"اتصالات النواب" تواصل الحوار المجتمعي بشأن تقنين استخدام الأطفال لمواقع التواصل    اليوم.. الهيئة القبطية الإنجيلية تعقد ندوة بعنوان "معا بالوعي نحميها"    استنساخ الفوضى.. كيف تتاجر جماعات الإسلام السياسي بأوجاع الشعوب؟ باكستان ومصر نموذجان    «كولواي مصر» تنتهي من تطوير 20 عربة قطار ل «السكك الحديدية»    هيئة البترول تستعرض منظومة عقود الجيل الجديد في مجال الحفر    بدء تطبيق تعريفات ترامب الجمركية الجديدة على واردات دول العالم    في ذكرى الحرب.. بريطانيا تفرض عقوبات على 5 بنوك روسية    صراع القمة.. التعاون يستقبل الهلال في مواجهة نارية ضمن دوري روشن السعودي    الزمالك في مواجهة خارج التوقعات أمام زد بحثا عن صدارة الدوري    بيدري: نحلم بكل الألقاب.. ومبابي خياري من ريال مدريد    تاجر خضار يستدرج شابا ويقتله ثم يلقي جثته في مصرف بقليوب    حبس المتهم بقتل فتاة وسط الشارع فى الخصوص لرفضها خطبته    موعد ومكان تشييع جثمان شقيق الفنانة زينة    «فوق لنفسك يا صاصا».. صلاح عبد الله يعلق على تجاهل غيابه في رمضان    4 قواعد مهمة قبل شراء زيت الزيتون    الإنتاج الحربى تعزز شراكتها الاستراتيجية مع الأكاديمية العربية للعلوم    رئيسة المفوضية الأوروبية: سنقف بثبات مع أوكرانيا ماليا وعسكريا    حمزة عبد الكريم يفضل برشلونة على منتخب مصر    أوكرانيا تواجه شبح الإفلاس بحلول أبريل المقبل    جيش الاحتلال الإسرائيلي يقتحم عددا من مناطق الضفة الغربية    انتداب المعمل الجنائي لبيان أسباب حريق فيلا النزهة    حالة الطقس اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026.. الأرصاد تكشف تفاصيل درجات الحرارة المتوقعة    الصرف الصحي يواجه تداعيات نوة الشمس الصغرى بعد تراجع أمطار الإسكندرية    هيئة البث العبرية: المؤسسة الأمنية تطلب ميزانية إضافية استعدادا لحرب ضد إيران    أيمن محسب: زيارة الرئيس السيسى للسعودية تؤكد وحدة الموقف العربى تجاه غزة    صبري فواز: أداء باسم سمرة في مسلسل «عين سحرية» ألماظ حر    إياد نصار: صحاب الأرض مشروع جريء.. وهذه حقيقة تصوير مشاهد داخل غزة    اليورو يتراجع اليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك المصرية    رئيس الوزراء: «أبواب الخير» ترجمة عملية لاستراتيجية الدولة في تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي    لا تكتمل عزومات رمضان بدونه، طريقة عمل الحمام المحشي أرز    الله القابض الباسط    رئيس الوزراء: مبادرة أبواب الخير تستهدف تعزيز شبكات الأمان الاجتماعى    مركز معلومات المناخ يحذر: موجة برودة نادرة تخفض الحرارة 6 درجات عن المعدلات وتُربك القطاع الزراعي    أحمد خالد أمين يحسم الجدل: مصطفى شعبان مش ديكتاتور    مصرع 7 أشخاص فى تحطم طائرة إسعاف جوي بالهند.. فيديو    24 فبراير 2026.. تباين مؤشرات الأسهم الآسيوية بعد هبوط وول ستريت    موعد أذان المغرب فى اليوم السادس من شهر رمضان بالمنوفية    أسعار الفراخ اليوم ماسكة في العالي.. ارتفاع جديد يحبط المستهلك    اليوم.. محاكمة 64 متهمًا في قضية خلية القاهرة الجديدة    جمال العدل: شيكابالا لا مثيل له في تاريخ الكرة المصرية.. وزيزو مش شبه الزمالك    مواقيت الصلاة وعدد ساعات الصيام اليوم الثلاثاء سادس أيام رمضان 2026    الأدعية المستحبة في اليوم السادس من رمضان 2026    تعرف على تفاصيل تصدر أحمد ماهر تريند محركات بحث