شهدت سجون المنقلب السفاح عبدالفتاح السيسي خلال الأشهر الأخيرة سلسلة من الوفيات التي أعادت إلى الواجهة ملف الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز، وفي مقدمتها سجن برج العرب وسجن بدر، حيث توفي المعتقل عبد العال خضيرة يوم 31 يناير 2026 بعد تدهور حالته الصحية، وأعلن عن وفاته السبت، 21 فبراير في واقعة وصفها حقوقيون بأنها نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة تحرم السجناء من حقهم في العلاج. وخضيرة، الذي شغل منصب وكيل أول وزارة النقل والمواصلات سابقًا، اعتُقل منذ 3 مايو 2016، وظل يعاني طوال عام كامل من التهاب كبدي وبائي دون استجابة لطلباته المتكررة بالعلاج، ما أدى إلى إصابته بتسمم في الدم ووفاته داخل محبسه. وقد دُفن في مسقط رأسه بقرية وردان بمنشأة القناطر بمحافظة الجيزة في الأول من فبراير 2026، وسط حالة من الحزن والغضب بين أهله ومعارفه. ورحيل خضيرة أثار موجة واسعة من التعليقات، حيث كتب ناشطون أن القضية لم تعد مجرد خطأ إداري، بل تعبير عن منظومة كاملة "تقتل الناس ببطء". واعتبر بعض المعلقين أن وفاة خضيرة ليست حدثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الوفيات الناتجة عن الإهمال الطبي داخل سجون الانقلاب، خاصة في السجون المشددة مثل سجن برج العرب. وكتب أحد المتابعين أن "كرامة الوطن من كرامة مواطنيه، أحياءً وأمواتًا"، في إشارة إلى أن صمت المؤسسات الرقابية والحقوقية يفاقم الأزمة بدلًا من معالجتها. جلال عبد الصادق وفي سياق متصل، وثّقت منظمات حقوقية وفاة العالم جلال عبدالصادق محمد السحلب داخل مستشفى سجن بدر يوم 9 فبراير 2026، بعد نحو 13 عامًا من الاعتقال. السحلب، البالغ من العمر 71 عامًا، اعتُقل في نوفمبر 2013، وحوكم في أكثر من عشرين قضية، وصدر بحقه حكم بالسجن 12 عامًا قضاها كاملة في سجن المنيا، قبل أن يُعاد تدويره على ذمة قضية جديدة عقب انتهاء مدة الحكم. وخلال فترة احتجازه في سجن بدر، أصيب بالشلل وتدهورت حالته الصحية بشكل كبير، وظل يعتمد على كرسي متحرك، بينما حُرم من العلاج اللازم رغم خطورة وضعه. ونُقل إلى المستشفى قبل وفاته بأيام قليلة فقط، بعد أن وصلت حالته إلى مرحلة حرجة انتهت بوفاته داخل المستشفى.
والسحلب كان أستاذًا متفرغًا ورئيسًا سابقًا لقسم الفيزياء بكلية العلوم في جامعة أسيوط، وباحثًا بارزًا في فيزياء المواد والبلورات والخواص الحرارية والبصرية، وامتدت مسيرته الأكاديمية لأكثر من أربعة عقود. ورغم مكانته العلمية، لم يحصل على الرعاية الصحية التي يضمنها القانون للسجناء، ما أثار انتقادات واسعة حول تعامل السلطات مع كبار السن والمرضى داخل السجون.
ليست حالات فردية وتشير تقارير هيومن رايتس إيجيبت إلى أن الإهمال الطبي داخل سجون السيسي ليس حالات فردية، بل سياسة ممنهجة تتبعها وزارة الداخلية، تشمل تعطيل نقل المرضى، وحرمانهم من العلاج، وتجاهل الأمراض الخطيرة، إضافة إلى استخدام التدوير والحبس المطوّل كأدوات ضغط. وتؤكد المنظمة أن ما يجري داخل هذه السجون يمثل انتهاكًا صارخًا للحق في الحياة والرعاية الصحية، وهو حق يكفله الدستور والقانون.
ومن بين الحالات التي رُصدت خلال الفترة الماضية، حالة الأكاديمي عبد الناصر مسعود سالم يوسف، أستاذ كلية العلوم بجامعة طنطا، المحتجز منذ عام 2015 في سجن المنيا شديد الحراسة. يعاني يوسف من ضمور في خلايا المخ، وتكيس في الغشاء العنكبوتي، وقصور في الشرايين التاجية، وقد سقط مغشيًا عليه داخل قاعة محكمة جنايات دمياط إثر نوبة صرع حادة، في واقعة تعكس الإهمال الطبي رغم علم السلطات بخطورة حالته. وتشير شهادات حقوقية إلى أن حالته تفاقمت نتيجة التعذيب السابق والإهمال المستمر، ما يجعله واحدًا من أبرز المعتقلين المهددة حياتهم داخل السجون.
كما تواجه المحامية هدى عبد المنعم وضعًا صحيًا خطيرًا بعد تعرضها للتدوير ثلاث مرات، وتدهور حالتها الصحية بشكل كبير، إذ تعاني من جلطة في القدم اليسرى، وتوقف الكلية اليسرى عن العمل، وارتجاع الكلية اليمنى، إضافة إلى أزمات قلبية متكررة خلال عام واحد، دون توفير رعاية طبية مناسبة. وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار احتجازها دون علاج يمثل تهديدًا مباشرًا لحياتها.
وتتكرر الحالات ذاتها مع معتقلين آخرين، من بينهم الدكتورة شيرين شوقي أحمد التي تعاني من فقر دم حاد وانزلاق غضروفي، ورغم ذلك يستمر احتجازها دون توفير الرعاية اللازمة. كما رُصدت حالات أخرى مثل صلاح سلطان الذي أصيب بنزيف في المخ ولم يُنقل إلى المستشفى، وحسيبة محسوب التي تحتاج إلى إزالة أورام في الرحم ولم تتلق العلاج، ومروة عرفة التي أصيبت بجلطة ولم تُنقل إلى المستشفى في الوقت المناسب. تقرير حقوقي وفي تقرير حديث، كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن وفاة ثلاثة معتقلين سياسيين داخل سجن بدر خلال ثلاثة أشهر فقط، نتيجة إهمال طبي متعمد وتأخير ممنهج في التشخيص والعلاج، وربط نقل المرضى بموافقات أمنية معقدة. وأشار التقرير إلى أن التشخيصات الطبية داخل السجن بدائية، وأن نقل المرضى بالإسعاف غالبًا ما يُرفض، وأن علاج السرطان وأمراض القلب يتأخر حتى يصل المريض إلى مرحلة حرجة. كما تحدث التقرير عن سوء التغذية، وغياب التهوية والتشميس، وحرمان الزيارة، واعتماد الأطباء على المسكنات فقط، بينما يُعلّق العلاج المتخصص على موافقات أمنية.
ويحمّل المركز النيابة العامة مسئولية التقاعس عن التحقيق في الشكاوى المتكررة، مؤكدًا أن سجن بدر 3 يمثل نموذجًا لما يجري في سجون السيسي عمومًا، حيث يتحول الاحتجاز إلى سياسة قتل بطيء عبر المرض والإهمال. ويرى حقوقيون أن السجون في ظل حكم عبد الفتاح السيسي لم تعد أماكن للعقوبة القانونية، بل ساحات إعدام غير معلن، يموت فيها السجناء ببطء نتيجة الحرمان من العلاج.