رحب الرئيس عبد الفتاح السيسي بالزعماء والقادة المشاركين في القمة العربية الأوروبية. قائلاً: أرحب بكم في بقعة غالية من أرض مصر. مدينة السلام.. شرم الشيخ. التي تجسد اقتناعا مصريا راسخا وعملا دؤوبا. نحو تحقيق السلام والاستقرار والتنمية. كما تجسد هذه المدينة الآمنة. التي يزورها ويختلط فيها مواطنو كافة دول العالم. أسمي قيم التعايش والتعارف والمحبة. التي كان شاهداً عليها ما احتضنته هذه المدينة. من ملتقيات تاريخية ومؤتمرات متعددة. سعت كلها إلي تعزيز الروابط الإنسانية. وصولاً إلي ما نصبو إليه جميعاً. من إرساء السلام والإخاء بين بني البشر. وأضاف الرئيس. في كلمة تاريخية بافتتاح أعمال القمة العربية الأوروبية الأولي. بشرم الشيخ. أمس. أنه من دواعي سروري. أن تستضيف مصر أول قمة عربية أوروبية. وهذا ليس بغريب علي مصر. التي شهد تاريخها علي مدار آلاف السنين. امتزاجا فريدا بين الحضارات وتفاعلا ندر نظيره بين الشعوب. وقال الرئيس السيسي. إن انعقاد قمتنا الأولي اليوم. ومستوي الحضور الرفيع. هو خير دليل علي أن ما يجمع المنطقتين. العربية والأوروبية. يفوق بما لا يقاس ما يفرقهما. كما يعكس الاهتمام والحرص المتبادل. لدي الطرفين العربي والأوروبي. علي تعزيز الحوار والتنسيق فيما بينهما بصورة جماعية. تدعيما لقنوات التواصل القائمة بالفعل علي المستوي الثنائي. وأملاً في الوصول لرؤية وتصور مشترك. لكيفية التعامل مع الأخطار والتحديات المتصاعدة. التي باتت تهدد دولنا ومنطقتنا علي اتساعها. وبعدما صار التغلب علي تلك التحديات بجهود فردية. أمرا يصعب تحقيقه. وأكد أن الدول العربية ارتبطت ودول الاتحاد الأوروبي. بأواصر وعلاقات تاريخية من التعاون عبر المتوسط. استندت في متانتها وقوتها إلي اعتبارات القرب الجغرافي. والامتداد الثقافي. والمصالح المتبادلة عبر العقود. بل والقيم المشتركة والرغبة الصادقة. التي ستظل تجمعنا سويا من أجل إحلال السلام والاستقرار. ومواجهة ما يفرضه واقع اليوم من تحديات. وعلي رأسها تفاقم ظاهرة الهجرة. وتنامي خطر الإرهاب. الذي بات -مع الأسف - أداة تستخدمها بعض الدول. لإثارة الفوضي بين جيرانها. سعيا منها لتبوؤ مكانة ليست لها. علي حساب أمن وسلامة المنطقة. وشدد الرئيس السيسي. علي أن خطر الإرهاب البغيض بات يستشري في العالم كله كالوباء اللعين. سواء من خلال انتقال العناصر المتطرفة عبر الحدود من دولة إلي دولة. أو باتخاذهم بعض الدول ملاذا آمنا. لحين عودتهم لممارسة إرهابهم المقيت. أو من خلال حصولهم علي الدعم والتمويل. مختبئين وراء ستار بعض الجمعيات المشبوهة. وأخيراً وليس آخراً. عبر توظيفهم لوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي. لتجنيد عناصر جديدة والتحريض علي العنف والكراهية. وقال الرئيس. إننا اليوم في أمَّس الحاجة. لتأكيد وحدتنا وتعاوننا أمام هذا الخطر. والوقوف صفاً واحدا ضد هذا الوباء. الذي لا يمكن تبريره تحت أي مسمي. فالإرهاب مختلف كل الاختلاف عن المعارضة السياسية السلمية. التي نقبلها جميعا كظاهرة صحية ومقوم أساسي لأي حياة سياسية سليمة. ولقد طرحت مصر رؤية شاملة. للقضاء علي خطر الإرهاب وآثاره السلبية علي التمتع بحقوق الإنسان. خاصة الحق في الحياة. وغيرها من الحقوق الراسخة. واستطاعت بالحوار والتعاون أن تربط بين هذه الرؤية والموقف الأوروبي. القائم علي أهمية احترام حقوق الإنسان خلال محاربة الإرهاب. وهو ما لا نختلف عليه بل نمارسه علي أرض الواقع. واوضح