المزيد من التشدد، المزيد من القيود.. تلك هى النظرية التى يرى الكثير من المسئولين الشرقيين والغربيين أنها الأجدى فى مواجهة الإرهاب، واستناداً إلى هذه النظرية يمكن تأمين مبنى معين مهم بمنتهى السهولة من خلال إغلاق الحى الذى يقع فيه، أو تأمين حى من الأحياء بمنع كل دابة، سوى الدواب التى يأخذ المسئولون بناصيتها، من الدخول إلى المدينة التى يقع فيها، أو تأمين مدينة بإغلاق دولة! لا تتعجب من ذلك فما عليك سوى أن تسترجع أو تعاود النظر فى كيفية تأمين بعض المبانى المهمة وستفهم أبعاد النظرية. وإذا أردت أن تلم بالموضوع أكثر اقرأ تاريخ الدولة الفاطمية، وستجد ضمن سطوره معلومات عن السور الكبير الذى بناه الأمير «بدر الجمالى» ليلف القاهرة من كل أنحائها، وكان هذا السور إحياء للسور الذى سبق وبناه جوهر الصقلى، وآخر حكام مصر اهتماماً ببناء الأسوار حول القاهرة هو الأمير بهاء الدين قراقوش، وكان الناس يدخلون أو يخرجون من القاهرة الملفوفة بالسور العظيم من خلال عدة أبواب تم إنشاؤها لهذا الغرض، من بينها باب الفتوح وباب زويلة وباب سعادة وباب النصر، وبعضها ما زال موجوداً كأثر حتى اليوم! النظرية قديمة، وقد لا نبالغ إذا قلنا إنها راسخة فى الوجدان السياسى المصرى، يشهد على ذلك المثل الشعبى الشهير الذى يقول: «الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح». فالنظرية تبدو ترجمة واقعية وأمينة لمضمون هذا المثل، ما لم يتوقف أمامه أحد أنه رغم الأسوار العالية والأبواب العاتية لم تأمن مصر من شر الريح التى تأتيها من الخارج. فليست الأسوار ولا الأبواب بقادرة على صد كل أنواع الرياح، فبعضها قادر على اقتلاع كل ما يقف فى طريقه. قد يستدرك قائل: لكن وجود الأسوار والأبواب يحقق حداً أدنى من الأمان ضد بشر يريدون تخريب الحياة، قد يكون لهذا الكلام بعض الوجاهة الظاهرية، لكنك إذا تعمقت فيه فستدرك أن الانغلاق يمكن أن يفرز المزيد من التخريب، فى الوقت الذى يمكن أن يحميك فيه اتساع الأفق من مشاكل كثيرة. على سبيل المثال يعانى العالم كله الآن من الإرهاب، وقد تشابهت إلى حد ما ردود أفعال حكام الدول المتقدمة مع الدول المتسكعة فى سوق التنمية إزاء هذا التحدى، الكل بدأ يفكر فى «غلق الباب»، وكأن الكل ينضح من نفس البئر المصرية الصميمة: «سده واستريح»، فهناك من فكّر وقدّر أن الحل هو وضع ضوابط على حرية التنقل بين الدول (كما حدث بعد حادث فرنسا)، وهناك من فكر فى نشر قوات أمنية أكبر فى كل الاتجاهات، وهناك من ذهب إلى أن الحل فى إغلاق بعض مواقع التواصل الاجتماعى التى تشكل نافذة للإرهابيين، لم يقف أحد ويفكر فى تقصير أجهزة المخابرات وعجز أساليبها القديمة عن التعامل مع الإرهاب الذى يطور نفسه وأدوات عمله باستمرار، فى الوقت الذى لم يزل من يكتوون بناره معتمدين على ذات الأساليب العقيمة. كهف الإرهاب ينضم إليه كل يوم عناصر جديدة يصنعها الظلم على عينه، إلى درجة يبدو معها أن الأجهزة العتيقة أضحت عاجزة عن السيطرة عليه!