تعبر مجريات الأمر الواقع حاليا، عن ضعف الدور الأقليمي المصري، الذي كان فاعلا طوال عقود في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي وعموم أفريقيا، والذي ضمر بشدة مع الانقلاب العسكري للجيش بقيادة السيسي ضد التجربة الديمقراطية المصرية الأولى في 213، حيث ظهرت مصر من دولة قائدة إلى دولة متسولة، تطلب الدعم من الاتحاد الأفريقي، وإن إثيوبيا التي كانت تقوده آنذاك، ومنذ تلك اللحظة التي تعرت منها مصر من قوتها ومكانتها، استجداء لاعتراف أفريقي بانقلاب السيسي، وبدأت مصر تتلقى الضربات تلو الضربات، وتقدم التنازلات تلو التنازلات، حتى وصل الأمر للتضييق على مصر وحرمانها من مصدر حياتها، مياه النيل الذي بات مجرد بحيرة أثيوبية تتحكم فيها وتعطي ما تشاء من مياه لمن تشاء، ووصل الأمر للانتقال لمرحلة جديدة من حصار مصر وتطويقها، والدخول إلى مجال مصر الاستراتيجي في البحر الأحمر، عبر اتفاقها المنقوص مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، غير المعترف به، لشراء ميناء بربرة الصومالي، على البحر الأحمر، بما يوجد لها قدم تأثير وتفاعل في أمن البحر الأحمر، والتلاعب ووالتأثير في قناة السويس، بغير ما تسمح به جغرافيتها السياسية والطبيعية. وكانت مصر قد أصدرت، الأربعاء الماضي، بيانا أدانت فيه الاتفاق، واعتبرته تهديدا لأمنها القومي، ولأمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي. وأكدت مصر، رفضها مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا وأرض الصومال (صوماليلاند) غير المعترف بها دوليا، أخيرا، والتي بموجبها تحصل أديس أبابا على منفذ بحري في الإقليم الصومالي الانفصالي، محذرة من خطورة تزايد التحركات التي تقوض من عوامل الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وتزيد من حدة التوترات بين دولها. وجاء البيان المصري بعد يوم من اتصال أجراه الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الثلاثاء الماضي، مع عبد الفتاح السيسي، كما جاء موقف القاهرة بعدما كانت مصر أعلنت، في شهر ديسمبر الماضي، انتهاء الجولة الرابعة من مفاوضات سد النهضة بينها وبين السودان وإثيوبيا، وانتقدت استمرار ذات المواقف الإثيوبية الرافضة عبر السنوات الماضية، للأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث. وفي الوقت الذي يقلل فيه البعض من مذكرة التفاهم، التي يراها خبراء القانون الدولي أنها غير شرعية من الأساس، لأن الجماعات المسلحة، أو الأقاليم الانفصالية المتمردة، والتي لم تحظ باعتراف دولي، ليس لها أن تبرم أي معاهدات أو اتفاقيات دولية. كما أنها ليس لها تأثير على موضوع المياه، لأن إثيوبيا ماضية في مشروع سد النهضة، والسد أصبح أمرا واقعا. وعلى الرغم من ذلك، فإن مساعد وزير الخارجية السفير عبد الله الأشعل، أكد أن مصر يجب أن تقف ضد هذه الاتفاقية حفاظا على مكانتها في الإقليم. وقال الأشعل، في تصريحات صحفية: إن "مصر تراجعت كثيرا في الإقليم، سواء في العالم العربي أو في أفريقيا، وذلك بسبب قبولها أنها تتخلى عن دورها وأوراق القوة التي كانت تمتلكها"، مضيفا أن "مصر لها علاقات مع الصومال، ومع الأطراف الفاعلة المختلفة، ومن المفترض ألا تسمح بإكمال هذه الصفقة، ولا