المصريون أصبحوا عاجزين فى زمن الانقلاب عن تلبية احتياجاتهم الأساسية اليومية بسبب السياسات الكارثية التى تفرضها عصابة العسكر وإغراق البلاد فى مستنقع الديون وتعثر المشروعات الاقتصادية وتوقف الكثير من الشركات والمصانع عن العمل وتسريح ملايين العمال بالتزامن مع الارتفاع الجنونى فى الأسعار وانخفاض قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية وتراجع الدخول خبراء الاقتصاد أكدوا أن ما تشهده مصر فى زمن العسكرً هو «إفقار بالقيمة وليس بالرقم». موضحين أن الثروة لم تعد تُقاس بحجم المال، بل بقدرته على حماية صاحبه من الصدمات الاقتصادية. وقال الخبراء : نحن أمام إعادة تعريف للفقر والثراء موضحين أن شخصا يمتلك الملايين لكنه عاجز عن مواجهة الطوارئ الصحية أو التعليمية هو فقير بالمعنى الاقتصادى الحديث . وأوضحوا أنه مع تآكل الدخول، وارتفاع الأسعار، وتراجع الأمان الوظيفى، أصبح المجتمع أقرب إلى كتلة واحدة تحت الضغط، تختلف فقط فى درجة المعاناة لا فى نوعها، الفقير يزداد فقراً، والطبقة الوسطى تنزلق، والأغنياء يشعرون لأول مرة بالهشاشة. وحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع دون تدخلات فعالة، سواء عبر سياسات حماية اجتماعية أوسع، أو ضبط الأسواق، أو دعم الدخول، قد يؤدى إلى مزيد من التآكل فى الطبقة الوسطى، واتساع دائرة الهشاشة الاقتصادية، مؤكدين أن تجاوز الأزمة يتطلب إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد، وتعزيز الإنتاج، وربط الأجور بالإنتاجية والتضخم، بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة.
فى هذا السياق كشفت دراسات حديثة إلى أن بند الغذاء يستحوذ حالياً على أكثر من 50% من دخل الأسر المصرية، مقارنة بنحو 35% قبل سنوات. وأشارت الدراسات إلى ارتفاع تكلفة التعليم الخاص بنسبة تراوحت بين 30 و70%، بجانب حدوث قفزة فى نفقات الرعاية الصحية بشكل غير مسبوق. وأكدت أنه حتى الأسر ذات الدخول المرتفعة باتت تعيد ترتيب أولوياتها، وتؤجل قرارات الشراء، وتقلص الإنفاق على الترفيه والسفر، فى محاولة للتكيف مع واقع اقتصادى ضاغط.
مصروفات البيت
حول الأوضاع الكارثية التى يعانى منها المجتمع المصرى فى زمن العصابة قال (م.س)، صاحب شركة متوسطة بالقاهرة : أنا مليونير على الورق، فقير فى الحياة اليومية.. وأشار إلى أنه يملك أصولاً عقارية وتجارية تتجاوز قيمتها 5 ملايين جنيه، لكنه يواجه صعوبة متزايدة فى توفير السيولة اللازمة للإنفاق اليومى. وأضاف : مصروفات البيت تضاعفت أكثر من ثلاث مرات. تعليم الأولاد، العلاج، الفواتير.. كل شيء بقى نار، الفلوس محبوسة فى أصول، ولو فكرت أبيع أخسر قيمتها الحقيقية .
استنزاف الدخول
وقالت (ن.ع)، موظفة بإحدى الشركات الخاصة: كنت محسوبة طبقة وسطى مرتاحة، دلوقتى المرتب بيخلص قبل نص الشهر، مش فقيرة رسمياً، بس حياتى بقت أقرب للفقراء، وأوضحت أن هذا الانزلاق البطىء لا يحدث فجأة، بل عبر استنزاف مستمر للدخول، وتآكل للمدخرات، واضطرار للتخلى عن بنود كانت أساسية فى نمط الحياة.
