصهار يهود الخارج في مجتمعاتهم الغربية لأسباب اجتماعية وثقافية، وتراجع أعداد اليهود الشرقيين بشكل كبير وكانوا في الماضي يشكلون مصدرا رئيسيا للهجرة إلى إسرائيل، في حين يتركز حاليا اليهود المقيمون خارج إسرائيل في الدول الغربية بالأساس. ونظرا لأن إسرائيل تميل ثقافيا إلى الغرب ولتفضيل اليهود المقيمون في إسرائيل الهجرة إلى الغرب ولكون اليهود الغربيون يمثلون رافدا مهما للدعم السياسي والمالي في إسرائيل فإن الهجرة العكسية من إسرائيل إلى الغرب تبدو وكأنها التوجه السائد في المستقبل . أضف إلى ذلك التناحر الداخلي بين الجماعات اليهودية ذاتها والتي تغلب مصالحها الفئوية على المصلحة العامة وتعاني من تراث تاريخي يسوده الاستقطاب والتمييز المتبادل . في ضوء ما سبق تزيد العنصرية الداخلية ضد عرب 48، حيث يرى المؤلف أن إسرائيل تتحرك ثقافيا وأيدلوجيا نحو لفظهم ورفض وجودهم خاصة وأن نسبتهم في إسرائيل يتوقع لها الزيادة من الخمس حاليا إلى الربع في عام 2025 كما يوضح الكتاب في فصله الرابع (المسألة الديمغرافية.. تهديد أم وهم) . على الساحة الخارجية يبدو تركيز إسرائيل الأساسي منصب على مواجهة إيران والتي تعتبرها إسرائيل الخطر الأكبر عليها في الوقت الراهن، وهنا يتنبأ المؤلف بأن توجه إسرائيل الضربة إلى إيران "في فترة قريبة"، أو في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين .