«أبو الأنبياء».. ذلك هو الوصف الذى ينعت به خليل الرحمن عليه السلام. وهو وصف لا يرتبط بكون نبى الله «إبراهيم» رأس الذرية المباركة من الأنبياء من نسل إسحق، ومن وراء إسحق يعقوب، أو من نسل إسماعيل جد النبى محمد صلى الله عليه وسلم. فالوصف يرتبط بعوامل موضوعية عديدة فصلها القرآن الكريم، وجوهرها هو ذلك الصبر على الابتلاء. فقد تعرض إبراهيم على مدار سيرته للعديد من الابتلاءات، من بينها: العيش فى كنف أب وثنى يصنع الأصنام، ثم كان ابتلاؤه بالإلقاء فى النار، لما تحدى قومه وقام بتحطيم أصنامهم، يضاف إلى ذلك ابتلاؤه بتأخر الإنجاب، إذ أنجب ولديه إسماعيل وإسحق على كبر، ولما قرت عيناه بإسماعيل (ولده الأول من هاجر) أمره الله تعالى بأن يذهب بهما إلى وادٍ غير ذى زرع عند البيت الحرام ويتركهما هناك. لقد عانى خليل الرحمن من عدة أزمات متلاحقة وثبت فى مواجهتها كل الثبات. وبإمكان من يقاسى من عنت الآباء، أو معاندة المحيطين به لما يظنه حقاً، أو يعانى من تأخر الإنجاب، ثم البعد عن ولده الذى أنجبه بعد صبر طويل، أن يفهم مغزى ما أقول. كل هذه الابتلاءات وغيرها تعرض لها أبو الأنبياء، لكنه تحملها بعقل واعٍ ونفس راضية وثبات إيمانى لا يتزعزع، ورضا كامل بقضاء الله وقدره، فكان أن وضعه الله تعالى فى المحنة الأشد، حين أمره بذبح ولده إسماعيل الذى انتظر مجيئه دهراً ورزق به وهو شيخ كبير، لذلك لم يكن من العجيب أن يصف القرآن الكريم هذه اللحظة العصيبة التى سار فيها إبراهيم بولده إسماعيل لتنفيذ أمر الله ب«البلاء المبين». يقول الله تعالى: «وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ». شاء الله أن يكافئ إبراهيم عليه السلام على ثبات إيمانه وطاعته لله، ففدى ولده ب«ذبح عظيم». وذبح الحيوانات تقرباً إلى الله شعيرة لا توجد فى الإسلام وحده، بل تمتد بعمقها إلى أزمان بعيدة كل البعد عن الإسلام، بل قل إنها تعود إلى عصور ما قبل الميلاد. ومن السذاجة المفرطة أن يلوم مصرى على المسلمين ذبح «الخراف» وغيرها من الحيوانات فى العيد، وهو الذى سبق وقرأ فى كتب المدارس أن المصريين دأبوا على تقديم قربان للنيل (أضحية) لقرون طويلة، عبارة عن فتاة جميلة -وليس نعجة أو خروفاً- كى يستجلبوا الفيضان، وقد بطلت هذه العادة عندما دخل الإسلام مصر!. والمسلمون ليسوا بدعاً فى تقريب الأضحيات إلى الله، ففى العهد القديم جاء: «فَتَذْبَحُ الفِصْحَ لِلرَّبِّ إِلهِكَ غَنَماً وَبَقَراً فِى المَكَانِ الذِى يَخْتَارُهُ الرَّبُّ لِيُحِل اسْمَهُ فِيهِ». ويطلق على الذبيحة: خروف الفصح». هناك مشهد فى فيلم «ابن حميدو» يعرِّف فيه «عبدالفتاح القصرى» نفسه فيقول: أنا المعلم حنفى أنعم وأكرم.. فيعلق إسماعيل ياسين: «أنعم وأكرم ده يبقى والدك».. تغضب ابنته «هند رستم» وتقول ل«القصرى»: شوف القباحة يابا!.. فيرد الأب قائلاً: «دى مش قباحة يا بنتى.. ده جهل بعيد عنك»!. لذلك أتحفظ على من وصفوا هجوم البعض على شعيرة الذبح بأنه «قباحة».. لا!.. ده جهل بعيد عنك!.