مليونيرات فقراء
تعليقاً على ذلك قال خبير سوق المال حسام الغايش، إن المجتمع المصرى يمر بمرحلة غير مسبوقة من تآكل الثروة الحقيقية، مشيراً إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت تحولات جذرية فى مفهوم الثراء، حيث لم يعد امتلاك ملايين الجنيهات معياراً كافياً للأمان المعيشى، بل فى كثير من الحالات أصبح عبئاً لا يوفر الحد الأدنى من الاستقرار. وأوضح «الغايش» فى تصريحات صحفية، أن التضخم المرتفع وتراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية ساهما فى تحويل عدد كبير من أصحاب المدخرات الكبيرة إلى ما يمكن وصفهم ب«مليونيرات فقراء»، يمتلكون ثروة اسمية بلا قوة شرائية حقيقية. وأضاف أن معدلات التضخم القياسية التى شهدتها مصر منذ عام 2021 كانت العامل الأبرز فى تآكل الثروات، موضحاً أن التضخم السنوى بلغ ذروته عند نحو 38% فى سبتمبر 2023، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى نحو 12.3% بنهاية عامى 2025 و2026. وأشار «الغايش» إلى أن قراءة الأرقام المجردة قد تكون مضللة، قائلاً: حتى مع تراجع معدل التضخم السنوى، فإن الأثر التراكمى لا يزال قائماً، فإجمالى التضخم المتراكم بين 2021 و2026 تجاوز 150%، وهو ما يعنى أن الجنيه فقد أكثر من نصف قدرته الشرائية خلال هذه الفترة . وأكد أن مليون جنيه فى 2021 تعادل اليوم نحو 400 ألف جنيه فقط بالقيمة الحقيقية، موضحاً أن من كان يعتقد أنه مؤمَّن مالياً بمدخرات مليونية، وجد نفسه عاجزاً عن تغطية الإيجار أو تعليم الأبناء أو الرعاية الصحية .
الجنيه أمام الدولار
وأوضح «الغايش» أن تراجع الجنيه أمام الدولار لعب دوراً حاسماً فى تعميق الأزمة، حيث انخفض سعر الصرف من نحو 15.7 جنيه للدولار فى 2021 إلى أكثر من 50 جنيهاً فى 2025، أى خسارة تجاوزت 200% من القيمة. وقال: هذا الانهيار انعكس مباشرة على تكلفة الواردات، التى ارتفعت بنسب قاربت 300%، خاصة فى السلع الأساسية مثل الغذاء والدواء والطاقة، وهى تمثل قرابة 70% من احتياجات السوق المحلية. وأضاف «الغايش» أن أصحاب الثروات المقومة بالجنيه فقط هم الأكثر تضرراً، مؤكداً أن نحو 20% من القيمة الاسمية لثروات المصريين تآكلت بسبب تراجع العملة، ما جعلهم أفقر نسبياً مقارنة بوضعهم قبل سنوات. وأشارً إلى أن الإيجارات قفزت بشكل غير مسبوق، حيث ارتفع إيجار شقة متوسطة فى القاهرة من 5 آلاف جنيه شهرياً فى 2021 إلى ما يقرب من 20 ألف جنيه حالياً مؤكدا أن : الإيجار وحده قد يلتهم 60 إلى 70% من الدخل الشهرى لمن كان يُصنف مليونيراً سابقاً، دون احتساب الغذاء أو التعليم أو الصحة، وفيما يتعلق بالسلع الغذائية، قال «الغايش» : سعر كيلو اللحوم ارتفع من نحو 120 جنيهاً إلى أكثر من 400 جنيه، بينما تضاعفت تكلفة السلة الغذائية الشهرية لأسرة من أربعة أفراد من 3 آلاف جنيه إلى نحو 12 ألف جنيه. وأكد أن التعليم والرعاية الصحية تحولا من خدمات أساسية إلى رفاهيات مؤجلة، موضحاً أن المصروفات الدراسية فى المدارس الخاصة قفزت من 30 ألف جنيه سنوياً إلى ما يقرب من 100 ألف جنيه، فى حين ارتفعت تكلفة بعض الأدوية الأساسية، مثل أدوية السكرى، من 200 جنيه إلى 800 جنيه شهرياً . وقال «الغايش»: هذه الزيادات أجبرت الكثير من الأسر على تقليص إنفاقها الأساسى، بل والتنازل عن تعليم خاص أو علاج مناسب مشددا على أأن التحسن فى المؤشرات لا ينعكس على حياة الناس، فالتآكل الذى حدث فى القوة الشرائية عميق، ويحتاج إلى سنوات من الاستقرار النقدى والنمو الحقيقى فى الدخول حتى يشعر به المواطن.