يمعن الانقلاب في مصر أن يضع الفئات المختلفة في مصر في اختبار الكرامة، فمن تلك الفئات من ينجح بعد محاولات ومنهم من يعجز أن يتصدى للاجراءات الاستثنائية واللطمات المتتالية. فبعد أكثر من شهرين على حكم مجلس التأديب بهيئة قضايا الدولة صدّق عبدالفتاح السيسي، قائد الانقلاب، على عزل أربعة مستشارين بهيئة قضايا الدولة من مناصبهم الخميس 18 فبراير الجاري.
يحتاج القضاة اليوم إلى استنساخ جيل يتصدى ل"مذبحة القضاة 2016" التي بدأها السيسي وقضاته منذ يوليو 2013، يحتاجون إلى جمعية عمومية شبيهة بجمعيتهم في 2006، يناصرهم فيها المصريون كما فعل نواب برلمان 2005 من الأخوان وغيرهم، ولو أن الإنقلابيين رأوا في المدى المنظور "فارسا" كالمستشار يحيي الرفاعي الذي أعلن رفضه للاجرءات التي اتخذها عبدالناصر بحقه وعشرات القضاة الآخرين عندما نحاهم عن منصاتهم القضائية، أربعين شهرا ( منذ 31/6/1969 حتى 21/12/1972)، بموجب قرارات مذبحة القضاء "1"، أو أنه يجد من يتصدى له حكمًا مثل حكم محكمة النقض حينها بعودة القضاة المعزولين لعملهم.
اتهامات رخيصة
تعاني جماعة الإخوان من تسيير أمورها اليومية في تدبير ماديات تضمن لها البقاء بوجده العسكر في ظل ضربات أمنية متلاحقة ومصادرة لأموال قياديها، ورغم ذلك وبحسب تصريح مصادر قضائية موالية للنظام تقوم "الإخوان" بتمويل القضاة الأربعة أعضاء حركة "قضاة من أجل مصر"، التي ينضوي تحتها العشرات!.
ونص القرار الذي حمل رقم 56 لسنة 2016 ونشر بالجريدة الرسمية الخميس عزل 4 من القضاة بهيئة قضايا الدوًلة من مناصبهم، وهم وكيلا هيئة قضاياً الدولة المستشار محمود السيد محمود فرحات، والمستشار طلعت محمد كمال محمود العشري، والمستشار المساعًد (أ) بالهيئة محمد أحمد عبدالحليم يوسف، والمسًتشار المساعد (أ) سعيد محمد محمد عبدالكريم، وذلك استناداً إلى حكم مجلس تأديب هيئة قضايا الدولة في دعوى الصلاحيةً ضدهمً.
أما القرار الثاني رقم 55 لسنة 2016، نص علي نقل محمود محمد عبد العظيم مرسي سويف، وكيل نيابة غرب كفر الشيخ الكلية والمنتدب حاليا بنيابة بيلا الجزئية، إلي وظيفة غير قضائية بوزارة التنمية المحلية تعادل درجة وظيفته الحالية مع احتفاظه بمرتبه فيها.
ووصفت التحقيقات المستشار محمود السيد محمود فرحات بأنه الأمين العام للحركة ومنسقها، حيث عيّن في 18 يونيو 2013، مستشارًا لوزير المالية بدلًا من مستشار الوزير السابق أيمن جوهر. كما كان فرحات أيضًا عضو اللجنة الفنية للجمعية التأسيسية للدستور إبان حكم جماعة الإخوان المسلمين.
وزعم مصدر قضائي بحسب موقع "العربية نت "أن القضاة المعزولين كونوا جماعة تسمى "قضاة من أجل مصر" بالمخالفًة لأحكام القانون، وتلقوا تمويلات من جماعة اًلإخوان المسلمين وحًصلوا على منافع مادية وامتيازات عيًنية مقابل المساس بسمعة ونزاهة القضاء المصري!.