جوجل    دينا تتصدر تريند جوجل بتصريحات جريئة: «الرقص مش حرام.. اللبس هو المشكلة وربنا اللي هيحاسبني»    جمال العدل: حسين لبيب كبر 10 سنوات بسبب رئاسة الزمالك.. مكانش ينفع يمسك النادي    الإذاعية إلهام سعد: دراما "من قلب الحكاية.. جدو حقي وتيتة حماية" هدية وعي من القومي للطفولة والأمومة    نتائجه عكس التوقعات، الصحة تحذر من السحور الثقيل    دعاء الليلة السادسة من رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    عمرو سعد ترند بعد عرض الحلقة الجديدة من مسلسل «إفراج»    "المداح" الحلقة 7 .. تامر شلتوت يعود من الموت    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يحيون سادس ليالي رمضان في المساجد الكبرى    مانشستر يونايتد يعود للانتصارات بفوز صعب على إيفرتون    بعد صرخة "عين سحرية".. ضربات أمنية موجعة تسقط أباطرة "الشابو" وتنقذ الشباب    كتاب جديد يفكك السلفية.. من مجالس العلم إلى جبهات القتال    وليد ماهر: توروب حقق ما أراد وسموحة غامض هجوميا.. وكامويش لغز صعب الحل.. فيديو    «مستشفى المنيرة العام» تعيد بناء عظام وجه مريض بجراحة دقيقة استمرت 6 ساعات    مسلسل عين سحرية يفضح تجارة الآثار المتنكرة في تجارة السيارات.. تفاصيل    للعام الثاني على التوالي، فانوس رمضان يزيّن ويضيء مدخل جامعة المنصورة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مرضى أعياهم البحث عن العلاج: عايزين مستشفى زى «57357»
«محمد» وأبناؤه الأربعة يتلقون العلاج على نفقتهم الخاصة.. و«رشاد»: بتسول من أجل دفع التكاليف
نشر في الوطن يوم 31 - 07 - 2014

يبتسمون ابتسامة من نجا لتوه من الموت، ليحصل على فرصة حياة جديدة، يعانون فى صمت على أسرة جلسات العلاج الكيماوى، يقاومون المرض بعزيمة صلدة لا تلين وقوة كامنة فى كلمات الوجع على صوت الأجهزة والمحاليل التى تصل بين أجسادهم المهترئة وأنبوب لا يفصله عن جاره، سوى بضع سنتيمترات، فالمرض الذى لا يعرف الفارق بين كبير وصغير، يجعل كليهما سواء أمام رحلة، بدايتها قلق وتوتر والنهاية ربما تكون جثة مسجاة على ظهرها فى ثوب أبيض.
عندما يغلبك اليأس والإحباط وتغلق كل أبواب الأمل فى وجهك، لا بد أن تزورهم فى معاهد الأورام والأقسام المنتشرة بأنحاء الجمهورية، حيث يتراصون على أرصفة الدولة ويتسكع بعضهم فى الشوارع، ولم يغلق فى وجههم باب الرجاء، ولسان حالهم يقول «لو كان السرطان رجلاً لقتلته»، المرض واليأس فى صراع، الفائز الوحيد فيه هو من لديه أمل فى إقامة مستشفى مجهز قادر على استيعاب أعدادهم وآلامهم وأحلامهم لاسترداد الشعور بالعافية التى نسوها بعد أن هاجمهم المرض اللعين وبات ينهش فى أرواحهم قبل أجسادهم.
شعور بالدوار ووعكة صحية وبرد شديد لم يفلح العلاج فى ردعها، فبدا لا مفر من أن يطرق الحاج أحمد عبدالله باب الطبيب ليخبره الأخير بإصابته بسرطان الدم، مصحوباً بحالة ضعف عامة وغثيان، صدمة تحملها على أعصابه، فكان أمامه إما الفحص الدورى لدى طبيب خاص قد يستنزف معظم أمواله أو يتخذ قراراً بالعلاج فى المستشفيات التابعة للمعاهد الحكومية، السنوات الخمس الماضية ذاق فيها الرجل الستينى مرارة العلاج بسبب الانتظار الطويل فى ردهات المستشفيات، أملاً فى صرف الدواء والحصول على موعد محدد وقاطع لإجراء العملية الجراحية، فحسب كلامه: «الطوابير طويلة قدام معهد الأورام، والدور عارف إنه جاى، بس بعد سنتين تلاتة لو كان فى العمر بقية».