تسمح لإثيوبيا بأن تطوقها من كل جانب". وتابع الدبلوماسي المصري السابق: "كان القرن الأفريقي منطقة نفوذ بالنسبة لمصر، لكنها الآن في أضعف حالاتها على الإطلاق، والحقيقة أن الإدارة المصرية أخفقت في حماية المصالح المصرية". وصفة لإشعال التوتر بالقرن الأفريقي وكان خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 14 أكتوبر الماضي، فجر مفاجأة من العيار الثقيل حين أكد أن الحصول على منفذ بحري قضية حياة أو موت لبلاده الحبيسة، ملمحا إلى أنها ستحصل على هذا الحق بالقوة أو بغيرها. وفي مفاجأة جديدة استقبلت كل من أديس أبابا وإقليم أرض الصومال الانفصالي العام الجديد بتوقيع مذكرة تفاهم وصفها الطرفان بالتاريخية وستتيح لإثيوبيا الوصول إلى البحر، مما أطلق موجة من التكهنات حول الارتدادات الجيوسياسية لهذه الخطوة، وتأثيراتها على العلاقات بين دول القرن الأفريقي المضطرب. ولطالما احتل الوصول إلى البحر مكانة مركزية في الوجدان الإثيوبي، ولا سيما بعد استقلال إريتريا عام 1993 الذي حوّل المستعمر السابق إلى أكبر الدول الحبيسة في أفريقيا. هذا الطموح الإثيوبي المتجدد كانت آخر تجلياته الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء آبي أحمد أمام برلمان بلاده في 14 أكتوبر الماضي. وفي إطار إثبات أحقية بلاده في الحصول على منفذ بحري ساق أحمد العديد من المبررات التاريخية والاقتصادية والديمغرافية والجيوسياسية. وأكد أن أبناء وطنه الذين سيبلغ عددهم 150 مليونا خلال أقل من عقد لا يستطيعون العيش في سجن جغرافي، وأن النيل والبحر الأحمر هما الأساس لتطوير إثيوبيا أو فنائها. اعتماد إثيوبيا على ميناء جيبوتي المجاورة في الاستيراد والتصدير عبر البحر الأحمر، مثّل قلقا دائما لأديس أبابا مما دفعها إلى العمل على إستراتيجية لتنويع الموانئ، بعقد اتفاقيات مع جيرانها كالصومال وكينيا وغيرهما، لكن التطور الأخير كان في الرغبة في الحصول على منفذ بحري سيادي خاص بها. على إثر إطلاق هذه التصريحات تتابعت الردود من جيران إثيوبيا الساحليين جيبوتيوالصومال وإريتريا، وتحدثت تقارير عن حشود عسكرية على الحدود الإريترية الإثيوبية، مما أدى إلى تصاعد المخاوف من اندلاع نزاع مسلح من الطرفين يكون البحر فتيل تفجيره. وفي ظل تلبد الأجواء السياسية في القرن الأفريقي وقع كل من رئيس الوزراء الإثيوبي ورئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي موسى بيهي عبدي مذكرة تفاهم شكلت منعطفا جديدا في مسار الأزمة الحالية. في سياق مواز، أعلنت وزارة خارجية أرض الصومال في بيان لها أن الاتفاق "يضمن لإثيوبيا وصول قواتها البحرية إلى البحر، مقابل الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال، حيث سيؤجر إقليم أرض الصومال الانفصالي لإثيوبيا شريطا ساحليا بطول 20 كيلومترا لمدة 50 عاما. دور الإمارات يشار إلى أن الإمارات لها تمددات كبيرة في جمهورية الأرض الصومال، وتعمل شركة موانئ أبو ظبي على تطوير موانئ أرض الصومال، ما يشكك في دور ما للإمارات، التي لها علاقات جيدة مع أثيوبيا، حيث تتوغل الإمارات بقوة باستثماراتها في سد النهضة وفي المشاريع الزراعية والتصنيعية باديس أبابا، كما تلعب دورا كبيرا في مسار التفاوض بين مصر وأثيوبيا.