تعيش الأسر على أطراف عروس البحر الإسكندرية نكبة حقيقية فى غياب المرافق ومياه الشرب والحياة الآدمية، كما يعيشون حالة من اليأس وخيبة الأمل بعد الثورة، وخاصة أنها كانت تتوقع تغير وتحسن الحال الذى كان عنواناً رئيسياً لخطاب ووعود كل مسئول تقلد منصبه بدءاً من أصغر منصب وصولاً إلى رئيس الجمهورية. «الوطن» انتقلت لزيارة عدد من الأسر الفقيرة التى تقطن أطراف الإسكندرية لتستمع إلى رواياتهم ومشاكلهم، ففى مساكن المحرقة التقت «الوطن» بالحاج إبراهيم الدمراوى، أحد الأهالى، الذى قص معاناته فى البحث عن شقة تؤويه هو وأطفاله الأربعة فيقول: عندى أربعة أطفال وعندى مرض تآكل العظم ولا أقدر على العمل، تم بتر إحدى ساقىّ والأخرى فى الطريق». وأضاف: «طردنى صاحب الشقة لعدم سداد الإيجار، وظللت أنا وأبنائى بالشارع نتنقل عند الأهل والجيران وكل أمنياتى إنى ألاقى أربع جدران ألم فيها عيالى وأطمن عليهم قبل ما أموت، قدمت على شقة من 10 سنين ولحد دلوقتى ما فيش رد من أى مسئول، لا بعد الثورة ولا قبلها». وقالت علا محمود شعبان، من أهالى المحرقة: «أنا مطلقة وأصرف على بنتين منذ 17سنة، واحدة عندها 18 سنة والثانية 19 سنة، يعنى على وش جواز، وأنا مريضة بسرطان الثدى، وكنت قاعدة فى قانون جديد، بس عشان مش بدفع الإيجار صاحب الشقة طردنى وقعدت عند جارتى لحد ما جت الثورة، وكان نفسى مشكلتى تتحل بعدها لكن لغاية دلوقتى مافيش أى أمل». وفى مساكن ميرغم التقت «الوطن» بكريمة شوقى (45 سنة) التى قالت «زوجى كان عامل فى شركة أونيكس لجمع القمامة وبعد ما الشركة اتقفلت بيشتغل عامل باليومية، والأسعار بقت فى السما، لدرجة إننا مش قادرين ندفع إيجار الشقة اللى إحنا عايشين فيها ونفسنا ناخد شقة من شقق المحافظة». وأضافت: «عندى ولد وبنت وزوجى دخله حوالى 500 جنيه فى الشهر، بحاول أساعده لو لقيت حد عايز واحدة تنضف أو تجيب طلبات ومع ذلك مش بنكفى مصاريف البيت، نقضى اليوم على أدنا، يعنى ممكن نعمل طبق أرز وبصلة ونتغدى به أو نقلى باذنجان وعليه رشة ملح وأهى ماشية». ويحكى الحاج فوزى أبوزيد (62 سنة) من مساكن برج العرب قصته بقوله: «أنا اطردت من شقتى عشان مش قادر أدفع الإيجار، الفلوس كلها اللى بتجيلى من ولادى أو من أهل الخير بتتصرف على العلاج، أما الأكل والشرب فمش مهم الحمد لله المرض خلانى مش بقدر آكل، يعنى لقمة فول أو حتة جبنة تقضينى طول اليوم لدرجة أنى بقيت بحس إن المرض نعمة على الأقل ريحنى من الأكل اللى ماحدش بقى عارف يشتريه». وقال على مسعود صالح، أحد أهالى منطقة العراوة بالعامرية، إن العامرية هى واحدة من المناطق التى تقع على حدود الإسكندرية التى تم استحداثها قريباً لتقليل الكثافة السكانية عن قلب المدينة، وكانت فيما مضى منطقة شبه جبلية يسكنها العشرات من العرب والبدو فقط. وأضاف: منذ أن صارت العامرية إحدى المناطق المكتظة بالسكان وهى تعانى من إهمال شديد من قبل المسئولين، فحتى الأرض لم يتم تطوير طبيعتها الجبلية وسفلتة الشوارع كما فى باقى المناطق، مما يجعل سير السيارات والتكاتك -التى هى وسيلة المواصلات الوحيدة داخل العامرية- أمراً بالغ الصعوبة، فالأرض متعرجة وصخرية ذات رمال