الحاج محمد لديه 4 أبناء، كلهم مصابون بالمرض وخرج على المعاش المبكر فى عمله بإحدى الوزارات بعد أن باغته السرطان ولم يجد من يحنو عليه: «كل عيالى عندهم سرطان فى الدم وبيتعالجوا على حسابهم، بعنا اللى ورانا واللى قدامنا، مش معانا نصرف علشان ناكل أو نلبس»، نظرة مريض السرطان إلى الصرح الطبى الخاص بسرطان الأطفال والقائم بالتبرّعات مغايرة تماماً، حسب قوله المصحوب بصرخات الوجع: «مستشفى سرطان 57357 نجدة للمرضى من صغار السن والأطفال اللى مالهومش ذنب، أما إحنا وأمثالنا فمش قدامنا إلا العلاج بفلوسنا فى مستشفيات صعب دخولها، مش تلقى العلاج فيها، والدولة لازم تنظر إلى 10 ملايين مصرى مصاب بأورام مختلفة من كبار السن، دول عدد مش هيّن، عايزين مستشفى بالمجان للكبار». فى غياب التأمين الصحى والرعاية الطبية الجيدة فى المعاهد القومية للأورام، تبقى الأبواب موصدة أمام رشاد إبراهيم، مريض سرطان الرئة، فكلما يطرق باباً يمد له يد العون فى العلاج، يتلقى صدمات موجعة، فالمرض الذى ينهش فى جسده رويداً رويداً، أحن عليه من الدولة التى تتركه يشحذ بسبب نفقات العلاج: «من 10 سنين، عرفت أنى مريض بسرطان فى الرئة، ماكانش قدامى غير المتابعة فى مستشفى الأورام، ووقتها شعرت أنه ممكن الخدمة الطبية تكون مناسبة، بس صرف الأدوية والعلاج قليل لدرجة إنى باضطر أدفع كل يوم 58 جنيه وأنا راجل على باب الله».
يتحدث والدموع فى عينيه عن قرار أرباب الشركة الخاصة التى كان يعمل بها، بفصله من عمله بعد أن تغيّب فترات طويلة عنه بسبب خضوعه لجلسات العلاج المركزة، الأمر الذى زاد مع قرار الزوجة الرحيل عن الحياة كلها، وزواج أبنائه، فوجد نفسه دون أبناء أو زوجة وعلاج، فى الوقت الذى يحتاج فيه إلى الدعم النفسى لمواظبة العلاج، ولم يبقَ سوى هو والمرض يتبادلان الشكوى: «كل يوم باموت نفسياً، لأن وقوع الموت ولا انتظاره، بس المهم أولادى هيعملوا إيه من بعدى، هيلاقوا ديون كتيرة صعب يسددوها بسبب تكاليف العلاج»، يعجز عقل عم رشاد عن استيعاب المأساة التى قد تكون فى انتظار الأبناء حين يعلمون أن والدهم مديون بمبلغ يزيد على 25 ألف جنيه بسبب العلاج على نفقته الخاصة، «يعنى كمان هامشى من الدنيا وولادى شايلين هم الديون والفقر».
مناشدات كثيرة بعث بها الرجل الخمسينى لوزير الصحة لإقامة مستشفى يضم كل حالات مرضى السرطان من كبار السن، خصوصاً من وصل بهم الحال للحظات اليأس والاستسلام للموت ومراحل متقدمة من المرض: «عارفين أن المستشفى هياخد وقت طويل علشان يتبنى، بس على الأقل هيكون فيه أمل للعلاج، لو لحقنا، يبقى ربنا بيدينا أمل، ولو مالحقنهوش يبقى أمل للى جاى بعدنا».
يستمد شجاعته من ابتسامة شقيقه الذى يجر الكرسى المتحرك له بعد أن أقعده سرطان النخاع الشوكى الذى أصيب به منذ سنوات، الحزن يختلج صدره ويعتصر قلبه، حين يتذكر أنه لا يستطيع الحراك دون مرافق، يخرج «حسن كمال» من مستشفى الأورام وعيون تدمع خلسة خشية أن يراه مخلوق، رغم أن الألم لا يعرف الكرامة، والمرض لا يعترف بالمشاعر، يمر شريط حياته أمام عينيه فى كل مرة يتلقى فيها العلاج الكيماوى، فالزوجة طلبت الانفصال على أثر المرض، والابن رحل مع والدته، ليتركونه يعانى المرض والألم النفسى الذى فاقم من الأوجاع».
