تأخرت الصحافة عن ركوب قطاع الخصخصة. وكان هذا وضعاً شاذاً استمر لعقود، علي الرغم من أن قانون سلطة الصحافة الذي لم يهنأ السادات بارتدائه بعد تفصيله لم يكن يمنع إصدار الصحف، لكن المبلغ المطلوب لإصدار الصحيفة في بداية الثمانينيات وعدد المساهمين اللازمين لتأسيس شركات مساهمة كانا شرطين تعجيزيين، تم تجاوزهما مع الزمن. وعلينا أن نعترف بأنه كانت هناك إرادة سياسية سمحت بهذا التجاوز لتبدأ الصحافة الخاصة بتراخيص خارجية في البداية ثم مصرية بعد ذلك. وإن أتي هذا متأخراً فقد كان أفضل من ألا يأتي علي الإطلاق. وقد أخذت الصحافة الخاصة حظها من المراهقة، وسرعان ما ترسخت التجارب الجادة التي ساهمت في إعادة نفخ الروح في صحافة تلفظ أنفاسها. ولم تستفد الصحافة القومية من المنافسة مع هذه الصحف مهنياً، مثلما استفادت من منافستها مع الحزبية يوم مولدها. والأسباب كثيرة أهمها استمراء غياب المالك بصفته الاقتصادية وتكثف حضوره بالصفة السياسية، أي بالتطابق الكامل بين الصحف والنظام، وربما لم يطلب النظام ذلك، لكن هذا الالتصاق كان المكافأة التي تتصور القيادات الصحفية أنها ضرورية لقاء غض البصر عن ممارساتهم الاقتصادية في تجريف المؤسسات. ومن بين الأسباب أيضاً أن الصحافة الجديدة ولدت في وقت وصلت فيه المؤسسات إلي حد الإنهاك الكامل، بعكس أوضاعها في أواخر السبعينيات عندما كانت تتحرك بالقصور الذاتي، بفضل أجيال تكونت وتربت قبل التكميم والتأميم. ومع ذلك فقد أسفرت الصحافة الجديدة عن مدارس خاصة بها، وصنعت سياق منافستها الخاص، وصاحب ذلك منافسة اقتصادية علي صعيد الأجور، وصلت هذه الأيام مع تأسيس المزيد من الصحف إلي إيجاد ما يشبه البورصة وعقود الاحتراف بين لاعبي الكرة مع الفارق. وهذه ظاهرة تدعو للفرح، وكل عقد احتراف من هذه العقود يكشف حجم الجريمة المرتكبة بحق المؤسسات التي دفنت هذه الكفاءات. كما أنها تفرض ضرورة التغيير بعد أن تدهورت أحوال الصحفيين في ظل الجمود الذي تعاني منه الصحافة القومية. وقد حققت هذه المؤسسات المساواة في الفقر بين الصحفي الكفء وغير الكفء، باستثناء قلة محظوظة من غير الأكفاء ممن تختارهم الدولة "لحراسة" الموقع، وليس لإدارته أو تطويره. وقد أصبح الصحفيون الاستثناء الوحيد بين المهنيين الذين لم تنتبه الحكومة لتعديل أوضاعهم من تلقاء ذاتها، أو ينتفضوا من أجل تحقيق هذا الهدف، حتي عندما قرر الرئيس علاوة الثلاثين بالمائة الأخيرة تم تحجيمها بحد أقصي، وتذكرت الإدارات التي تتصرف في الصحف تصرف الملاك في أملاكهم طوال العام في هذه المناسبة بالذات أن للصحف مالكاً يحميها من علاوات العاملين التي سوف تستنزفها، لأن الخزائن لابد أن تبقي عامرة لصنوف التبديد التي نعرفها ويعرفها مجلس الشوري الوصي علي هذا المال السايب. وحتي الآن لا يبدو أن حال الصحافة القومية سينصلح، ولا توجد أي بادرة علي الرغبة في التصرف بحكمة تساعد المؤسسات علي الاستمرار حية، لأجل خاطر العاملين فيها علي الأقل. لكن تحدي الصحافة الخاصة يكبر يوماً بعد يوم، ويضع الصحافة القومية بين خيارين لا ثالث لهما: الإصلاح أو الموت. وأول الإصلاح يجب أن يكون للوائح الثواب والعقاب ومرونة التقييم المهني، ولا أعرف كيف يتم هذا التقييم في ظل أزمة الضمير المستحكمة في المجتمع كله ولا تنفرد بها الصحافة، لكن هذا هو الوضع: التغيير أو الفناء. ويجب البحث السريع عن آليات التغيير لكي تتمكن الصحافة القومية من الاحتفاظ ببعض كوادرها، إن أرادت أو أراد لها الأوصياء علي المال الحياة حقاً. وعلي الرغم من أن البعض يستهول مرتبات المبتدئين أو تعاقدات أصحاب الخبرة من الصحفيين في الصحافة الجديدة، إلا أنها لم تصل بعد إلي نصف مستويات المرتبات في بيروت. علي أن الصحافة القومية لا تحتاج إلي معجزة لكي ترفع مرتبات صحفييها وسائر العاملين فيها، لتتوازن مع تكلفة المعيشة وأسعار التعاقد في الصحف الجديدة. تحتاج فقط إلي العدالة في التوزيع، وأن تقتفي أثر الصحافة الخاصة (ليس كلها بالطبع، فبعض الصحف الجديدة تعتمد ذات السياسة القومية بتضخيم مرتب رئيس التحرير وتشغيل الشباب بما يشبه السخرة). ما ينبغي الاقتداء بها هي الصحف التي تسعي إلي تطبيق فكر مؤسسي، وليس فكر الدكاكين، وفي فكر المؤسسة ينبغي ألا يزيد دخل رئيس التحرير علي دخل سبعة محررين. ولم يعد الأمر يحتمل استمرار انعدام العدالة الذي تشهده الدور الصحفية، من خلال بنود البدلات التي تجعل دخل رئيس التحرير أو رئيس مجلس الإدارة مساوياً لدخل مائة ومائتين من محرريه. ولن يكون هناك مستقبل للصحافة القومية في ظل سوق مفتوحة تستقطب الكفاءات وتترك للمؤسسات صغار وكبار الضعفاء مهنياً.