يبدو أن التليفزيون المصري لا يتعلم من أخطائه أبدا، على الرغم من فداحتها، أو أنه بعد لم يفق من الغيبوبة التي كان غارقا فيها، بسبب السياسات التعتيمية والقمعية التي أقرها أنس الفقي وزير الإعلام السابق، والتي أدت في النهاية لإلغاء منصب وزير الإعلام تماما من الحكومة الجديدة أسوة بباقي دول العالم المتحضر. فكما فعل في أول أيام تغطيته للثورة المصرية المقدسة، التي اندلعت يوم 25 يناير الماضي، عاد التليفزيون المصري لعادته القديمة وهو ينقل تغطية باردة وهزيلة لأحداث ثورة الليبيين الأبطال على حكم الطاغية المجنون معمر القذافي، وكأنه ينقل آخر أنباء الموضة أو حالة الطقس الجوي! وفي الوقت الذي تتسابق فيه القنوات الفضائية المحترمة من كل بقاع الأرض، على نقل كل ما يحدث من مجازر ومهازل في ليبيا، ووضع مشاهديها في بؤرة الأحداث، على الرغم من الحصار الإعلامي الكبير الذي يمارسه الطاغية، في محاولته لعزل انتهاكاته وجرائمه عن العالم، ما يزال التليفزيون المصري يكتفي بأقل القليل من المعلومات، وكأنه يمن على مشاهديه، أو يرسل لهم رسالة خفية مفادها: لا تشاهدونا.. عودوا للقنوات العربية المحترمة التي تقدم لكم الحقائق كاملة!! ليظل السؤال مطروحا وبقوة: ما هو دور التليفزيون المصري بالضبط؟ ما وظيفته غير تقديم الأغاني والأفلام الهابطة والمسلسلات التي تتقاضى عنها النجمات ملايين الجنيهات؟ ومتى سيكون من حقنا أن نحظى بإعلام محترم يليق بدم الشهداء الذي سال على الأرض في ميدان التحرير بينما كان التليفزيون الهمام يعرض لقطات لأحد الكباري وبعض السيارات تتفسح عليه؟!! ومت سيكون من حق التليفزيون المصري أن يكون له موقف محترم وواضح من القضايا التي تجري في عالمنا، فيكون من حقه أن يعلن تعاطفه مع ثورة ليبيا، وكل الثورات التي تقوم على الظلم، وتطالب بتحرير العالم العربي من الطواغيت ومجانين السلطة والمرضى النفسيين؟! وهل لم يدرك بعد القائمون على أمر هذا الجهاز الخطير، أن كل شيء قد تغير في مصر بعد ثورة 25 يناير، ولم يعد الإعلام المُدجّن والمريض يرضينا، ويشبع شهيتنا، في ظل انفتاحنا على العالم كله، ووجود أكثر من بديل، وأن سياسة التعامل مع الأحداث بحاجة إلى عملية جراحية وإعادة هيكلة من البداية؟! إن ما يحدث في ليبيا حاليا، من قذف بالطائرات للعذل، وحرق الجنود الذين يرفضون قتل المتظاهرين، واستئجار مرتزقة أفارقة لإعدام الثائرين، جريمة بشعة، لن ينساها التاريخ، لكني أحسب أن السكوت عليها -والسكوت علامة الرضا- لا يقل عنها إجراما، ويشكك بشدة في وجود مصالح مشتركة و"أجندات" خفية يتم تفعيلها بين النظام الليبي فاقد الشرعية والنظام المصري ممثلا في تليفزيونه؟ فهل ينتفض العقلاء في التليفزيون، ويتدخل الجيش -الذي نثق فيه جميعا ونحترمه- لإعادة الأمور لنصابها القويم في ماسبيرو، والبدء في رسم خط قومي وطني محترم لتليفزيوننا المصري، ليكون بطاقتنا الشخصية، وجواز مررونا إلى كل مكان في العالم؟! يا ليت.