السيسي. "لقد تجسدت هذه التحديات المشتركة أيضاً في بؤر الصراعات في المنطقة. وعلي رأسها القضية الفلسطينية. التي تمثل قضية العرب المركزية والأولي. وإحدي الجذور الرئيسية لتلك الصراعات. بما تمثله من استمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة. بل واستمرار إهدار حقوق الإنسان الفلسطيني. والتي يغفلها المجتمع الدولي. كما يؤجج هذا الوضع غياب الرغبة السياسية الحقيقية. نحو التوصل إلي تسوية شاملة وعادلة. علي الرغم من أن مرجعيات هذه التسوية باتت معروفة. وموثقة في قرارات للشرعية الدولية عمرها من عمر الأممالمتحدة. ويتم تأكيدها وتعزيزها سنوياً. وإن طال انتظارنا لتنفيذها. وقال الرئيس. ولا يسعني هنا. إلا أن أحذر من تداعيات استمرار هذا النزاع علي كافة دولنا. كما أشير إلي أنه من مفارقات هذا النزاع. أن إحلال التسوية الشاملة والعادلة. دون انتقاص لكافة حقوق الشعب الفلسطيني ووفقاً لمرجعيات الشرعية الدولية. يمثل نفعا مشتركا لكافة الأطراف الإقليمية والدولية. كما سيفوت الفرصة علي قوي التطرف والإرهاب. لصرف انتباه الأجيال الشابة. التي لم تعرف سوي الاحتلال والحروب. عن الالتحاق بركب التقدم والتنمية. وأضاف السيسي. إن ترك النزاعات في ليبيا وسوريا واليمن. وسائر المناطق التي تشهد تناحراً مسلحاً. بدون تسوية سياسية. لا يمكن إلا أن يمثل تقصيراً. ستسألنا عنه الأجيال الحالية والقادمة. والتي بات ينتقل إليها عبر وسائل الإعلام الحديث. التفاصيل الدقيقة لهذه الكوارث الإنسانية. لحظة بلحظة. واوضح السيسي. أن ما تقدم من وصف. لم يكن بغرض رسم صورة قاتمة للأوضاع في المنطقة. وإن كانت الصورة قاتمة بالفعل في الوقت الراهن. وإنما كان الغرض منه التحدث بالصراحة اللازمة لمواجهة تلك التحديات. وتابع الرئيس. "ولذلك. فإنه وعلي الرغم من إقرارنا. بأنه لا توجد "حلول سحرية" لتجاوز تلك التحديات. إلا أن علينا استشراف بعض الخطوط العريضة كمفتاح للحل: أولاً: لقد أثبت تاريخ منطقتنا الحديث. أن استمرارية كيان الدولة الوطنية وصيانتها. وإصلاحها في الحالات التي تقتضي ذلك. هو مفتاح الاستقرار. والخطوة الأولي علي طريق إعادة الأمن للشعوب. التي طالها الخوف والقلق علي المستقبل. وبما يفتح الباب أمام جهود التنمية. ومن ثم. فإنه يتعين تعزيز التعاون بين دولنا. بغرض تدعيم مؤسسات الدولة لمواجهة التحديات الصعبة. مع الاعتداد بمبدأ المواطنة في مواجهة دعوات الطائفية والتطرف. وأوضح أن الدولة هي المسئولة بصفة أساسية عن ضبط حدودها. وضمان احترام حكم القانون. وصيانة أرواح وحقوق مواطنيها. ولذا فلا يمكن الاعتداد بأية دعوي. أياً كان مصدرها أو دافعها. من شأنها الدفع نحو هدم الدول ومؤسساتها. حيث إن ذلك وبكل بساطة. ينافي كل منطق. كما يتناقض مع التجربة التاريخية الحديثة التي عايشتها شعوب المنطقة. مع التأكيد بالتوازي علي حق الشعوب. في تلبية طموحاتها المشروعة. في الديمقراطية والتنمية. في إطار الدولة الوطنية المدنية الحديثة. ثانياً: أتساءل بكل صراحة مع الأشقاء والأصدقاء. ألم يحن الوقت للاتفاق علي مقاربة شاملة لمكافحة الإرهاب؟ بحيث تتضمن. كمكون أساسي. مواجهة أمنية صارمة مع التنظيمات والعناصر الإرهابية. ومواجهة فكرية مستنيرة مع منابعهم الأيديولوجية. كعنصر لا يقل أهمية. وكذلك منع التمويل والدعم المقدم لهم. ووقف التحريض الذي يقومون به. كعناصر مكملة لهذه المقاربة الشاملة. وفي إطار هذه المقاربة. وبغرض ضمان إنجاحها. لا يفوتني تأكيد أهمية التنفيذ الكامل لجميع أركانها. وأنها لن تكلل بالنجاح حال عدم تكاتفنا جميعاً لتنفيذها. أو الوقوف معاً بحزم أمام أي طرف يرفض تنفيذها تحت أية دعوي. ثالثاً: لقد أصبح من الضرورة القصوي أن تتحول منطقة الشرق الأوسط من منطقة "للنزاعات" إلي منطقة "للنجاحات". وهو ما يستلزم التعاون الصادق بين منطقتينا الأكثر تضرراً بهذه النزاعات. واللتان ستكونان الأكثر استفادة علي الإطلاق من هذه النجاحات. مما يستدعي التغاضي عن المصالح الضيقة. والعمل مع أطراف النزاع. عبر التحفيز وأحياناً الضغط المحسوب. بهدف تنفيذ القرارات الأممية. والتي تمثل نهجاً ملزماً متفقاً عليه. لتسوية تلك النزاعات. وقال الرئيس السيسي."مثلما تتعدد التحديات المشتركة التي تواجه منطقتنا. تتعدد الفرص التي إن استثمرناها جيداً. ستكون خير سند لنا في مواجهة التحديات. إن التعاون الاقتصادي من شأنه أن يصب في تحقيق الرخاء علي ضفتي المتوسط. وهو ما يتطلب منا أن ننظر بعين التكامل. لا التنافس. إلي العلاقات الاقتصادية بين منطقتينا. استثمارا للميزات التنافسية لدي الجانبين. خاصة في ضوء وفرة مجالات التعاون الاقتصادي. سواء في المجالات الصناعية. أو الزراعية. أو الطاقة. أو النقل. أو غيرها. وأضاف . وعلي عكس البعض. فإننا ننظر إلي قضية الهجرة ليس كتحد. بل كمجال واعد للتعاون. يحمل في طياته العديد من الثمار المشتركة. سواء للمنطقة العربية التي تتميز بوفرة الأيدي العاملة. والمنطقة الأوروبية التي تتطلب اقتصاداتها مصادر متنوعة من قوي العمل. ومن ثم. فإن التعاون بين منطقتينا لضمان الهجرة الآمنة والنظامية من شأنه تحقيق العديد من المصالح المشتركة. مع العمل بالتوازي علي مكافحة أنشطة الاتجار في البشر في إطار جهودنا المشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود. أخذا في الاعتبار كذلك ضرورة احترام مبدأ سيادة الدول. والابتعاد عن المقاربات المصممة لتصدير التحدي لمنطقة بعينها. وكذا ضرورة أن نضع نصب أعيننا الأسباب الجذرية لهذا التحدي. واوضح الرئيس السيسي. وأود أن أشير هنا إلي أن مصر تستضيف ملايين اللاجئين. يعيشون بيننا ويتلقون خدمات حكومية في التعليم والصحة كنظرائهم المصريين. رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي مررنا بها في السنوات الأخيرة. كما نجحت مصر في وقف أية محاولات للجوء أو الهجرة غير الشرعية عبر شواطئها منذ سبتمبر 2016. ودخلت في حوارات ثنائية مع عدد من الدول الأوروبية. لتأسيس تعاون ثنائي للتعامل مع تلك الظاهرة. ليس فقط من حيث تداعياتها. وإنما من حيث أسبابها. ولقد شهد عام 2018 تطوراً نوعياً. تمثل في بلورة عَقد دولي للهجرة الآمنة والنظامية. بعد تفاوض شاق. ليتم إقراراه في ديسمبر 2018 بالمغرب. وقال الرئيس. ختاماً. اسمحوا لي أن أوجه حديثي مباشرةً إلي شعوب منطقتينا. وإلي جميع الشعوب المُحبة للسلام: "أيتها الشعوب العظيمة المحبة للسلام. أوجه لكم من هذه القمة رسالة حب وتآخ. داعياً إياكم إلي عدم الالتفات لدعاة الفرقة والكراهية. أو لهؤلاء الذين يحاولون شيطنة الغير عبر وضعهم في قوالب. أو ادعاء الأفضلية بناءً علي عرق أو جنس أو دين. فإن كل فرد منا علي اختلافه. يسعي لعالم أفضل له وللأجيال من بعده. وما من سبيل لذلك. إلا من خلال التعاون. والتعلم من الآخر وقبوله. فدعونا ننطلق نحو رحاب أوسع من العمل المشترك. مستندين إلي قيم حضارتنا الإنسانية. وإلي يقيننا في وحدة مصير جميع البشر".