حان الوقت لكي تجلس الجماعة الصحفية المصرية مع نفسها. وتنظر في الأوضاع التي آلت إليها. وتضع تنظيما جديدا للمهنة. يكفل للصحافة المصرية حريتها واستقلالها وكرامة العاملين فيها.. شكلا ومضمونا. قامت في مصر ثورة تقترب اليوم من ختام عامها الثاني.. تغيرت أشياء كثيرة في مصر إلي الأفضل أو إلي الأسوأ وتدهورت أحوال الصحافة. هناك دستور جديد يوضع وكل جماعة في المجتمع تناقش وضعها المقترح في مسودته.. وتسعي للدفاع عما حققته من مكاسب عبر نضالها الطويل علي مدي عقود وتعمل علي تعزيز هذه المكاسب في الدستور الجديد انطلاقا من ان الثورة تعني وضعا أفضل أو حقوقا أكثر لكل مواطن وجماعة علي أرض الوطن. والدستور الجديد - كما يتطلع إليه الجميع - يؤسس لدولة ديمقراطية حديثة.. وأعمدة الديمقراطية الأربعة هي استقلال القضاء والأزهر والصحافة والجامعات ومالم تجلس الجماعة الصحفية المصرية مع نفسها. اليوم قبل الغد لتناقش أوضاعها وتضع تنظيمها الجديد. وتقف وقفة واحدة دفاعا عن حرية المهنة واستقلالها. فلن تقوم لها بعد ذلك قائمة ولن تكون في حساب أحد. *** عار علي الصحافة المصرية بعد 25 يناير وبعد أن سعت كل جماعة في مصر لاستعادة زمام أمورها بيدها أن تقبل في الدستور الجديد بأن تكون ملكيتها وادارة شئونها في يد أحد غير أبنائها والعاملين فيها أو من يختارونه بإرادتهم الحرة. ان التنظيم الحالي للصحافة معيب ومشوه ولا يجب أن يستمر. لدينا صحافة قومية يملك مجلس الشوري مؤسساتها.. وصحافة حزبية مملوكة للأحزاب السياسية.. وصحافة خاصة يملكها أفراد من خلال شركات مساهمة أو جمعيات وفي كل هذه الأصناف الثلاثة من الصحافة.. المالك هو الذي يختار قيادات الصحيفة أو المؤسسة ويفرض اختياراته علي العاملين فيها دون أن يكون لهم رأي أو حق في ذلك. أي ان الصحافة التي تعتبر رمزا من رموز الحرية والديمقراطية في أي وطن.. لا يملك العاملون فيها حريتهم ولا يعترف أحد لهم بحقهم في اختيار قياداتهم بإرادتهم ولدينا مجلس أعلي للصحافة يمثل "الذراع المهنية" لمجلس الشوري في ادارة شئون الصحافة.. أوضاعه غاية في العجب. * انه يتشكل من 8 فئات "وفق نص المادة 67 من قانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996" جميعهم بالتعيين من جانب مجلس الشوري.. ولا أحد منهم بالانتخاب. * وهو يضم ممثلين للصحافة القومية والصحافة الحزبية بينما لا يعترف بتمثيل الصحافة الخاصة فيه رغم انه المخول قانونا باصدار تراخيص الصحف الخاصة ورغم تعدد اصدارات هذه الصحف وقوة بعضها بما جعلها منافسا قويا لأكبر الصحف القومية والحزبية. وسواء أبقي الدستور الجديد علي المجلس الأعلي للصحافة أو تم استحداث مجلس وطني للصحافة أو للصحافة والاعلام معا كما هو مقترح فإن قواعد التعامل مع الصحافة برمتها يجب أن تتغير. *** ان أول ما يجب أن تسعي الجماعة الصحفية إليه الآن. هو اقرار حق الصحفيين والعاملين في المهنة في اختيار قياداتهم الصحفية والادارية داخل الصحف والمؤسسات الصحفية بكافة تصنيفاتها.. قومية أو حزبية أو خاصة وفقا لمعايير محددة يتم الاتفاق عليها داخل الجماعة. وأن يكون دور الجهة المالكة هو التصديق علي اختيار العاملين أو الاعتراض - وفق قواعد محددة وأسباب معلنة - إذا ما رأت ان هذا الاختيار يضر بحقوق أو مصالح المالك ليعود الأمر مرة أخري للعاملين للبت فيه من جديد. وأن تقوم الصحف القومية والحزبية والخاصة كل علي حدة باختيار ممثليها في المجلس الوطني المقترح للصحافة أو للصحافة