شهد معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 ندوة ثقافية لافتة نظمها الجناح الكندي، تحت عنوان «أعمال نجيب محفوظ: قوة مصر الناعمة بعيون دبلوماسية كندية»، وذلك يوم السبت 31 يناير، بالقاعة الدولية – بلازا 2. أدار الندوة الكاتب الصحفي عماد الدين حسين، وكيل لجنة الإعلام بمجلس النواب ورئيس تحرير جريدة «الشروق»، وشارك فيها أولريك شانون سفير كندابالقاهرة، والكاتب والناقد محمد شعير، بحضور نخبة من المثقفين والناشرين والمهتمين بالأدب العربي والعالمي، من بينهم أحمد بدير مدير عام دار الشروق، الكاتبة مي التلمساني، الناشرة فاطمة الكاتب وليد غالي، داليا شمس، والناشر شريف بكر، والناشئة رانيا بكر والكاتب توماس جورجسيان. وفي كلمته، استعرض السفير الكندي أولريك شانون رحلته الشخصية مع أدب نجيب محفوظ، والتي بدأت عام 2017 من خلال رواية «ميرامار»، مؤكدًا أن تجربته مع محفوظ جعلته «يعيش القاهرة أدبيًا قبل أن يعيشها فعليًا». وأشار إلى أن بعض مقاطع محفوظ بدت له في البداية صعبة الفهم بسبب لغتها الشعرية وخصوصية المكان، لا سيما في الإسكندرية، إلا أن تلك الصعوبة كانت مدخلًا لاكتشاف جماليات مختلفة، ولهجة أخرى، وعمق إنساني متجاوز للحدود. وتساءل شانون عن ماذا سيكون تعامل محفوظ لو كتب عن كندا، وعن عواصفها الثلجية أو رحلة الطيران الطويلة من القاهرة إلى تورنتو، معتبرًا أن محفوظ لم يكن ليصف الطقس كظاهرة عنيفة، بل كحالة إنسانية، وربما كتب صفحات كاملة عن الخريف لا عن الثلج. وأكد أن محفوظ نجح في تثبيت مصر على الخريطة الأدبية العالمية، وأن قوته الناعمة الحقيقية جاءت من الاستمرارية والعمق، مشبهًا مكانته بأيقونات مصرية مثل أم كلثوم ومحمد صلاح. وتوقف السفير عند «الثلاثية» بوصفها عملًا مكثفًا للتاريخ الاجتماعي والسياسي، مشيرًا إلى تطور صورة المرأة في أعمال محفوظ، من الطاعة والصمت إلى الوعي والتأثير، ليس كرمز سياسي مباشر، بل كنتيجة طبيعية لتفاعل اجتماعي يعكس تحولات المجتمع وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. من جانبه، أكد محمد شعير أن أعمال نجيب محفوظ تُرجمت إلى لغات عدة، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية، لكنه شدد على أن الأعمال الإنسانية الخالدة تحتاج إلى إعادة ترجمة من وقت لآخر، لأن الترجمة ليست نقلًا لغويًا فقط، بل إعادة قراءة وتأويل. وأشار إلى أن الترجمات التي سبقت فوز محفوظ بنوبل شابها كثير من الإشكاليات اللغوية والحساسية الثقافية التي قد تؤدي إلى سوء فهم النص. وأضاف شعير أن بعض أعمال محفوظ جرى تحويلها إلى أفلام خارج مصر، مثل «زقاق المدق» و«بداية ونهاية» في المكسيك، ما يؤكد عالميته، معتبرًا أن محفوظ لو كان من جنسية أخرى لكان قد نال المكانة نفسها إلى جانب أسماء مثل شكسبير وجوته. من جانبه أكد الكاتب الصحفي عماد الدين حسين أن تجربة نجيب محفوظ تمثل «دراسة كاملة للمجتمع المصري»، مشيرًا إلى شخصية كمال في الثلاثية، وقع في حبها أغلب القراء لما تحمله من تعقيد إنساني وأزمة وجودية عميقة.وأوضح حسين أن محفوظ لم يكن مجرد روائي، بل مفكر اجتماعي استطاع أن يقدّم عبر أعماله قراءة دقيقة للتحولات السياسية والاجتماعية في مصر، من خلال شخصيات حية وصراعات داخلية وخارجية جعلت الأدب أداة لفهم المجتمع. وتطرقت الندوة إلى فكرة تحويل أماكن محفوظ إلى «مزارات ثقافية»، وإلى أهمية أن يكون متحف نجيب محفوظ مساحة حية مفتوحة للباحثين وغير الناطقين بالعربية، لا بوصفه كاتبًا فقط، بل مفسرًا للمجتمع المصري وتاريخه الاجتماعي والثقافي. كما طُرحت دعوات لإنتاج أعمال درامية مقتبسة من أعماله باللغتين الإنجليزية والفرنسية، قادرة على مخاطبة جمهور عالمي في تورنتو أو باريس كما خاطبت القارئ العربي. وفي مداخلة له، تساءل أحد الحضور من المصريين الكنديين عن دور الحكومة الكندية في دعم وصول الثقافة العربية إلى كندا، ليرد السفير بأن أولوية كندا هي تصدير ثقافتها وقيمها، مع وجود تعاون ثقافي وتنسيق مستمر مع السفارة المصرية في أوتاوا. وشهدت الندوة نقاشًا موسعًا حول إشكاليات حقوق الترجمة والملكية الفكرية لأعمال محفوظ، والحاجة إلى وجود وكيل أدبي محترف يدير هذه الحقوق عالميًا، إضافة إلى إعادة النظر في تحويل أعماله إلى دراما وسينما معاصرة، بعيدًا عن حصره في إطار محلي ضيق، على الرغم من طاقته الإنسانية العابرة للثقافات. وتحدث أحمد بدير مدير عام دار الشروق عن العلاقة الوثيقة بين نجيب محفوظ والدراما، مشيراً إلى أن آخر عمل درامي مأخوذ عن محفوظ كان قبل سنوات، رغم ثراء مشروعه الروائي وقدرته المستمرة على مخاطبة الحاضر. وتطرق أحمد بدير إلى تجربة تحويل رواية «أفراح القبة» إلى عمل درامي عام 2016 باعتبارها معالجة حديثة لنص قديم، مؤكدًا أن هذه الروح التجديدية لم تتكرر بالشكل الكافي بعد ذلك.واختتم حديثه بالتأكيد على أن إعادة تقديم نجيب محفوظ دراميًا، سواء في السينما أو التلفزيون، مع مراجعة الترجمات والاقتباسات، تمثل ضرورة ثقافية للحفاظ على حضوره محليًا وعالميًا. من جانبها توقفت الكاتبة مي التلمساني عند سيناريوهات نجيب محفوظ والتي ترى التلمساني أنها تكشف جانبًا مختلفًا من حساسيته الفنية؛ متسائلة عن لماذا لم نعيد تنفيذها أو نقدمها في الوقت الحالي؟ وتضع ميّ التلمساني هذه السيناريوهات في قلب المشروع الإبداعي لنجيب محفوظ الذي يجب الاهتمام به ، معتبرة أنها ليست امتدادًا للرواية ولا ظلًا لها، بل مسارًا موازيًا. واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن نجيب محفوظ ليس مجرد كاتب مصري، بل كاتب إنساني عالمي، استطاع أن يحول المكان إلى شخصية، والتاريخ إلى سرد حي، وأن يجعل من الأدب أداة لفهم المجتمع، وهو ما يفسر استمرارية حضوره وتأثيره في وجدان قرّاء من ثقافات مختلفة حتى اليوم.