وأطلعت صحافة الانقلاب من جانب آخر، على مسار التحقيقات التي تمت مع القضاة زاعمة أنهم أعلنوا تأييدهم لجماعة الإخوانً المسلمين وأنهم كانوا ضمن اللجنة التي قامت بعقد مؤتمر صحافي بمقر نقابة الصحافيين وأذيع بكل وًسائل الإعلام المرئية يوم 20 يونيو 2012، وأعلنت فيه نتيجة الانتخابات الرئاسية بفوز الرئيس محمد مرسي قبل أن تقوم اللجنة العليا بإعلانها حتى تجبر سلطات الدولة على إعلان فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين على حساب أحمد شفيقً.
وأضافت التحقيقات أن هؤلاء القضاة كانوا ضمن المجموعة المنتمية للقضاء والتي أعلنت تأييدًها للإعلان الدستورًي الصادر من د.محمد مرسي من خلال مؤتمر صحافي عقدوه في فندق "بيراميزا" بغرض إضفاء الشرعية على الإعلان الذي كان مخالفاً لأحكام الدستور والقانون ودعوا إلى تأييدهً.
حتى الآن تبقى إدانة الحدث في حيز ضيق حيث أدان الحقوقي أحمد مفرح، مسؤول الملف المصري بمنظمة “الكرامة” لحقوق الإنسان، استمرار نظام عبدالفتاح السيسي، في عزل القضاة بتهم الاشتغال بالسياسة، مؤكدًا أن السلطة تسلك منهجًا واضحًا للسيطرة على القضاء في مصر، لتسهيل شرعنة الانتهاكات التي يرتكبها النظام العسكري في مصر بحق الحقوق والحريات.
لأجل مصر
حكم العزل الصادر عن مجلس التأديب بهيئة قضايا الدولة شمل أيضًا الإنذار عقوبة القضاة عصام الطبجى، ومحمد فتحي، وحسين عمر، ومحمد جودة، والحسين إبراهيم، واللوم للقضاة عبد الله كرم، وحامد جمعة، والسيد الطوخي وذلك بسبب انضمام بعضهم إلى حركة “قضاة من أجل مصر“، المعارضة للانقلاب العسكري.
وحركة "قضاء من أجل مصر"، ينتمي إليها القضاة المعزولون وهم من مختلف الهيئات القضائية، ارتبطوا بالحركة مع الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012، في مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بالمخلوع مبارك، خلال المرحلة الأولى والثانية، معبرين عن الثورة في قطاع القضاء كما هي في كل القطاعات، ومن خلال المؤتمرات الصحفية كان تواصلهم مع الرأي العام بشكل مباشر، ووجهت لهم انتقادات لاذعة لا تليق بقاض، بزعم قيامهم بدور سياسي الذي هو حق لكل مواطن، أو أنه حق لفئة من القضاة دون أخرى ألا تمارس السياسة بمعناها النظيف، لا الانحياز على غير هدى أو بينة، مثلما فعل أحمد الزند وعبدالمجيد محمود وناجي شحاتة وشعبان الشامي.
وسبق أن وجهت السلطات القضائية قرارات مماثلة، بالعزل، تجاه عدد من القضاة كان أبرزهم وليد الشرابي، وأيمن الورداني، وعماد أبو هاشم، والتي اعتبروها في تصريحات وقتها، بأنها "مذبحة ضد قضاة الاستقلال القضائي بمصر".
وخلال الثلاث أعوام الماضية صدرت العديد من القرارات الإدارية التي تم بموجبها عزل العشرات من القضاة من مناصبهم تحت زعم "الاشتغال بالسياسة".
ففي 14 مارس 2015 أصدر مجلس التأديب والصلاحية حكمه بإحالة 31 قاضيًا للمعاش، وعدم قبول الدعوى المتعلقة ب 25 آخرين وإعادتهم إلى عملهم في قضية البيان، وإحالة 10 آخرين إلى التقاعد في قضية قضاة من أجل مصر، وعدم قبول الدعوى ل 5 آخرين وإعادتهم إلى عملهم.
أي أن مجلس القضاء الأعلى عزل 41 قاضيًا وكان عشرة من هؤلاء المعزولين من أعضاء الحركة، بينما وقع ال 31 الباقون على بيان اعتصام رابعة.