الوصول إلى مرحلة الجراحة يعنى بالنسبة لمريض السرطان أنه فشل فى الاستجابة للعلاج الكيميائى، لكن إذا وصل الأمر إلى تأجيل العمليات الجراحية بعد أن تردد عشرات المرات على المعهد القومى للأورام ليقابله الرد نفسه: «دورك لسه ماجاش»، يبقى الحل الوحيد أمام «حسن» الاستسلام للمسكنات أملاً فى تخفيف الآلام المصاحبة للعلاج الكيميائى والإشعاعى: «باموت فى اليوم 100 مرة، الحل الوحيد إنى آخد مسكن وأنام بعدها على طول بعد ما باستنى حوالى من شهرين لتلاتة لإجراء العملية».
تأجيل العمليات الجراحية مشكلة كبيرة تواجه «حسن» بصفة مستمرة بعدما خاض رحلة علاج طويلة من مستشفى قصر العينى إلى السلام للأورام، ثم المعهد القومى، لتنتهى جرعات العلاج الكيماوى، ويصبح رهين العلاج الإشعاعى: «كل يوم يقولوا لى فوت علينا بكرة، والعملية بتخلينى أصوم قبلها بيومين، يعنى بابقى هاموت من الجوع، والألم ومستنى التخلص من الوجع وأعمل العملية، لكن مفيش حل». يئن من مصروفات السفر فى رحلة يومية يقطعها من مركز إطسا بالفيوم إلى القاهرة، لا يغادره الوجع المصاحب لورم فى المعدة، يقف فى بهو المستشفى التابع للمعهد القومى للأورام المكتظ بالمرضى، يحاول إسناد ظهره المحنى إلى الحائط خلفه، ثم ينظر بعد تنهيدة تخرج من الأعماق إلى المرضى المتراصين على جنباته، قائلاً: «أعمل إيه بس يا رب؟»، ثم يعود إلى سؤال موظف الاستقبال عن دوره الذى لم يأتِ منذ شهرين: «هو المفروض أدخل أكشف إمتى؟»، فلا يجد سوى إجابة تتخللها نظرة ازدراء: «لسه بدرى عليك، اتفضل استريح بره، لما ييجى دورك هنبقى نندهلك»، يشعر السيد محمد مروان باليأس والعجز عن تحمل الألم ومشقة السفر فيطلب التعجيل بدخوله إلى الطبيب، فيأتيه الرد الذى لا يعجبه «ابقى روح اتعالج فى بلدكم أحسن».
من السابعة صباحاً حتى الخامسة مساءً هو موعد الانتظار اليومى لا يخلو من رحلة بحث عن الدم أو تكلفته التى تتجاوز 250 جنيهاً لشراء فصيلة الدم النادرة لتكون النهاية داخل مستشفى الشبراويشى القريب من معهد الأورام، وإذا استسلم لليأس وفاته موعد جلسة العلاج بالكيماوى يشتد ألمه ويكاد يفقد صوابه «بسبب الزحمة أوقات كتيرة بآخد العلاج قدام غرفة الكيماوى، ولو دخلت الغرفة قبل موعد العلاج، الدكاترة يطردونى». يحلم «السيد» فقط بمستشفى كبير يحتوى الأعداد الهائلة من مرضى السرطان فى مصر ويوفر سريراً لكل منهم: «نفسى أنام على فرشة نضيفة وأنا باتعالج أو بآخد الكيماوى مش واقف على رجل واحدة، وألاقى العلاج والدم لما احتاجه مش أدفع دم قلبى ويمكن مش ألاقيه».
بصوت منخفض هزمه المرض لكنه ما زال متمسكاً بالبقاء، يحاول عثمان عبداللطيف التقاط أنفاسه قبل الحديث «إحنا بنموت بالبطىء فى البلد دى»، يؤكد الشاب العشرينى القادم من مركز فاقوس الشرقية مصطحباً معه الأوراق والتحاليل، قابضاً عليها بكلتا كفيه، مبادراً بالقول: «كل مرة يعالجنى دكتور، بوصفة جديدة، بيجربوا فينا الموت». «عثمان» أصيب بورم فى الغدد الليمفاوية وعولج 4 مرات بطرق مختلفة وهرمون جديد، مفسراً السبب «لأنى على قد حالى باوافق وانا ساكت».