والاعلام دون تدخل من أي جهة كانت. ولكي يتحقق ذلك فلابد أن يكون لكل من الصحافة القومية والصحافة الحزبية والصحافة الخاصة تنظيمها الخاص بها تحت مظلة نقابة الصحفيين بالنسبة للصحفيين والنقابة العامة للعاملين بالصحافة والطباعة والنشر بالنسبة لبقية العاملين بالمهنة. وليس هذا تقسيما للنقابتين أو دعوة لشق صفوفهما ولكنها دعوة لكي تنظم الصحافة نفسها بما يكفل للعاملين في كل نوع منها حقهم في اختيار من يقودونهم أو من يمثلونهم في المجالس المقترحة. فلا يجب أن يختار ممثلو الصحافة القومية في هذه المجالس إلا العاملون في المؤسسات القومية وكذلك الأمر بالنسبة للصحافة الحزبية والصحافة الخاصة في ظل وصول عدد الأحزاب السياسية في الساحة الآن إلي ما يقرب من خمسين حزباً.. واقتراب عدد الصحف الخاصة من هذا الرقم. بما لا يسمح لأي مجلس وطني مقترح للمهنة بأن يضم الجميع تحت مظلته. ولدينا في التجربة الناجحة للروابط النوعية للمحررين تحت مظلة النقابة. مثل رابطة المحررين الاقتصاديين.. ورابطة المحررين الدبلوماسيين. ورابطة محرري السياحة والطيران وغيرها. ما يشجع علي تطبيقها بصورة أخري وفقاً للتقسيمات الثلاث المتعلقة بملكية الصحف. وهي الصحف القومية.. والحزبية.. والخاصة. * * * أعرف أن البعض لديه مخاوف. حقيقية أو وهمية. من أن يؤدي إقرار مبدأ اختيار القيادات الصحفية والإدارية بالانتخاب إلي انقسامات داخل المؤسسات أو الصحف. وإلي شللية وغير ذلك. مما قد يؤثر علي سير العمل. إن الانتخابات في رأي هذا البعض قد لا تأتي بالشخص الأفضل أو الأكفأ. لأن للانتخابات أهلها ومحترفيها. وتربيطاتها التي قد لا يجيدها بعض من يصلحون لتولي هذه المناصب. وأعرف أيضاً أن الجهات المالكة سوف تقاوم أي اتجاه لانتزاع حقها في اختيار قيادات الصحف والمؤسسات. سواء كانت هذه الجهات هي مجلس الشوري بالنسبة للصحف القومية. أو قيادات الأحزاب بالنسبة للصحف الحزبية. أو ملاك الصحف الخاصة. لكن.. في كل الأحوال. فإن لكل تجربة. في بدايتها سلبياتها وإيجابياتها. والديمقراطية لا تقبل التجزئة.. ولا يجوز للمجتمع أن يتقبلها ويسعي إليها في مجال.. ثم يحجبها عن مجال آخر هو الأولي والأحق بها. ولو استسلمنا للمخاوف. لكان علينا أن نلغي مبدأ الانتخاب والتصويت من كل حياتنا. ونشكل مجالسنا النيابية والمحلية ونختار كل قياداتنا في كل المواقع بالتعيين. ثم إن الثابت أمامنا في المؤسسات الصحفية أن التعيين لم يأت دائماً بالأفضل.. ولم يمنع الانقسامات والشللية.. بينما في الديمقراطية. يملك العاملون. في حالة ظهور هذه الحالات. الحق في تصحيح الأوضاع بإرادتهم بسحب الثقة وإعادة الاختيار من جديد. إن الديمقراطية تعتمد أسلوب التجربة والخطأ.. ولا يمكن أن نصل فيها إلي نتائج مثالية أو أقرب إلي المثالية ما لم نبدأ بممارستها فعلياً. ونتقبل أن نخطئ مرة في اختيار.. ونسقط مرة في اختبار. حتي نصل إلي اليوم الذي نجني فيه أفضل الثمار. * * * إنني أتمني أن نلتقي كجماعة صحفية. وأن نقر مبدأ حق العاملين في كل صحيفة ومؤسسة صحفية في اختيار قياداتهم. وأن ندرس تشكيل مجلس للصحافة القومية. وآخر للصحافة الحزبية. وثالث للصحافة الخاصة. وأن تكون هذه المجالس الثلاثة. هي القاعدة لما يراد تشكيله باسم المجلس الوطني للصحافة. وأن تختار هذه المجالس من يمثلها فيه. فالديمقراطية يجب أن تبدأ من القاعدة للقمة. ولابد أن تكون لدينا شجاعة التجربة والخطأ.. فنحن. والصحافة المصرية التي نمثلها نستحق ما هو أفضل.