افتح عيوني في الصباح. بعد نوم قلق لا داعي لذكر أسبابه علي قراءة الصحف.. "أعافر" بما تبقي لي من "نظر" لمعرفة بعض ما يجري في المحروسة.. ولا عتاب علي "الشيش بيش" فالعتب كله علي العمر الذي طال! هل يمكن أن يحيا الانسان بدون صحيفة تنكد عليه عيشته. أم أن يسعد بكونه الأطرش في الزفة.. وما أكثر العميان والطرشان في هذا الزمان! ثم إنني بعد ساعة أو ساعتين داخل في امتحان "ايه الجديد عندك النهاردة"؟.. سؤال يطرحه كل صباح صديقي "توماس جيرجيسيان" عبر الأثير مع حساب فروق التوقيت من "واشنطن" حيث يقيم مراسلا صحفيا مصريا من أصل أرمني يحمل الجنسية الأمريكية كتب في كل الصحف القاهرة من صباح الخير إلي الأهرام عبورا بالوفد والجمهورية والتحرير.. درس الصيدلة وعمل بها سنوات في اجزاخانة "مترو" الشهيرة بجوار "أمريكيين" عماد الدين وله فيها حكايات ليته يضمها في كتاب. ما دام الفن والأدب قد أفسداه.. وبعد أن ذاق حلاوة إصدار أول كتبه "الطيور علي أشكالها تطير" وأقسم ألا يكون كتابه الأخير!! كنت أشتري صحيفة واحدة فأصبحت اقرأ كل الصحف سواء من أولها أو من آخرها. من عناوينها وتفاصيلها ومقالاتها إلي إعلاناتها ووفياتها واستغاثات المواطنين بالفلوس.. أعرف قيمتها من عدد الدقائق أو الثواني التي استغرقها قبل أن أطوي صفحاتها. بعضها تستهويني وبعضها أمر عليها مرور الكرام.. أو اللئام!! تمنيت أن يصبح لي عشر عيون "ستة علي ستة" اقرأ بها ما فاتني وأتواصل مع زحف شباب الجيل الجديد.. وأن يصبح عندي عشرة أقلام تكتب بسلاسة ما يثيرني حبا.. وغضبا. ولكن ما باليد حيلة بعد أن تكاثرت علينا الصحف والكتاب: كبار السن أصحاب "الدهن في العتاقي".. والتلاميذ الذين أصبحوا أساتذة! ** ذهب المثقفون إلي الرئيس بدعوة منه ولكن لم يكن هو الذي اختارهم جميعا. وليست هي قائمة "زكريا عزمي" التي سبق حضرت لقاء "حسني مبارك" كما قال الغاضبون.. كلهم محترمون ولم يحجر أحد علي كلماتهم. غير أن الزملاء الذين لم يتكلموا قالوا أفضل. انتهي اللقاء بخبر سعيد هوالإفراج عن "محمود محمد" الفتي الصغير الذي احتجز عامين بتهمة ارتداء "تي شيرت" الحرية أثار قضيته وألح عليها الروائي "إبراهيم عبدالمجيد". قال عبدالمجيد ان جميع الحاضرين إلا واحدة - لا داعي لذكر اسمها - أكدوا ضرورة دعم الحريات والإفراج عن المعتقلين. ** وعن الرسالة التي كتبها الرئيس السيسي للطفل علي سيف حفيد الكاتب الكبير "محمد سلماوي" انتهزها الكاتب الشاب "أحمد الصاوي" فرصة ليطالب برسالة مشابهة من الطفلة "همس" و"اختها هيا" ووالدهما أيضا صحفي شاب اسمه "حسن قباني" محبوس احتياطيا من 450 يوما.. لا يطالبان باطلاق سراحه وإنما بأن يسمح لهما بزيارته كل أسبوعين دون انهاك لطفولتهما وتنال كل واحدة حضنا واحدا.. فهل هذا كثير؟ ** وكتب الروائي الجميل "محمد المخزنجي": "ما لم أتمكن من قوله في اللقاء مع الرئيس" وكان قد أعد نقاطا سريعة في ربع صفحة تستغرق أقل من خمس دقائق.. ولكن "المكلمة" انفتحت واستهلك ربع المتكلمين معظم الوقت فلم يتكلم ثلاثة أرباع الحاضرين.. وكأنما كانت أغلي أمانيهم أن يعلنوا "نحن هناك".. وما أن انتهي التقاط الصور التذكارية رجع إلي سابق وعده لنفسه: لن أحضر أي لقاء ضمن جمهرة المثقفين بعد ذلك أبدا ولكنني - بجد وصدق - سأرحب دائما بأن أكون مع الفلاحين. ** وكتب المهندس السياسي أحمد بهاء شعبان قراءة هادئة عن لقاء الرئيس بالمثقفين وكان واحدا منهم شهد بأن أغلب من تكلم دخل في الموضوع مباشرة دون لف أو دوران أو نفاق أو تزلف أو حرج أو غموض.. وكان الحاضرون اللقاء قد نالهم الكثير من الاتهامات وأمطرهم الآخرون الذين لم يحضروا بوابل من الحجارة والشتائم.. نال أحمد شعبان منها نصيبه وتحسروا علي جريرة "الشيخ إمام" والشاعر "أحمد فؤاد نجم" رحمهما الله بسبب