وفي يوليو 2013، أصدر مجلس إدارة نادي قضاة مصر قرارًا بشطب 75 قاضيًا ينتمون لما يسمى "قضاة تيار الاستقلال" من عضوية الجمعية العمومية للنادي بسبب ما وصفه بالخوض في العمل السياسي، بعد إصدارهم بيانا يرفض عزل الرئيس محمد مرسي.
عزل هنا وتحصين هناك
بالمقابل، سبق لمحكمة النقض أن قبلت دعوى عدد من قضاة محاكم الاسئتناف بإلزام رئيس المحكمة الدستورية العليا بالكشف عن رواتب أعضاء الدستورية، ثم ما كان من المحكمة الدستورية العليا والتي تنب من المجلس التشريعي للنظر في دستورية القوانين تقبل دعوى في عهد المستشار عدلي منصور تصدر حكما بعدم جواز الكشف عن رواتب قضاة المحكمة والبالغة نحو 70 مليون شهريًا!.
حيث أكد الدكتور أحمد صادق أستاذ العلوم السياسية أن قضاة المحكمة الدستورية العليا يتقاضون شهريًا نحو 70 مليون جنيه بالمخالفة للقانون واللوائح، بما يعادل 2 مليون للقاضي الواحد.
وأعتبر صادق أن سبب الخصومة بين المحكمة ونظام الدكتور محمد مرسي هو الحديث عن هذه المبالغ الضخمة التي يتقاضونها وأنهم حاولوا حل الجمعية التأسيسية لأن الدستور الجديد أقر أن الحد الأقصى لهم هو 50 ألف جنيه للقاضي الواحد.
وأوضح أن مرتب رئيس الجمهورية في الشهر 40 ألف جنيه، ومرتب رئيس الوزراء 30 ألف جنيه، ومرتب الوزير 20 ألف جنيه، أما مرتب القاضي فالمحكمة الدستورية فيزيد عن 2 مليون جنيه في الشهر الواحد.
وأشار إلى أن المحكمة الدستورية العليا لديها خصومة سياسية مع النظام الحاكم في مصر ولذلك لا يجوز لها نظر القرارات التي تخص الرئيس محمد مرسي وهو ما دعاه إلى تحصين قراراته في الإعلان الدستوري.
القضاء بقرار جمهوري
بعد شهور من قراره المثير للجدل الذي يعطيه الحق في عزل رؤساء الأجهزة الرقابية، أكتشف المحللون ازدواجية المعايير مع أن "الورق ورقنا والدفتتر دفاترنا"، حيث أصدر السيسي في 7 ديسمبر 2015، قرارا جمهوريًا بتعيين نائبين جديدين لرئيس الجهاز المركزي للمحاسبات أحدهما هو القاضي المعروف هشام بدوي رئيس محكمة استئناف القاهرة، والمحامي العام الأول سابقًا لنيابة أمن الدولة العليا.
يقول الخبير القانوني عصام الإسلامبولي: "كان ينبغي أن يتقدم المستشار هشام بدوي باستقالته من منصبه القضائي كرئيس لمحكمة استئناف القاهرة قبل صدور قرار تعيينه في منصبه الجديد، التزامًا بقانون السلطة القضائية، لكونه انتقل بموجب القرار الجمهوري الجديد من السلطة القضائية إلى التنفيذية".
موضحًا أن قرار رئيس الجمهورية باختيار بدوي جاء قرارًا بالتعيين لا الانتداب مما يستوجب معه الاستقالة من السلطة القضائية أولاً، ويقول: "إن لم يكن بدوي قد تقدم مسبقًا باستقالته تلك فقرار التعيين سيكون باطلاً وينبغي إصداره مجددًا بعد استقالته".
ومنح هذا القانون رئيس الجمهورية الحق في إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية من مناصبهم إذا ما "قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، أو إذا فقد الثقة والاعتبار، أو إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية، أو إذا فقد شروط الصلاحية للمنصب الذي يشغله لغير الأسباب الصحية".