خلق الله المرأة جميلة بطبعها، رقيقة بحالها، على وجه يحنن قلب الرجل الإنسان عليها بما يجعله باذلاً نفسه من أجل حمايتها وعدم إيقاع المكروه بها، ولو كان على حساب حياته التى يراها رخيصة أمام هذا الإنسان الجميل الرقيق، حتى إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) عد هذا البذل شهادة؛ فقد أخرج أحمد والنسائى والترمذى، وصححه، عن سعيد بن زيد أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «من قُتل دون أهله فهو شهيد»، ولعل السر فى هذا أن الله (تعالى) يحب الجمال فيكرم من يحمى الجمال، أو أن الله (تعالى) يكره الظلم فيكرم من ينصر الضعفاء. ويدل على حب الله (تعالى) للجمال عموم قوله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدث»، وما أخرجه الترمذى بسند صحيح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، وما أخرجه مسلم عن عبدالله بن مسعود أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الله جميل يحب الجمال»، وأخرج الطبرانى وأبويعلى عن عائشة بسند ضعيف أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، وأخرج أحمد عن أبى هريرة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق»، وأخرجه مالك بلاغاً بلفظ: «بعثت لأتمم حسن الأخلاق». كما يدل على بغض الله (تعالى) للظلم وكرمه لمن ينصر الضعفاء ما أخرجه البخارى عن سعد بن أبى وقاص أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟»، وأخرج الحاكم، وصححه، عن أبى الدرداء أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «ابغونى فى الضعفاء فإنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم»، وأخرج مسلم عن أبى ذر أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال، فيما يرويه عن ربه: «يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرماً فلا تظَّالموا». ومن هنا كانت حماية المرأة تعبيراً عن حب جمال الإنسانية، حتى يمكن احتساب هذا الحب المجرد عن الهوى معياراً للإيمان، فقد أخرج البيهقى عن أنس بن مالك أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إنما حُبِّب إلىَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعلت قرة عينى فى الصلاة»، وأخرجه أحمد والنسائى والطبرانى بلفظ: «حبب إلىَّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عينى فى الصلاة». وإذا طرأ على الرجل السوى ما ينسيه حق حماية المرأة وصيانتها من أى مكروه بدنى أو نفسى، فإن الرسول (صلى الله عليه وسلم) يسجل وصيته بهن خيراً إلى قيام الساعة، ويطلب من كل من آمن به أن ينقل وصيته بالنساء خيراً إلى غيره، وهو ما يعرف بالتواصى، أى تبادل الإيصاء بالنساء خيراً، فقد أخرج الشيخان، واللفظ لمسلم، عن أبى هريرة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «استوصوا بالنساء فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيراً»، وأخرج الطبرانى عن على أنه أوصى بعد أن طعنه ابن ملجم، وكان مما أوصى أن قال: «الله الله فى الضعيفين؛ نسائكم وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به النبى (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: أوصيكم بالضعيفين؛ النساء وما ملكت أيمانكم». ويحذر الإسلام أشباه الرجال الذين لم يحن عليهم أحد وهم أطفال سوى النساء، حتى إذا اشتدت سواعدهم وقويت عضلاتهم ابتدأوا الأمهات والأخوات بالعدوان والبطش وعلو الصوت، وعندما ملكوا زمام الأمر حرموا النساء من حقهن فى الأمان والميراث، فقد أخرج أنس عن أبى هريرة أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحِقو الرحمن فقال لها: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك»، قال أبوهريرة: اقرأوا إن شئتم قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد: 22-23). وتختلف نظرة الفقهاء فى طريقة حماية المرأة من التحرش بحسب حيلة كل فقيه، هل تكون بحبس النساء وقمعهن فى البيوت والنقاب، أم تكون بتربية الرجال وتهذيب نفوسهم وتمكينهم من امتلاك زمام أنفسهم؟ إن الذين يذهبون إلى الاتجاه الأول المقيد لحرية المرأة والمحدد لمقار إقامتها وضوابط ملابسها من أجل حمايتها دون أن يجعلوا مثله للرجل قد يبررون وجهة نظرهم بقاعدة «سد الذرائع»، أى إغلاق بعض أوجه المشروعية عند خوف وقوع الفتنة مع الاستشهاد ببعض النصوص الشرعية التى تحتمل التأويل، وهذا الاتجاه مع انحيازه للرجال ومجيئه على النساء إلا أنه لا يضمن حمايتهن من التحرش فى داخل بيوتهن ومن وراء نقابهن؛ لأن سبب التحرش الرئيس هو فى عدم تربية الرجل على الشهامة والمروءة والتضحية لحماية الضعيف ورعاية جمال الله فى الأرض، فما كانت تلك القيود على المرأة إلا ناقلة لمسرح التحرش من الطريق العام إلى الأماكن الخاصة. أما أصحاب الاتجاه الثانى فيرون أن حماية المرأة من التحرش تبدأ من التربية على الحياء الذى يجعل الإنسانية عنواناً للتعامل بين الذكر والأنثى، بحيث يرى كل منهما صاحبه إنساناً كريماً على الله، وإذا ابتُلى أحدهما برؤية صاحبه فى التعامل الإنسانى بالمعنى الذكرى أو الأنثوى، فعليه أن يعيد حساباته الإيمانية أو عليه أن يخضع لعقوبة المجتمع التى تقوِّم المعوجين، قال سبحانه: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} (النور: 30)، وقال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (النور: 31)، وأخرج الطبرانى وابن ماجه بإسناد حسن عن أنس بن مالك أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء». ولم يضع الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أطروحات منع التحرش حبس المرأة أو عزلها عن المجتمع حتى فى صلاة الجماعة أو فى الحج الذى يتزاحم فيه الرجال والنساء فى أزمنة وأمكنة واحدة، فهى الضحية المظلومة التى تحتاج إلى النصرة وليس بمزيد قهر، وإنما بالأخذ على أيدى المعتدين الذين يبغضهم الله بظلمهم كما قال سبحانه: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة: 190)، وأخرج البخارى عن أنس أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، فقال رجل: أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً؟ قال: «تحجزه -أو تمنعه- من الظلم فإن ذلك نصره»، كما أخرج الشيخان عن ابن عباس فى حجة النبى (صلى الله عليه وسلم) وكان الفضل بن العباس رديفه، فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبى (صلى الله عليه وسلم) يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، كما أخرج أحمد وابن ماجه والترمذى بسند صحيح عن ابن عباس قال: «كانت امرأة تصلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون فى الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون فى الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ} (الحجر: 24). ولم يثبت أن النبى (صلى الله عليه وسلم) حجر على النساء فى بيوتهن لمنع ما عساه أن يكون من مثل هؤلاء القوم، بل كان ينهى الرجال أن يمنعوا النساء من الخروج للمشاركة فى الجماعات العامة؛ لأن المرأة يجب أن تكون آمنة وسط ناسها ورجال مجتمعها، ولا يجوز أن تُقهر بفرض الحجر عليها، فقرار خروجها أو عدمه فى الجماعات يرجع إليها؛ لما أخرجه الشيخان، واللفظ للبخارى، عن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء فى الجماعة فى المسجد، فقيل لها: لم تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك؟ قالت: وما يمنعه أن ينهانى؟ قال: يمنعه قول النبى (صلى الله عليه وسلم): «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». إن جريمة التحرش بالمرأة مع إساءتها للإنسانية فى المجمل تهين الرجل أكثر من إهانتها للمرأة، فهى فى غالب الأحوال صاحبة عذر وستجد لها مخرجاً عند الله تعالى، أما هذا الذئب البشرى فماذا يقول عن انفلاته الذاتى وعدم سيطرته على نفسه إلا أن يعاقب بحجر المجتمع عليه ومنعه قسراً مما عجز هو عن منع نفسه منه؟ ناهيك أن يكون دافع التحرش هو إنفاذ سياسة الخوارج أصحاب المشروع المسمى بالإسلامى للمتاجرة بعواطف المسلمين، فكيف بهم يرفعون هذا الشعار ثم يمارسون هذا القبح ولو بالاستئجار المالى لأهل السوقة من أجل إطفاء فرحة المصريين يوم احتفالهم بتنصيب رئيسهم الذى أحبوه والتفوا حوله راجين الله (عز وجل) أن يعم بفضله وأمنه وبركته جميع المصريين؟ لقد من الله (عز وجل) على رئيس مصر المحبوب فوفقه إلى ما لم يخطر على بال أحد عندما زار المرأة الضحية المتحرَش بها فأنطقه الله صدقاً بالاعتذار لها ولكل امرأة مصرية، وتعهد ببذل أقصى ما يمكن فعله فى سبيل عدم تكرار هذه المهانة، فكان هذا بلسماً يطيب خاطر المصريين مع عمق جراحهم، وعاد الخوارج بالخسران المبين.