بيضاء بمجرد السير عليها تتطاير الرمال من حولك إلى الأطعمة والخضراوات ومحال الأغذية التى يقف بها الباعة فى الشوارع. وتابع: الانفلات الأمنى هو أبرز المشاكل التى يعانى منها المواطنون فى العامرية وبرج العرب وزاوية عبدالقادر والناصرية ومساكن البتروكيماويات ووادى القمر وريف المنتزه والمعمورة البلد وأبوقير والطابية. وقال قناوى عبدالمجيد كبير عائلة «القناوية» فى منطقة الناصرية، إن الوضع المتردى فى المنطقة، هو أبلغ رد على محاولات الداخلية المستميتة لإقناع الشعب المصرى بأن منظومة الشرطة تغيرت وأصبح شعارها الشرطة فى خدمة الشعب. وقال محمد زكى رويعى - أحد ساكنى منطقة البتروكيماويات- إن البلطجية والمسجلين خطر يقومون بتثبيت الأهالى والاستيلاء على متعلقاتهم الشخصية أثناء مرورهم على طريق القاهرةالإسكندرية الصحراوى، وتحديداً فى الكيلو 80 بالقرب من مدينة النوبارية الجديدة، بحكم طبيعة أعمالهم فى مجال البناء، مشيراًً إلى أن هذه المنطقة تشهد يومياً عشرات الحوادث بمحاصرة الأهالى وتهديدهم بالسلاح، فى غياب تام لأى دوريات أو قسم أو نقطة للشرطة كى تتمكن من إنقاذ المواطنين. وقالت علياء عوض، ربة منزل فى ريف المعمورة عند «الأحواض»، إن اختفاء أفراد الأمن من شوارع أطراف المدينة، أدى إلى عدم انتظام الدراسة فى مدارس هذه المناطق، فضلاً عن عدم انتظام طلاب الجامعات من ساكنيها فى دراستهم، بسبب عدم مواجهة الاعتداءات التى تقع عليهم أثناء ذهابهم إلى المدارس والجامعات بشكل يومى. وأكدت «عوض»، أن أهالى المنطقة والمناطق المحيطة، قد تقدموا بالمئات من الشكاوى إلى وزارة الداخلية وديوان عام المحافظة على مدار ال10 سنوات الماضية، لمحاولة إنقاذ الأهالى من براثن الانفلات الأمنى وأعمال النهب والسرقة لممتلكاتهم الخاصة والتعدى على المنازل والأشخاص، لكن دون جدوى. وقال رحومة حماد، من سكان منطقة الطابية فى أبوقير، إن أهالى المنطقة ظنوا أن الثورة قادرة على حمايتهم من الرعب والفزع والاعتداءات والسرقة وانتشار المخدرات، لكن الوضع ظل كما هو دون جديد، مطالباً نواب مجلس الشعب المقبل بالاهتمام بساكنى المناطق النائية، ومساواتهم بساكنى المناطق الراقية ونصف المدينة. وأضاف «حماد»: «لم يختلف الوضع الأمنى فى المنطقة، وبعد الثورة تزايدت معدلات الخوف لدينا، ولا يمر يوم إلا ونسمع فيه عن اختطاف لفتيات وقتل للأطفال.. فنشعر وكأننا نعيش فى فيلم رعب لا نعرف متى ستأتى نهايته». وأضاف: «بعد الثورة فوجئنا بالكثير من الحوادث التى لم نكن نتخيل أن نسمع عنها من قبل، فأكثر من فتاة فُقدت وأكثر من جثة طفل نجدها ملقاة فى الأراضى الزراعية، توجهنا بالعديد من البلاغات إلى الشرطة، ولكن لم نشعر بأى تحرك أو أى اهتمام بأرواح أبنائنا». وطالب ممدوح وهدان، أحد أهالى منطقة مساكن عبدالقادر، جهاز الأمن بأن يعمل على توفير حماية أمنية مخصصة للمنطقة، لمنع البلطجية من فرض إتاواتهم على الأهالى بالقوة. وأضاف أن بائعى برشام الترامادول الذى يطلق عليه (الفراولة)، يقومون ببيعه فى الشارع بشكل طبيعى دون أى رادع وينتشرون مثلما ينتشر بائعو الفاكهة، كما أن البلطجية يقومون بسرقة أى سيارة تدخل إلى المنطقة.