أغنية أنا رحت القلعة ورد فيها اسم طالب الهندسة وأحد زعماء حركة الطلاب أحمد بهاء الدين شعبان. يا خسارة يا أزهار البساتين عيطي با بهية علي القوانين أنا شفت شباب الجامعة الزين "أحمد" و"بهاء" و"الكردي" و"زين" حارمينهم حتي الشوف بالعين وف عز الظهر مغميين ** يبدو أن الخلاف أو المنافسة أو الغيرة أوأي صفة حميدة كانت سبب الاهتمام بما قيل حول لقاء الرئيس بالدفعة الأولي من المثقفين فعرفنا أو تخيلنا معظم ما قيل وما ظل في النفوس.. ومن الذي أو الذين دبروا اللقاء وحددوا قائمة الحاضرين أو معظمها.. حتي التصريح المثير لرئيس الجمهورية حول مؤسسات الدولة خربانة و"مبارك جابها الأرض".. قال الإعلامي أحمد الطاهر في برنامجه علي راديو 9090 ان الرئيس لم يذكر اسم مبارك في الاجتماع!! سر السنوات التسع ** غير لقاء المثقفين كتب "نجيب ساويرس" وهو رجل يثير الجدل مقالا يثير الجدل حول قرارات محافظ البنك المركزي وكيف أنه يحارب الاستثمار ولديه الديل.. ويلفت النظر إلي سر "التسع سنوات" حد أقصي لولاية رؤساء البنوك الخاصة "لاستهداف أشخاص بعينهم".. قصة يعلم أنها سوف تفتح النار عليه. "ساويرس" سبق ورفض أن يصبح وزيرا.. اعتذر لأنه يعيش علي كيفه ويتكلم علي كيفه.. والوزارة تفرض قيودا علي معاليه!! تكاثرت هذه الأيام اعتذارات الوزراء عن قبول المنصب الذي كان يسيل اللعاب.. ولكنهم لا يعتذرون بعد توليهم. مقالات تودي في داهية تمتلئ الصحف والمجلات بالمقالات تضع معظمها "محاصرا" في صفحة أو اثنتين أو ثلاث وعلي القراء أن يفرزوا ما يعجبهم أو يقلبوا الصفحات شاكرين لرؤساء التحرير عدم ازعاجهم.. تتوه المقالات الجيدة في الزحام ولكنني أخشي انها لم تعد تبقي مثل زمان.. علي سبيل المثال. * مقال احسان عبدالقدوس: "العصابة السرية التي تحكم مصر".. ومقال أحمد أبوالفتح "الدستور يا ريس" ومقال أبوالخير نجيب: "التيجان الهاوية".. وقد تسببت تلك المقالات لأصحابها في السجن والنفي واغلاق صحيفة. * أما مقال "أحمد بهاء الدين" الذي تسبب في منعه من الكتابة فكان عن "بركات الشيخ الفاسي" الذي نشر في الطبعة الأولي من "الأهرام" قبل أن يتصل به سكرتير التحرير ويطلب منه مقالا آخر بديلا فرفض "بهاء" وظل يقدم نفس المقال كل يوم ليكلمه المحرر المسئول يطلب مقالا آخر.. وقد وصل الأمر إلي الرئيس مبارك الذي قال عندما استقبل أحمد بهاء الدين "يا راجل حد يزعل من الناس دول". * وكان الشيخ الفاسي قد قدم صفقة اعلانات لعلها تحميه من الهجوم عليه أو مجرد المساس به. * ولمصطفي أمين قصص مع الرؤساء فعندما شطب له الرقيب مقالا له اشتكاه للرئيس عبدالناصر الذي سأله بدوره: ماذا تريد من نشر هذا المقال؟.. فأجاب: حتي يصل رأيي للمسئولين.. قال عبدالناصر: "أنا المسئولين" وقد عرفت رأيك وعندما كتب مقاله "لا للديكتاتورية" قال له عبدالناصر: اطمئن أنا صحتي كويسة وسوف أعيش خمسين سنة أخري. وعندما انشأ السادات حزبه "الوطني" بعد توليه الرئاسة كتب "مصطفي أمين".. "صباح الخير أيتها الديمقراطية" عن أعضاء مجلس الشعب يهرولون لدخول حزب الرئيس فمنعه السادات من الكتابة. وعند إجراء تغييرات وزارية أيام "حسني مبارك" وصف "مصطفي أمين" من سيتولي الوزارة بأنه سيجلس علي مصيبة فاكتفي الرئيس مبارك بأن قال في احدي خطبه: مش هقوله غير ما يصحش وحرام عليك ولولا انه راجل كبير كنت هقوله كلام قاسي. أما "مصطفي أمين" فقد قال بعد ذلك: إذا غضب منك ناصر قصف عمرك والسادات يقصف قلمك بينما مبارك يكتفي باللوم!! ** هذا ولا يستطيع أحد التحقق مما حدث بين كبار الصحفيين ورؤساء الدولة فقد تكون من نوع الحوار الذي أجرته الإعلامية الرقيقة "مني الشرقاوي" مع الزعيم "عادل إمام" وقال فيه انه قال يوما لجمال عبدالناصر "ضاحكا": علي فكرة أنا لو دخلت الانتخابات ضدك هاكسبك؟!!