تكاليف الفحوص والأشعة المقطعية والرنين المغناطيسى عجز «عثمان» عن تحمل نفقاتها، يحاول تدبيرها ببيع جزء من أثاث المنزل تارة، والاستغناء عن الطعام تارة أخرى، وإذا أهمل بعض الشىء فسوف يلقى مصير والده نفسه الذى عانى المرض نفسه، ومات أسيراً للفقر وقلة الحيلة والإهمال الطبى «كنت باجى مع أبويا كل يوم، وباشوف معاناته، يقولوا لى ادفعوا وإلا تتطور حالته ويموت، وسبحان الله مات قبل ما يشوف كل الغلب اللى أنا باشوفه»، ويسترسل الشاب فى الحديث عن والده الذى ورث عنه المرض الذى لا يرحم «أبويا لو كان معاه فلوس أكيد كان اتعالج فى مستشفى كبير».
داخل غرفة الأشعة، يستلقى عادل حماد على أحد الأسرة، فى انتظار قدوم الطبيب الذى تجاوز تأخيره عن موعده ساعتين: «لو معايا واسطة وفلوس ماكانش ده حالى»، هكذا أكد الرجل الذى شارف على الخمسين، قضى منها 10 أعوام مصاباً بسرطان فى الدم، «يوم ما جالى المرض كان عندى 35 سنة، جريت على أقرب مستوصف، قالوا لى مفيش فايدة، لازم تروح مستشفى قصر العينى، هناك بلغونى أنى لازم أروح معهد الأورام»، تدريجياً تأقلم «عادل» على المرض وتعايش معه لكن أصعب ما يكابده هو الإهمال داخل المعاهد والمستشفيات التى يتردد عليها: «باستنى ساعات طويلة علشان استلم التحاليل».
كواليس المرض تحفل بمزيد من المعنويات المنخفضة التى يفترض أن يتمتع بها المريض ليصير أكثر إقداماً على العلاج والتقدم فى مراحل الشفاء، لكن الرجل الذى أخفى عن زوجته إصابته بالسرطان، المرض الذى شاع أنه لا يرحم، كان المرض سبباً فى طلب الزوجة الانفصال بعد انكشاف أمره، وأن يترك لها الابنة التى رزقا بها «سنين وانا باعانى من المرض، وكل اللى بيحصل لى من تحت راسه، وكل الظروف دى بتأثر فى نفسيتنا، وللأسف فى المستشفيات مش بنلاقى حتى حد يضحك فى وشنا أو يديلنا أمل، شعرى دايماً بيقع، باقعد بالخمس أيام من غير أكل بسبب العلاج الكيماوى، جسمى كله بقى لونه أزرق».
كل من حوله هجره إلا المرض ظل يؤنس وحدته «الأيام بتجرى، باتمنى أتعالج أو أريح أهلى من السؤال علىّ وأموت»، العلاج فى مستشفى مجهز هو الحلم الذى يعيش بقية أيامه على أمل تحقيقه «الدولة لازم تفكر فى مريض السرطان، اللى مايعرفش فرق بين طفل وكبير فى السن، كله بيتوجع».
معهدان متخصصان فى علاج الأورام السرطانية لكل المراحل العمرية ولم نصل حتى وقتنا هذا إلى تطبيق 3% نسب العلاج المتميز، كما نص الدستور الذى أقر مؤخراً، حسب على زيدان استشارى ومدرس الجراحة العامة وجراحة الأورام زميل كلية الجراحين الملكية بلندن: «فيه المعهد القومى للأورام بجامعة القاهرة ومعهد جنوب تابع لأسيوط و7 معاهد أخرى، وفيه أقسام بمستشفيات 6 أكتوبر والتأمين الصحى وصيدناوى، لكن نسب الشفاء منخفضة جداً، والجراحة معقدة وتحتاج مستوى معيناً من العلاج الطبى والعلاج الإشعاعى وفيه تقصير لعلاج المرضى بسبب ضعف فى الإمكانيات وسوء الإدارة، وكل ده بسبب كبر العدد، والأولى البدء فى جمع تبرعات شعبية لإقامة مستشفى 57357 للكبار».
