ليست فقط قناة السويس، المهددة "بالردم" بعد انتهاء أهميتها الاستراتيجية، على خلفية ظاهرة الاحتباس الحراري، وذوبان القطب الجليدي الشمالي، وما ترتب وسيترتب عليها من تغييرات بيئية وجيوستراتيجية متواصلة، منها إمكانية إقامة ممر ملاحي بديل مابين شمال شرق آسيا وغرب القارة الأميريكية، بل إن الدلتا بأكملها مهددة بالغرق فى مياه البحر المتوسط، على مدي عشرات السنين المقبلة، كإحدي النتائج الكارثية للظاهرة ذاتها، حيث تؤكد الدراسات الدولية والمحلية المتتالية أن دلتا مصر تعتبر من أكثر ثلاثة مواقع عالمية ستدفع الثمن الأكبر نتيجة لارتفاع منسوب المحيطات والبحار الكبري بسبب ذوبان الجليد القطبي. وفي تعليق منه، كشف المهندس "أمل سالم" – أستاذ علوم البحار - أن الدراسات التى تم إجراؤها فى الجامعات المصرية تصر على التحذير من فقدان 20 % من مساحة الدلتا خلال العقود القليلة المقبلة، وتشير إلى أن حوالي مائتي كيلومتر من الأرض التى يسكنها نحو نصف مليون نسمة، على وشك الاختفاء بحلول عام 2025، مما يعني أن المزيد من سكان تلك المدن مهددين بالتهجير جنوبا على طريقة أهل النوبة فى ستينات القرن الماضى. وأوضح أن السد العالي وعلى أهميته القصوي لأمن مصر المائي وبالتالي القومي، إلا أن من أهم سلبياته هي تناقص تراكم الطمي على الشطئان الشمالية، فى المناطق المحيطة بالمصب مابين دمياط ورشيد، التى تحتضن الدلتا المصرية وفى القلب منها مدينة الإسكندرية عروس البحر المتوسط. وأوضح أن طمي النيل المترسب كان يقوم بدور المعادل الطبيعي لمعدلات النحر المستمرة على شواطئ الساحل الشمالي، وأدي اختفائه إلى تصاعد النحر بصورة مضاعفة ومخيفة. وكان الحديث عن هذه المخاوف قد بدأ منذ سنوات قليلة فقط، إلا أن تداعيات الثورة المصرية قد خطفت الأضواء من عديد من القضايا المهمة، لمجرد أنها غير ذات صلة بالسياسة التى باتت حديث الشارع والنخبة على حد سواء. بالطبع كانت الحكومات المتعاقبة فى العهد البائد، قد واجهت هذه المشكلة على استحياء وبعد خراب مالطة كعادتها، بتصريحات وخطط لا يتم تنفيذها ودراسات يجري دفنها وفى النهاية الاستقرار على مجرد بناء حاجز صد حجري فى بعض المناطق الساحلية الشمالية، دونما التطرق لمواجهة فعلية، واتخاذ التدابير اللازمة لأجيال قادمة سوف تلعن سابقيها عندما فى وسعهم التصرف وقت كان ذلك متاحا ولم يحدث. المعروف أن مدينة الإسكندرية لم تكن أبدا كما هي الآن، من حيث حدودها الجغرافية بالتماس مع البحر، بل إنها كانت عرضة للزلازل والنحر المستمر على مدي عصور طويلة، وسبق وأن كشفت بعثة أثرية أميريكية وجود آثار لمدن عديدة بالساحل الشمالي، غرقت بالفعل واختفت تماما خلال مئات السنين الماضية – وهو على المدي الزمن الجيولوجي ليس ببعيد. جدير بالذكر أن الوصف التفصيلي لظاهرة الاحتباس الحراري، وبحسب تقارير بحثية موثقة، يتمثل فى زيادة احتراق الوقود بسبب الثورة الصناعية ومن ثم زيادة الغازات السامة وأول وثاني أكسيد الكربون لأضعاف مضاعفة، تقوم بامتصاص الأشعة تحت الحمراء الساقطة على الأرض منتجة حرارة عالية تؤدي لارتفاع درجة حرارة الارض، والتى تهدد بذوبان القطب الشمالي وزيادة مياه المحيطات والبحار بمعدل 90 سنتميتر سنويا وبالتالي غرق مدن عديدة في سواحل العالم. وأخيرا فإن اختفاء مدينة بحجم وجمال وأهمية "الإسكندرية" فى ظل صمت مطبق من جانب العلماء وتجاهل تام من جهة المسئولين يعتبر جريمة حقيقية فى حق التاريخ والجغرافيا .... والأجيال القادمة.