علاج الكبار من مرضى السرطان على نفقة الدولة أصبح وهماً يفسد ما يمكن للوطن أن تصلحه فى المستشفيات والمعاهد المختلفة بدءاً من الإهمال إلى الفساد، حسب «زيدان»: «الورم اللى حجمه 2 سم ممكن بعد أسبوع من الإهمال يبقى 4 سم، ويبقى مفيش غير العلاج على نفقة دولة عجزت عن توفير العلاج مبكراً، وضعف التمويل غالباً يكون السبب».
ورغم أن أقسام الأورام هى أكثر الأقسام الناجحة فى المستشفيات الحكومية لكن الأبحاث مهدر حقها بشكل كبير وقيمتها عالية، حسب د. محمود عبدالرؤوف، باحث فى مجال عقاقير الأورام بالمركز القومى للبحوث «معظم الأدوية والعقاقير لعلاج المرضى يتم استيرادها من الخارج، لأنه ليس هناك إمكانية مالية وتقنية تتيح فرصة رعاية الابتكار والتحديث والتجديد».
ورم النخاع الشوكى والغدد هو أحدث ما توصل إليه الباحثون فى مجال العقاقير السرطانية، بحسب د. محمود: «التحرك وإن كان بطيئاً لكنه ملحوظ، التقدم فى مجال البحث العلمى، وإرسال بعثات إلى الخارج يعود بالنفع فى مجال علاج الأورام، لكن الجديد غير موجود بسبب الإمكانيات المحدودة للغاية فى ظل وجود أبحاث مركونة فى الأدراج، ومعظم الصيادلة بيشتغل على الأدوية المستوردة».
نقص عدد الأسرة والزحام تسبب فى تذمر المرضى الفترة الماضية.. حسب الدكتور محمد جميل وكيل المعهد القومى للأورام، مضيفاً «المستشفى التابع للمعهد كان عبارة عن مبنيين أحدهما جنوبى والثانى شمالى، تم الاستغناء عن الأول لأنه كان آيلاً للسقوط ليقل عدد الأسرة، وبالتالى يشعر المريض بنقص الاستعدادات والتجهيزات لاستقباله»، لافتاً إلى أن مستشفى سرطان الأطفال هو صرح نشأ على أكتاف أطباء المعهد القومى للأورام وكان معداً لإلحاقه بمقره الرئيسى.
يعترف الدكتور جميل بأن نوعية الخدمة المقدمة لمريض السرطان تحتاج إلى إعادة نظر، وإضافة المزيد وفقاً للإمكانيات المتاحة، التى يأتى معظمها من التبرّعات، ويكمل: «عندنا يمكن مشكلة فى صرف العلاج والأدوية، لأننا بنخدم 20 ألف حالة، فى اليوم حوالى 100 مريض، ما بين حالات جديدة أو متابعة وحالات أشعة وأخرى فحوصات».
علاج الأورام يأخذ أولوية فى قرارات العلاج على نفقة الدولة، حسب الدكتور محمد عابدين المشرف العام على المجالس الطبية بوزارة الصحة والسكان السابق: «القرارات بتطلع بصعوبة، لأن المريض لازم يبقى عنده تقرير باثولوجى لعلاج حالات السرطان الحقيقية مش أى ورم فى الرجل أو اليد أو الوجه، عن طريق عينة للورم، حسب مكان السرطان، وفقاً لتشخيص الأورام وترنيم مغناطيسى للمخ أو أشعة مقطعية، علشان العلاج المجانى مايروحش لغير مستحقيه، وفيه أورام حميدة وأخرى خبيثة».
صرف أدوية باهظة التكاليف يعد أولوية لعلاج كيماوى السرطان، حسب الدكتور محمد: «هناك أخطاء يرتكبها بعض الأطباء واستشارى الأورام فى تشخيص الورم، وبالتالى صرف العلاج أو استخراج القرار ياخد وقت طويل، لأنه غالى جداً ومفعوله لم يثبت، فمثلاً نلاقى دواء لسرطان الكبد غالى بيتكلف حوالى 20 ألف شهرياً للفرد الواحد، ودون نتيجة قوية»، ويكمل «إقامة صرح طبى بديل يتسع لكل المرضى يستطيع الإسهام فى معاناتهم، والبعد عن فكرة قرارات العلاج الاستثنائية».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.